الشهد القسامي/ رشاد الدين عبد الرحمن حسين ياسين
الحاضر الغائب
القسام - خاص :
"في ظاهر الأمر نحن أحياء وهم أموات، أما الحقيقة فإننا نعيش حياة الموت، نمارس العيش المزيف، نركض خلف قوس قزح، نلهو، نعبث، نضحك ونبكي، نحمل الهم على الأرزاق، نولول على صفقاتنا البائسة التي لا تنجح، نتشاجر على حطام الدنيا، نتفاخر، نحيا كما الأنعام، نركض خلف ألف وهم ووهم، تداهمنا الرغبة واللذة والانشغال في توافه الأشياء، نعيش بضع سنين أخرى وفي النهاية.. يأتي الموت".
لكن! الأجمل في النهاية بأن يكون الموت ذو حكاية مجد وعز، نسردها للأجيال، ونقول لهم: إن مجاهد وفارسا صنديدا، (شقيق توأم) ولد في الرابع من أبريل/ نيسان، لعام 1986م، ونشأ في أحضان عائلة لاجئة، توج حياته مقداما شهيدا.
ميلاد الشهيد
عاش فارسنا رشاد الدين عبد الرحمن ياسين، في أحضان عائلة لاجئة تعود جذورها لقرية "الجّية"، وبعد هجرتها قسرا إبان النكبة الفلسطينية 1948م، استقرت في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة.
نشأ رشاد الدين في عائلة ملتزمة، طيبة الذكر والمعاشرة بين آلاف العائلات في ذاك المخيم، وتربي بين إخوانه وأخواته على السماحة والطيبة، وحسن الخلق.
تلقي طالبنا رشاد الدين، تعليمه الابتدائي والاعدادي في مدارس مخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، ثم تعليمه الثانوي في مدرسة خالد بن الوليد الحكومية، غير أن أوضاع عائلته المادية حالت دون التحاقه بالتعليم الجامعي.
عرف حبيبنا رشاد الدين، والمكني بـ"أبو العز" بتواضعه الجم، وطيبة قلبه، وابتسامته الدائمة، وحبه للعمل الخيري والتطوعي، كما كان شابا ملتزما بعباداته، ونوافل العبادات، وحضوره الدائم في مسجده (مسجد الشهيد عز الدين القسام).
حياته وعلاقته بوالده
كما عرف عن (توأم العائلة)، بشدة طاعته لوالديه، وبره لهما، وملما لجميع حاجاتهما ورغباتهما، عوضا عن كونه أخ حنونا، وخادما وساعيا لمصالح أشقائه.
ويذكر أن رشاد الدين، عمل برفقة أشقائه في العمل الفني (الرسم) فقد كانت موهبته الشخصية، وسائقا؛ لأجل كسب المال الحلال، ومساعدة عائلته في مصروفاتها المعيشية، ثم التحق في وظيفته بجهاز "الأمن والحماية" التابع لحركة حماس.
وللحبيب "أبو العز" حكاية أخرى مع أصدقائه، فكان شخصا مرحا ضحوكا، محبا للخير، وحريص على مساعدة الجميع، عوضا عن أن شخصيته كانت مفعمة بالحيوية والنشاط، لدرجة أنه كان يمارس الرياضة وكرة القدم خاصة بشكل مستمر.
تزوج رشاد الدين، من ابنة عمه، وعاش معها قرابة العاميين، وأنجب مولدته البكر، حنان، ليكون بذلك الزوج والأب الحنون، قبل أن يفارق الحياة مسرعا.
حياته التنظيمية
التحق الشبل رشاد الدين ياسين، في صفوف الكتلة الإسلامية، الذراع الطلابي لحركة حماس، إبان الانتفاضة الأقصى الثانية، عام 2000م، ونشط في عمله الطلابي، وتنظيم الفعاليات الجماهيرية، ومسيرات الشهداء.
تميز رشاد الدين، بحبه للعمل الإسلامي والتضحية في سبيله، وقضاء جلّ وقته في رسم الجداريات، واللوحات الفنية الداعمة للمقاومة الفلسطينية عامة، ولمسيرة حركة حماس الجهادية خاصة، وذلك خلال عمله بجهاز العمل الجماهيري التابع لحماس، والذي أبدع خلاله برسم العديد من اللوحات الفنية، والتي جعلته مميزا وذو شهرة فنية.
كما تميز "أبو العز" بصناعته للمفرقعات اليدوية "الأكواع"، وإطلاقها على المغتصبات وجنود الاحتلال قبل دحرهما من قطاع غزة.
وعقب دحر المقاومة للاحتلال من قطاع غزة، صيف 2005م، شارك الراحل "أبو العز" في مسيرة الاحتفال المشهودة والتي أقيمت في محررة نيتساريم وسط قطاع غزة، احتفالا بتحرير القطاع، "وأثناء صعوده لإحدى أعمدة الكهرباء بغرض قيامه تصوير الفعاليات الجماهيرية، أصيب حينها بتماس كهربائي أسقطه أرضا".
وبقدر المولي عز وجل، خضع آنذاك "أبو العز" للعلاج أشهر طويلة، ثم ما لبث أن عاد لحيويته ونشاطه، ومع مطلع عام 2008م، اختارت كتائب الشهيد عز الدين القسام، فارسها الجديد، رشاد الدين ياسين، للعمل ضمن صفوفها العسكرية.
خضع المجاهد القسامي، لتدريبات عسكرية، ومحاضرات نظرية، لتأهيله للعمل العسكري، والتي ساعدتها في القتال في معركة الفرقان (حرب 2008)، ثم انتقل المجاهد رشاد للعمل ضمن إحدى التخصصات العسكرية للكتائب، وحدة "الدفاع الجوي".
تلقي رشاد الدين العديد من الدورات العسكرية، والتخصصية في الدفاع الجوي، عوضا عن مشاركته المجاهدين ليال الرباط في سبيل الله، والمشاركة في حفر الأنفاق العسكرية، كما شارك في معركة حجارة السجيل، (العدوان عام 2012م).
رحيل الفارس
ولعل الحكاية الأبرز في حياته العابد المجاهد، رشاد الدين ياسين، هي الليلة الأخيرة من هذه الحياة، والتي قضاها برفقة زوجته وطفلته، سعيدا مسرورا بينهما، وقال لزوجته في ذاك اليوم: "أتمني أن تتطاير أعضاء جسمي في سبيل الله فلا يجدون من جسمي شيئا ابتغاء مرضاة الله".
وفي صباح يوم الثامن من يوليو لعام 2014م، ذهب المجاهد القسامي رشاد الدين، للرباط في النهار ؛ خشية عدوان صهيوني قادم على قطاع غزة، وفقا لتوقعات قيادة كتائب القسام.
وبالفعل، وصل المجاهد "أبو العز" نقطة رباطه العسكري برفقة مجاهد آخر، وجلس يذكر الله عز وجل، ثم صلي ركعتين الضحى وقرأ ما تيسير من القرآن الكريم، وبعدها جلس يراقب حركة الطيران الصهيوني في سماء قطاع غزة عبر ناظوره العسكري.
ولحظات!، حتى أغار الطيران الصهيوني بصاروخين على ذات المنطقة، ليرتقي خلالها شهدينا المجاهد رشاد الدين عبد الرحمن ياسين "أبو العز"، شهيدا في سبيل الله.
وشيعت آلاف الجماهير من مخيم النصيرات، شهيدها صاحب حكاية المجد والعز، إلي مثواه الأخير، ليقوم حينها "شقيقه التوأم" – عدنان – بتوديع داخل قبره (رحمه الله).. وهو المشهد الذي أبكي جميع الحاضرين والمشيعين.