محمود عيسى اسم لطالما أرعب المحتل

القائد على البغدادي

2014-02-27

محمود عيسى اسم لطالما أرعب المحتل

القسام – خاص:

هي سيرة السابقون الذين عطروا حياتهم بنفحات ربانية، وهي حكاية عز صاغها الراحلون بأجسادهم الباقون ببطولاتهم، وهي تاريخ حياة عاشها الصادقون مع الله، فكان ممن قال الله فيهم "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".

الشهيد القسامي القائد محمود مطلق عيسى، اسم لطالما أرعب المحتل الصهيوني، اسم لطالما ذكر المحتل بأن الرجال يموتون ولا يتنازلون، يفنون ولا يخضعون، يعتقلوا ولا يستسلمون، يرحلوا ولا يفرطون، اسم حمل في طياته تاريخ فلسطيني أصيل، عشق الوطن طفل صغير، ورحل شهيدا قائدا كبير.

ولأننا في ذكرى الشهداء نتنسم عبق بطولاتهم، ونستذكر تضحياتهم، ونستأنس برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أجرى " القسام " حوارا خاصا مع رفيق الشهيد الشيخ علي البغدادي "أبو عبد الله" اطلع من خلاله على أبرز محطات القائد عيسى، وإليكم نص الحوار بالتفصيل:

الشيخ القائد علي البغدادي " أبو عبد الله "، أحد مجاهدي القسام الأوائل في مخيم البريج، رافق الشهيد القسامي القائد محمود مطلق عيسى، مسئول القسام في المنطقة الوسطى والجنوبية، منذ عام 1983، وقارعا الاحتلال سويا على مذبحة البطولة والفداء، وكتب الله لهما الاعتقال معا وفي نفس اللحظة، وظلا مجاهدين إلى أن كتب الله الشهادة للقائد محمود عيسى.

القائد أبو عبد الله لم يغير في طريقه أو يبدل، بل ظل كما عاهد السابقون على ذات الدرب، حتى كتب الله له الإصابة أثناء إطلاقه قذائف الهاون على مغتصبة  نتساريم، ليفقد نتيجة هذه الإصابة بصره، ولتبتر يده اليسرى، غير أنه ظل صابرا ولم يبدل تبديلا.

1- بداية تحدث لنا عن تجربتك الشخصية مع الشهيد القائد محمود عيسى ؟

بدأت معرفتي بالشهيد القائد محمود عيسى عام 1983 في باحات مسجد البريج الكبير، وازدادت علاقتنا عندما قمنا ببناء المسجد بشكله الحالي، حيث التقينا حينها في مجال العطاء في بناء المسجد، وقد كان شهيدنا صاحب طاقة كبيرة، لا يحب الكلام ، بل يؤثر العمل على كل شيء، مطيعا لكل ما يطلب منه، وقد كان الجندي الخاص للأسير القائد حسن المقادمة فك الله أسره، فهو صاحب المهمات النادرة والفريدة، فطن سريع البديهة، صبور يتحمل أكثر من الصبر ذاته.

كما أن شهيدنا القائد اكتسب هدوئه من البحر الذي تربى على شاطئه، حيث ولد في معسكر دير البلح بالمحافظة الوسطى، واكتسب كذلك قوته من هدير البحر، فتجده هادئا في وقت الهدوء، وقويا في وقت القوة.

وخلال تجربتي الشخصية معه حدثت كثيرا من القصص البطولية مع الشهيد منها :

-    القصة التي تدل على شجاعته وإقدامه، حين انتدبه الأسير حسن المقادمة يوما عام 1988، لإرسال البيانات إلى معسكر دير البلح، وكان حينها يقع منع التجول على المعسكر، غير أن شهيدنا محمود ركب دراجته الهوائية، وذهب إلى المكان المطلوب، وقام بتوزيع البيانات على الدراجة الهوائية، في ظل منع التجول.

-    قصة أخرى تدل على فطنته، حيث أرسله الأسير حسن المقادمة مرة أخرى بمجموعة من البيانات إلى معسكر دير البلح، وفي الطريق قابله جيب عسكري، فأوقفه وطلب منه بطاقة الهوية، فوضع رحمه الله ما بيده من بيانات على مقدمة الجيب، وقاموا بتفتيشه، ومن ثم أطلقوا سراحه بعدما انطلت عليهم حيلته.

2- كيف كان ينظر شهيدنا القائد محمود للاحتلال الصهيوني؟

كان رحمه الله يحمل عز في صدره، فلا يستسلم للاحتلال ولا لجنوده، بل كان يقاومه بكل الوسائل، كيف لا وهو من الجنود الأوائل الذين قاموا بإطلاق شرارة الانتفاضة الأولى ومن قبلها مع الاحتلال، حيث قام قبل الانتفاضة بأشهر من اندلاع الانتفاضة بحرق أراضي مزروعة بالقمح خلف الجدار الفاصل، وهذا يبين حجم تطلعاته نحو مقاومة الاحتلال، ومع بداية الانتفاضة الأولى، كان من المجاهدين الأوائل حيث كان يخرج بصحة أحد إخوانه لتنفيذ المهمات الجهادية.

ومع بداية انتفاضة الأقصى، زادت روح المقاومة في نفس شهيدنا، فقد أراد القيام بعملية جهادية داخل موقع عسكري خلف الجدار الفاصل، فذهب بصحبة أحد إخوانه لزرع عبوة تحت برج عسكري، وفوجئا مع اقترابهم من البرج بيقظة الجنود، الذين باغتوهم بإطلاق النار الكثيف، وقد كان حينها شهيدنا محمود متقدم كثيرا عن زميله، وفور إطلاق النار سقط في حفرة مجاورة حمته من النيران، واعتقد القسام أنه استشهد، لكنه بعد 3 ساعات فوجئوا بعودته على قدميه، وقد خرج من بين الجنود دون أذى أو اعتقال، ونحن كنا نلقبه بالغزال لخفة حركته ورشاقة جسمه.

3- هل تعرض القائد محمود للاعتقال؟ تحدث لنا عن ذلك بشيء من التفصيل؟

اعتقل محمود عيسى المرة الأولى بتاريخ 25-5-1989، خلال الضربة العسكرية الأولى لحركة حماس، بتهمة مشاركته في إلقاء عبوات على جيش الدفاع، وحكم عليه بالسجن 7 سنوات، قضاها في سجن النقب بصحبة المجموعة التي كان يعمل ضمن صفوفها بالبريج، وهم الشهيد محمود عيسى 7 سنوات، وأبو البراء 5 سنوات، وأبو الأرقم 6 سنوات، وعلي البغدادي " أبو عبد الله " 4 سنوات، وقد أتيحت لشهيدنا محمود إبراز مواهبه الفذة، حيث وصل إلى الموجه الأمني للمعتقل، لقوة شخصيته وفطنته، وقد حظي على لقب " الإمبراطور " داخل المعتقل، وأفرج عنه في اتفاق أوسلو في شهر مايو عام 1994، بعد 5 سنوات من اعتقاله.

والاعتقال الثاني له كان عند السلطة الفلسطينية، مطلع عام 1996، خلال الضربة التي وجهتها السلطة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، حيث مكث في المعتقل ما يزيد عن 3 شهور.

أما الاعتقال الثالث فكان في عام 2001، عند حاجز ابو العجين وسط القطاع ، على يد قوات الأمن الوطني، قضى في سجونهم نحو شهرين، وكان ذلك قبل استشهاده بعام واحد .

4- صف لنا المرحلة التي تم تعيين فيها محمود عيسى قائدا على المنطقة الوسطى والجنوبية؟

نظرا لموقع أبو مصعب من ناحية الجانب الأمني، وعلاقته القوية بالشهيد صلاح شحادة، والشهيد زاهر نصار، تم اختياره مسئولا لكتائب القسام في المنطقة الوسطى، وذلك في الأيام الأولى من انتفاضة الأقصى الثانية، حيث شق عمله ببعض العتاد القليل، وبصحبة عدد من الشباب المجاهدين الذين كانوا لا يتعدون أصابع اليدين، ولكنهم كانوا يقومون في كل يوم بتنفيذ عدد من العمليات العسكرية في المحاور الثلاث التي تحيط بالمنطقة الوسطى وهي " مغتصبة  نتساريم ، ومغتصبة كفار داروم ، والسلك الفاصل مع أراضينا المحتلة ".

وبعد استشهاد قائد القسام في المنطقة الجنوبية الشهيد بكر حمدان، عين الشهيد محمود عيسى مسئولا لكتائب القسام في المنطقة الجنوبية، بالإضافة إلى المنطقة الوسطى، حيث حرص خلال هذه الفترة على تنفيذ العديد من العمليات البطولية ضد قوات الاحتلال، حيث كان من أبرزها تدمير الموقع العسكري المعروف باسم " افريقيا " الواقع بين مدينتي رفح وخان يونس جنوب القطاع، وكانت حينها من أقوى العمليات، وأول عملية تنفذ من خلال الأنفاق القسامية.

كما أشرف على عمليات تفجير آليات عسكرية شرق مخيم البريج، وعلى طريق مفترق الشهداء، وقد قام بتطوير الجهاز العسكري، من الناحية اللوجيستية والبشرية إلى يوم استشهاده.

5- بعد تكليف أبو مصعب بإمارة المنطقة الوسطى والجنوبية، هل تغير أسلوب حياته؟

تغيرت حياته من ناحية الجوانب الأمنية، وخصوصا بعد محاولات الاغتيال الغير المباشرة التي تعرض لها، فبدأ يأخذ منحى الجانب الأمني في كافة أمور حياته اليومية، فقد كان يعمل موظفا في الجامعة الإسلامية، وكانت حياته منضبطة ومنتظمة بشكل كبير، من خلال تجربته بسنوات السجن والاعتقال، وخلاصة القول أن حياته الاجتماعية لم تتغير كثيرا بعد تسلمه مسئولية القسام في الوسطى والجنوب.

كما أنه رحمه الله كان يملك من السرية والكتمان الشيء الكثير، الأمر الذي ساهم وساعد على إنجاح الكثير من المهمات، فهو لا يعطي معلومات لمن حوله، إلا كجرعة الدواء لمن يستحقها، فقد كان قائدا مميزا، يتقدم الجميع عند تنفيذ العمليات والمهمات الجهادية أو الاستطلاعية أو حتى الدوريات الاعتيادية، ولم يكن يحسب لحياته أي حساب، بل باع روحه لله جل في علاه.

ومما يدلل على شجاعته وتقدمه الصفوف، أنه قبل استشهاده بأسبوع، اقتحم الاحتلال موقع مقبولة شرق مخيم البريج، فتوجه شهيدنا للتصدي لقوات الاحتلال، ولم يكن يفصل بينه وبين الاحتلال سوى 100 متر.

كذلك حادثة استشهاده تدل على ذات الهدف، حيث أنه قائدا يتقدم الصفوف، فقد ذهب في مهمة رصد لموقع عسكري شرق قرية المصدر وسط القطاع، بصحبة المجاهد ياسر المصدر، ومع اقترابهم الشديد من الموقع العسكري، وبعد مراقبة الاحتلال لهاتفه المحمول "الميرس"، انتهزت فرصة اقترابه من السلك الفاصل، وأخرجت على الفور طائرتان مروحيتان، أطلقت عليه النار بشكل مباشر، وتقدمت بعدها الدبابات لتتأكد من استشهاده، وكان ذلك عصر يوم التروية، وتم تشيعه يوم عرفة، بتاريخ 20-2-2002.

6- ما هي أبرز الأعمال الجهادية التي قام بها شهيدنا رحمه الله؟

لقد أكرم الله أبو مصعب بالمشاركة في عدد كبير من المهمات الجهادية منها:

- التخطيط والمشاركة في تدمير الموقع العسكري المعروف باسم "افريقيا" الواقع بين مدينتي رفح وخان يونس جنوب القطاع، وكانت حينها من أقوى العمليات، وأول عملية تنفذ من خلال الأنفاق القسامية.

- قصف المغتصبات  الصهيونية المحاذية للشريط الحدودي شرق قطاع غزة بقذائف الهاون وصواريخ القسام .

- تنفيذ عدد من العمليات العسكرية في المحاور الثلاث التي تحيط بالمنطقة الوسطى وهي "مغتصبة نتساريم، ومغتصبة  كفار داروم، والسلك الفاصل مع أراضينا المحتلة".

- المشاركة في نصب العبوات الجانبية للدبابات والمدرعات الصهيونية على الخط الشرقي وبالقرب من مغتصبة  نتساريم.

- الاشراف على عمليات تفجير آليات عسكرية شرق مخيم البريج، وعلى طريق مفترق الشهداء "نتساريم".

- المشاركة في تجنيد وتجهيز الاستشهاديين، حيث كان له الفضل الكبير في بعض العمليات التي حدثت في المنطقة الوسطى والجنوبية.

- المشاركة في صد الاجتياحات التي كان يتعرض لها مخيم البريج خلال انتفاضة الأقصى.

- كان لها دور بارز في تجنيد الشباب ليكونوا مجاهدين في كتائب الشهيد عز الدين القسام .

7- ماذا كان يمثل أبو مصعب بالنسبة لكتائب القسام؟

كان بمثل لكتائب القسام في المنطقة الوسطى والجنوبية لقطاع غزة شريان الحياة المتدفق بالحيوية والنشاط، فقد عاش حياته لله، ومع بداية انتفاضة الأقصى إلى يوم استشهاده جعل من حياته وقودا للجهاد والبذل والعطاء، في سبيل الله الحي الذي لا يموت.

8- هل أثر رحيل أبو مصعب على عمل كتائب القسام في المنطقة الوسطى والجنوبية؟

في الحقيقة لم يؤثر رحيله ولا رحيل أي قائد على هذه الحركة، لأن هذه الدعوة ربانية لا تتأثر بفراق القادة، فعندما يرحل قائد يولد بدل منه 100 قائد، وللعمق التاريخي لهذه الحركة، وللمراحل التي سبقت الانتفاضة، من اعتقالات أوجدت أجيالا من القادة التي تكمل المشوار.

وقد كان لرحيل القائد محمود عيسى فاجعة كبيرة، فقد ترك فراغا في قلوب إخوانه، غير أن هذا الفراغ ملئ على الفور، وتقدم بعدها الجهاز العسكري خطوات كبيرة، حيث اعتمد أبو مصعب على النوعية في اختياره لجنود القسام.

ومن كرم الله عز وجل أنه بعد استشهاده زادت الإمكانيات المادية والبشرية للقسام، وبدأت مرحلة توسيع الجهاز العسكري، حيث خلال حياة أبو مصعب كانت تستخدم نفس قطع السلاح في جل العمليات في المنطقة الوسطى.

9- ما هي رسالتك لتلاميذ أبو مصعب في كتائب القسام؟

أقول لكتائب القسام "ها هم قادتكم قد قدموا أنفسهم وكل ما يملكون، من أجل وطنهم وأقصاهم، لم يبتغوا سوى مرضاة الله وجنة الخلد، لم ينظروا وهلة إلى الدنيا، بل مضوا مقبلين إلى الآخرة، دون تردد أو وجل، فالذي ينظر إلى الخلف "الدنيا" لا يمكن أن ينظر إلى الأمام، ولا يمكن أن تسكن الدنيا والآخرة في قلب امرؤ مؤمن، فإما الدنيا وإما الآخرة، فتوجهوا إلى الآخرة الباقية، ودعوكم من الدنيا الفانية، فجنة الخلد هي الملتقى، وهي الحياة الأبدية الخالدة".

سدد الله خطاكم على الحق، ووفقكم لكل ما يحب ويرضى