الشهيد القائد الميداني / محمد ماجد أبو كميل
أسد الكمائن صائد الدبابات
القسام - خاص :
إلي من يبحث عن الفارس محمد، إنه تحت عرش مولاه جالس، باع دنياه منافس، واشترى جنة الخلد بباخس، باع دنيا فيها هم، فيها نصب بلا فلوس، وأقبل يغدو بجنة له فيها عروس، يامحمد يا لسعدك بالكؤوس، وأنهارها خمر وعسل وأطيب من عرق السوس، وحليها تاج الوقار على الرؤوس، وجواكر أمثالك تدوس على الجنود، ونفوس طيبة لا غل فيها ولا وساوس آمنين.
هنيئا ما أنت فيه شهيدنا محمد..
وعلى ضفاف الجنة سنلتقي يوما، وعلى أنهار الجنة سنشرب دوما، وعلى حوض المصطفى سنجتمع حقا، وعلى آرائك الفردوس سنسنمر أنسا...
أولست شهيدنا رجل أصيل، ألم تعاهد الشهداء على كل شيء جميل، أولست شهيدنا أسد هصور، وقلبك بذكر الراحلون دوما يدور، ونحسب أنك تنعم حيث السابقون، تحت ظل العدل الكريم المنان، عند ملك الملوك ذو الجلال والإكرام.
وعلى رحاب الله حتما سنلتقي، وبالكوثر دوما سنرتوي، وبالشهادة حتما سنشتري، فردوس ورضا ربي، تركت الدنيا وانتفضت، ودعت الأهل وارتحلت، خرجت مجاهدا وتقدمت، وقفت شامخا ودمرت، أوجعت المحتل وترجلت، فطوبى لك يا شهيد، فقد نلت ما تمنيت، وحققت ما حلمت، وارتحلت إلى دار الخلود، وستبقى ذكراك دوما أنس القلوب.
هنيئا ما أنت فيه شهيدنا محمد..
من وسط مغراقة بزغ فجره ... وبشهر ديسمبر أشرق نوره
محمد أبو كميل هل هلاله ... وبحرب غزة دحر محتله
بقذيفتين آلم عدوه ... وبمعركة الفرقان كتب نصره
كليث شامخ تقدم بجنده ... وبجحر الديك لقي ربه
عاشر الشهدا وانشغل بذكرهم ... أبو البراء حبيب وفى بعهدهم
رحلت شهيدنا بساحة القتال ... كتبت العزة وسط النزال
شهيدا تقدمت الصفوف ... شهيدا ما هبت اليهود
نلت المنى بشهر الصيام ... وداعا شهيدنا جوكر القسام
وداعا راحلا أسد همام ... وبصحبة صحبك يحلو اللقاء
وداعا راحلا كتبت لنا الهناء ... وداعا شامخا كتبت لنا البقاء
ميلاد البطل
في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر من العام 1987م، ومع اشتعال انتفاضة الحجارة الأولى، كانت عائلة المواطن ماجد سعدي أبو كميل على موعد مع ميلاد نجلها محمد، الذي مثل بميلاده الخير على أهله ومحبيه، فبميلاده انتفضت همة لطالما أنهكها سبات الدنيا، وانتفضت لتدافع عن وطن اسمه فلسطين، وعنوانه الكل له محب وعاشق أكيد.
ترعرع شهيدنا محمد في أحضان أسرة ملتزمة تسكن في قرية المغراقة وسط قطاع غزة، تعود في جذورها إلى مدينة غزة، خرجت الشهداء، وانطلق منها المجاهدون الذين أربكوا منظومة الأمن الصهيونية في مستوطنة نتساريم سابقا.
حرصت عائلة أبو كميل على أن تربي أبنائها منذ نعومة أظفارها على حب الأوطان، وزرعت فيهم عشق القدس والمسجد الأقصى، وعلمتهم أن الأوطان لا تسترد إلا بما سلبت به.
الدراسة والعمل
تلقى شهيدنا أبا البراء تعليمه الابتدائي والإعدادي بمدارس وكالة الغوث الأونروا بمخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، وأنهى تعليمه الثانوي بمدرسة شهداء النصيرات الثانوية، والتحق بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بمدينة غزة، بتخصص تأهيل دعاة ومحفظين، غير أن الله لم يكتب له اكمال تعليمه الجامعي.
اختار محمد لنفسه طريق المزارعين، فبرع في مجال الزراعة في بيارتهم الممتدة في قرية المغراقة، تسر قلبك روعة الجلوس فيها، وتشعر بروعة الأحبة بين جنباتها، تذكرك بخضار الجنة، وتجدد فينا حب الأتقياء الذين كنا نرقب استشهادهم.
عمل شهيدنا في ضابط في صفوف الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة منذ شهر يونيو عام 2009، وتنقل في العديد من الأجهزة العسكرية، حيث بدأ بجهاز القضاء العسكري، وانتقل لعدة أعوام في جهاز التدخل وحفظ النظام.
الابن الحنون
ما أجمل أن تعيش تنشر السعادة في قلوب المحبين، وتسعى لنشر ثقافة المحبة بين الأهل والأحباب، تترك بصمة لك في كل مكان، عنوانها المحبة، وجوهرها الابتسامة، وأساسها المعاملة الحسنة، حيث كان شهيدنا محمد بارا جدا بوالديه، حريصا على ارضائها في كل الظروف، محبا لهما، مطيعا ملبيا لكل طلباتهم، لا يتخلف عنهم، ولا يتركهم إلا بعد كسب رضاهم.
عرف محمد بصفاء قلبه ونقاء روحه بين أخوته وأخواته، حيث كان يتوسط أخوته، غير أنه كان الأكثر حرصا على أن يكونوا الأفضل في كل مناحي الحياة، فزرع فيهم حب العمل، وأوصاهم بصلة الرحم، فكان المبادر لصلة أخته المتزوجة على الدوام، حريص على زيارة عماته وخالاته وأعمامه وأخواله وجميع أقاربه.
لم يتوقف بر محمد عند أقاربه بل تجاوز ذلك ليكون بارا بأصدقائه، فكان السباق لمساعدة أصدقائه والوقوف معهم في جميع مناسباته، الأول في الأفراح، والأول في المواساه في الأحزان، أول المهنئين، وأول المشجعين، وأول المساهمين، وأول المحبين، وأول الأحباب الذين أسأل الله أن لا يحرمني صحبتهم في الجنان.
ريحانة مسجد الايمان
التزم أبا البراء في مسجد الإيمان منذ نعومة أظفاره، فكان رحمه الله لا يقطع فرضا إلا ويؤديه في المسجد، أحب المساجد، وتعلق قلبه ببيوت الله، واختار لنفسه صحبة الأتقياء، فكان رفيقا لكتاب الله، محبا لحفاظه، مشجعا على حفظه وتثبيته، مواظبا على قراءة ورد يومي من القرآن.
وفي باحات مسجد الإيمان رافق محمد الشهداء، وتعلم معهم حب التضحية والفداء، وتعاهدوا سويا على المضي قدما في طريق الجهاد والمقاومة، فتتلمذ على يد الشهيد القائد عدنان الغول، والقائد عمران الغول، والقائد نضال حسان، والشهيد محمد الغول، والشهيد عمار حسان، والشهيد زكريا الصعيدي، والشهيد عاصم أبو كميل، والشهيد محمد أبو كميل، والشهيد محمد أبو عطيوي، والشهيد محمود الزهار، والشهيد رامي عبيد، والشهيد سعدي أبو كميل، والشهيد أحمد أبو كميل، ورفيق دربه الحبيب محمد جمال هارون، وعدد كبير من الشهداء الذين عاشوا معا على موائد القرآن، وقارعوا المحتل على، وأذاقوه ويلات رجال أقسموا على الله أن لا يردهم إليه إلا شهداء، باختصار إنهم رجال ومجاهدوا فلسطين.
وكان شهيدنا رحمه الله ممن حرص في حياته على صيام يومي إثنين وخميس من كل أسبوع، وكان كثيرا ما يجتهد في إفطار صحبه الصائمين ببيارتهم الجميلة، حيث كان يحب اغتنام الأجر والثواب من الله عز وجل.
جوكر القسام
التحق أبا البراء بصفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام مطلع انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000م، ورافق الشهداء منذ بداية عمله الجهادي، فكان بصحبة الشهيد عمار حسان، والشهيد محمد الغول، والشهيد عمران الغول، والشهيد نضال حسان، والشهيد رامي عبيد، وعدد من شهداء المغراقة الذين ارتقوا إلى الله شهداء خلال سنوات انتفاضة الأقصى.
حرص أبا البراء على اغتنام كل الأوقاف في العمل والجهاد والإعداد والرباط على ثغور مستوطنة نتساريم سابقا، فكان نشيطا مبادرا للجهاد والرباط في كل الأوقات، حيث لقبه إخوانه ب "الجوكر" فكان رحمه الله جوكر في كل أفعاله وأقواله، لا يرتاح إلا بالرباط على الثغور الأولى لمحررة نتساريم.
اختارت قيادة القسام في قرية المغراقة محمد ليكون أميرا لأحد المجموعات التابعة لها، ونظرا لحنكته العسكرية وبراعته الفذة، تم اختياره ليكون قائدة وحدة النخبة في المغراقة، ومسئولا عن عدد من الكمائن المتقدمة في منطقة جحر الديك وسط قطاع غزة، فبرع رحمه الله في التخيطيط والتكتيك في إعداد الكمائن، فكان يقضي ليله بنهاره متنقلا بين الأنفاق وكمائن جحر الديك، لا يعرف الملل، ولا يدخل اليأس في قلبه أبدا، محبا للعمل، مداوما على الذكر، مستعينا بالله في كل الأوقات والأعمال.
حظي شهيدنا محمد بشرف الرباط ومقارعة قوات الإحتلال قبل انسحابها من غزة سبتمبر 2005، فكان من المقاومين المتصدين لجميع الاجتياحات والتوغلات التي كات تتعرض لها المغراقة، من على طريق صلاح الدين، حيث مفترق الشهداء، ومن الجهة الغربية والوسطى.
ونال الجوكر شرف مقارعة الاحتلال وجها لوجه في معركة الفرقان 2008/2009، حيث رفض الخروج من المغراقة، وظل يتنقل من ثغر إلى ثغر يحمل سلاحه الشخصي، وقاذف الآربي جي الخاص به، حتى أكرمه الله بأنه يصيب قوة صهيونية راجلة تحصنت بأحد المنازل بمنطقة السقا بالمغراقة، وأصابها بقذيفتي، آر بي جي إصابة مباشرة، وأشعل الاحتلال البيت بعد انسحابهم منه ليخفوا آثار الدماء وحجم الخسائر التي تكبدوها في هذه المعركة.
وتجهز أبا البراء بصحبة مجاهدي النخبة بالمغراقة للتصدي لأي حماقة يقدم عليها الاحتلال بتهديده بالتوغل البري لمنطقة المغراقة خلال معركة حجارة السجيل 2012، حيث كتب الله له الحياة، إذ خرج من المكان الذي استشهد به 5 من مجاهدو المغراقة قبل قصفه بلحظات، ليواصل درب الشهداء، ويلحق بهم في معركة العصف المأكول.
ومع بداية معركة العصف المأكول بتاريخ 7-7-2014، امتشق شهيدنا سلاحه، وأعد مجاهدي النخبة، وانطلق بهم نحو الكمائن المتقدمة بمنطقة جحر الديك، حمل مسئولية الجميع، وظل متابعا لوحدة النخبة حتى الرمق الأخير، ناور المحتل في كثير من المناطق، وأكرمه الله برجال ثبتوا وردوا المحتل بعد استشهاده.
وتلقى شهيدنا أبا البراء العديد من الدورات العسكرية في أكاديمية القسام منها :
1- دورة اعداد مقاتل فاعل عام 2006.
2- دورة مشاة.
3- دورة دروع
ومن أبرز الأعمال الجهادية التي قام بها شهيدنا الجوكر بصحبة مجاهدي القسام:
1- الرباط على الثغور المتقدمة لقرية المغراقة ومنطقة جحر الديك، حيث شارك في تجهيز العديد من الكمائن المتقدمة، وزرع العديد من البراميل المتفجرة لقوات الاحتلال.
2- المشاركة في حفر العديد من الأنفاق القسامية، حيث كان مسئول عن إحدى مجموعات النخبة المتخصصة في حفر الأنفاق، وكان أول من ينزل النفق، وآخر من يخرج منه، بعد الاطمئنان على سلامة جميع المجاهدين.
3- المشاركة في التصدي للعديد من الاجتياحات التي تعرضت لها قرية المغراقة قبل الانسحاب الصهوني من قطاع غزة عام 2005.
4- المشاركة الفاعلة في معركة الفرقان عام 2008/2009، ومعركة حجارة السجيل 2012، وشرف الاثخان في الاحتلال والشهادة في معركة العصف المأكول 2014.
5- نال شرف إصابة وحدة صهيونية راجلة بشكل مباشرة بقذيفتي دروع بمعركة الفرقان، وأوقعهم بين قتيل وجريح، والعملية مصورة وبثت عبر وسائل الاعلام.
6- استهداف 4 دبابات في منطقة جحر الديك، واستهداف قوة خاصة، حيث لقب بصائد الدبابات خلال معركة العصف المأكول 2014.
7- المشاركة في تجهيز ونصب العديد من الصواريخ الموجهة نحو مدننا وقرانا المحلتة، حيث كانت تربطه علاقة قوية مع مجاهدي وحدة المدفعية، وشاركهم العديد من الأعمال، ابتغاء للأجر، وزيادة في الاكثار من الجهاد في سبيل الله.
شهادة بأعظم الشهور
قبل معركة العصف المأكول تعرض شهيدنا محمد لكسر في ذراعه اليسرى، غير أنه أصر على إدارة المعركة في منطقة جحر الديك بنفسه، فتوجه منذ اليوم الأول كامنا لأعداء الله في المناطق الشرقية لجحر الديك، والجبس لا يزال بيده، واضعا حجة على جميع الأصحاء، ومع اقتراب غروب يوم الرابع والعشرين من شهر رمضان الموافق 22-7-2014، وقبل أذان المغرب بنصف ساعة، توجه شهدينا القائد محمد ماجد أبو كميل لضرب أحد الآليات الصهيونية المتوغلة شرق منطقة جحر الديك، فتقدم الصفوف، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي الصهيوني، ومع اقترابه من الهدف باغتته طائرة استطلاع محملة بالصواريخ بصاروخ ارتقى على إثره شهيدا إلى الله عز وجل، صائما مقداما مرابطا مثخنا بالاحتلال، بعد حياة مليئة بالجد والجهاد، والعمل المتفاني من أجل نصرة الإسلام، واستعادة الأوطان، وتحرير المقدسات، وإرضاء الله قبل كل شيء، والجود بالنفس طلبا لجنة الرحمن، وظل جثمانه في منطقة جحر الديك لمدة 4 أيام، حيث تم دفنه بتاريخ 26-7-2014 بعد الإعلان عن تهدئة لعدة ساعات.
ومن كرامات الشهيد أنه كان يحمل القرآن الكريم في جيبه، ورغم تعرضه لصاروخ مباشر من طائرة استطلاع هجومية إلا أن القرآن الكريم لم يصبه أي شيء، وظل عامرا في قلوب الشهداء والأحياء الذين سيواصلوا الطريق.
وبشهادة الجوكر تكون قد انتهت غربته بهذه الدنيا، وانتهى التعب الدنيوي الذي اجتهد فيه لما يزيد عن اثني عشر عاما بصحبة مجاهدي القسام، ليحين للجسد الطاهر أن يستريح، ويكون بجوار الرفيق الأعلى، حيث الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
أبا البراء .. عشت غريبا، وجاهدت سعيدا، واستشهدت وحيدا، فطوبى للغرباء ..
لقبت شهيدنا بجوكر المغراقة، فتركت بصمتك في كل مكان، تقدمت الصفوف، ورفضت الركوع، وأصررت على الجهاد بأفضل الشهور، فاصطفاك الله مقداما قبل الفطور، ورحلت شهيدا لجنة يحلو بها العطور ..
شهيدنا محمد .. أوصل سلامنا لسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبره بأننا ما زلنا في قيام، وسنبقى حاملي رأس السنام، ولن نترك الطريق الذي أوصانا به، ولنا لقاء حيث يجاور فيه الحبيب الحبيب ..
رحم الله شهيدنا المقدام، وألحقنا به شهداء، وجمعنا به في مستقر رحمته