الشهيد القسامي / محمد غازي محاجنة
لقد نذرت نفسي لله ثم للوطن
القسام ـ خاص :
حينما يصنع التاريخ على يد رجال كبار ، وقفوا على بوابات هذا الزمن الصعب ، لا يملكون إلا إيماناً في القلب ، ومصحفاً في يد ، وفي الأخرى بندقية ، وعندما ينطلق دم هؤلاء الرجال كل يوم في شوارع وأزقة الوطن السليب ، حيث يرصف جنرالات القسام طريق المستقبل بتضحياتهم ، فإن الكلمات تصبح مجرد حروف صماء ، ولا يستطيع الفرد فينا إلا أن يقف إجلالاً وإكباراً لهؤلاء … ولكن في النهاية لا نملك نحن المتفرجين سوى كلمات ليس أكثر.
وشهيدنا القسامي محمد محاجنة هو أحد الرجال العظام الذين صنعوا التاريخ بإيمانهم وسطروا بدمائهم طريق المستقبل لشعبنا الفلسطيني، فكانت كل قطرة من دمه الطاهر وقوداً وناراً تلهب الأرض العطشى وتنذر باستمرار الملحمة.
مولده وتعليمه
ولد الشهيد البطل محمد غازي رضوان محاجنة في قرية " الطيبة " الواقعة في أحضان جبال جنين الشماء بتاريخ 16\5\1980م لعائلة طيبة ، فلسطينية الأصل و إسلامية المنبت ، حيث نشأ وترعرع فيها على حب الوطن والإخلاص للعقيدة ، تلقى الشهيد محمد تعليمه الأساسي والإعدادي في مدارس قريته ثم انتقل بعد ذلك لدراسة المرحلة الثانوية في مدارس قرية رمانه المجاورة .
التزم الشهيد بالمساجد وبدور تحفيظ القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز الست سنوات ، عرف عن الشهيد البطل حبه الشديد لأبناء شعبه ولأهل قريته ، فحظي منذ صغره على محبة واحترام كل من حوله ، حتى أن علاقاته امتدت لمدينة جنين وللشباب المسلم في هذه المدينة ، فكل مساجد المدينة تشهد له حضوره الدائم وإطلالته الجميلة وضحكته التي لا تفارق ثغره .
الاعتقال الأول
ترك الشهيد محمد دراسته الثانوية ، والتحق بعدها بجهاز المخابرات الفلسطيني التابع للسلطة الفلسطينية ، وفي هذه الأثناء بدأت أحداث انتفاضة الأقصى المباركة ، فلم يتأخر شهيدنا البطل محمد عن المشاركة الفعالة في أحداثها ، فاعتقل للمرة الأولى على إثر ذلك على أحد الحواجز العسكرية الصهيونية بالقرب من مدينة رام الله ، حيث وجد الجنود الصهاينة في جيب محمد عدة رصاصات ، وبعد فترة من الاعتقال أطلق سراح الشهيد عن طريق الارتباط العسكري باعتباره موظفاً في الأجهزة الأمنية الفلسطينية .
مشواره الجهادي
بعد هذا الاعتقال عاد الشهيد محمد لقريته الطيبة ولمدينته جنين ، وفي جنين عرف عن الشهيد مشاركته الدائمة في المواجهات التي كانت تدور في منطقة الجلمه ( شمال جنين ) حيث أصيب الشهيد ثلاث مرات بأعيرة نارية أطلقها الجنود الصهاينة عليه فكانت المرة الأولى في رأسه والثانية في صدره والثالثة في قدمه.
في عام 2001م انتقل الشهيد البطل محمد للعمل العسكري مع كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح ومع كتائب الأقصى خاض الشهيد محمد عدد من المواجهات والمعارك المسلحة ضد دوريات الاحتلال وقطعان المستوطنين حول المدينة ، ومن هذه العمليات التي شارك الشهيد فيها بشكل مباشر :
- عملية الطريق الالتفافي حول جنين حيث قتل في العملية جنديان من جنود الاحتلال .
- إطلاق النار على سيارة أحد المستوطنين مما أدي لمقتل مستوطنة صهيونية في المكان ( قرب قرية جلبون)
- اشتباك قرب قرية السيلة الحارثية حيث كانت ترابط في المكان وحدة من القوات الخاصة الصهيونية.
في سجون السلطة
بعد هذا النشاط الملحوظ للشهيد محمد قامت السلطة الفلسطينية بسجنه الشهيد مدة شهر بسبب مشاركته العسكرية وعدم انضباطه العسكري في صفوف جهاز المخابرات الفلسطيني .
هرب الشهيد محمد من سجن السلطة بعد قيام قوات الاحتلال باقتحام المدن الفلسطينية وتدمير مقرات السلطة فيها ، حيث طورد بعدها من قبل أجهزة الأمن الصهيونية ، وفي فترة المطاردة وفي خضم العمل العسكري تعرف الشهيد محمد محاجنة على كلٍ من المجاهد بكر بني عوده والمجاهد أمين بشارات من كتائب الشهيد عز الدين القسام ودارت بينه وبين هؤلاء المجاهدين قصة صداقة واخوة كبيرة مما دفع الشهيد محمد للانتقال والعمل في صفوف كتائب القسام.
القسامي الصنديد ومعركة المخيم
وفي كتائب القسام كان للشهيد دور كبير وفعال في عمليات المقاومة الإسلامية في المدينة، حيث شارك الشهيد رفاقه في مخيم جنين معركة الدفاع عن المخيم، وبقي الشهيد يقاتل لجانب رفاقه الشهداء أمجد الفايد وأشرف أبو الهيجاء ومحمد كميل وغيرهم، حتى نفذت الذخيرة منه واستطاع بحمد الله أن ينسحب من المخيم قبيل سيطرة قوات الاحتلال عليه.
خرج الشهيد محمد من معركة المخيم في حالة صحية سيئة ووضع نفسي صعب جراء ما شاهده من وحشية صهيونية ، وبقي الشهيد محمد مع رفيق دربه المجاهد بكر بني عوده يتلقون العناية والعلاج حتى تحسنت صحتهم وقويت هممهم ، وانطلقوا بعد ذلك ليقودوا المعركة من جديد ليكملوا ما بدأه رفاقهم في مخيم جنين وليعلم المحتل أن جند الله جند الحماس لن ولم يغادروا الساحة أبداً.
الخلية الجديدة
انتقل الشهيد محمد ومعه المجاهد بكر وأمين للعمل في محيط قرية طمون مسقط رأس المجاهدين أمين وبكر، حيث كونوا مع الشهيد البطل عاصم صوافطة ومجموعة من المجاهدين خلية عسكرية قسامية عملت على نصب الكمائن لدوريات الاحتلال وتنفيذ بعض العمليات الهجومية التي تستهدف المستوطنات في المنطقة .
في أثناء ذلك قامت قوات الاحتلال بمداهمة منزل عائلة الشهيد محمد أكثر من مرة ، حيث كانوا يقومون بتكسير وتحطيم محتويات المنزل، بعد إخراج أفراد العائلة منه ، وفي كل مرة من هذه المرات كانت قوات الاحتلال تعتقل والد الشهيد الحاج غازي محاجنة، وتقتاده لمركز سالم الاعتقالي وتخضعه لعملية استجواب وابتزاز طويلة ، حيث كانت تهدده بقتل وتصفية ابنه محمد إذا لم يسلم نفسه لهم.
نذرت نفسي لله
زار الشهيد محمد منزل عائلته عدة مرات أثناء المطاردة ، وفي كل مرة كان يقول لوالديه ( أنا نذرت نفسي لله ثم للوطن ) وقد طلب الشهيد من والدته أن ترضى عنه دائما لأنه قد يلقى الله في أي لحظة ، ويقول أهل الشهيد أن محمد كانت يصوم كل يوم اثنين وخميس تقرباً لله تعالي، حيث كان يدعوا الله أن يستشهد في أحد هذين اليومين وذلك لكي يلقى الله وهو صائم.
حادثة استشهاده
في يوم الخميس 13\3\2003م تواجد الشهيد محمد محاجنة مع رفاقه بكر بني عوده وأمين بشارات وعماد بني عوده وسامي بشارات في مبنى مدرسة طمون، وذلك في ساعات ما بعد عصر ذلك اليوم ، حيث من المقرر أن يعقد اجتماع بينهم بعد أن يتناول الجميع طعام الإفطار لأن الجميع كان صائماً في هذا اليوم .
وفعلا حضر الجميع للمدرسة وقاموا بوضع الطعام وجلسوا ينتظرون أذان المغرب، في هذه اللحظات كانت قوات كبيرة من الاحتلال ووحدات خاصة صهيونية تحاصر المكان بعد أن قام أحد العملاء - خزاه الله - بالتبليغ عن مكان تواجدهم ، وفجأة اقتحمت القوة الخاصة المدرسة ودارت في المكان معركة حقيقية استمرت ما يقارب الأربع ساعات ، حيث أدت في النهاية لاستشهاد المجاهدين الخمسة ومقتل وإصابة عدد من الجنود الصهاينة في المكان ، وقد قامت قوات الاحتلال بعد هذه الجريمة البشعة بنقل جثامين المجاهدين الخمسة لمقبرة الأرقام، التي يدفن فيها رجال المقاومة الفلسطينية كأحد الإجراءات العقابية بحقهم وبحق أهليهم.
لقد استشهد محمد ورفاقه ولكن ذكرهم باق إلى يوم القيامة وطريقهم ونهجهم سيبقى نهج الشرفاء في هذا الوطن ، فالقسام كان في الماضي وهو موجود في الحاضر وسيبقى في المستقبل إن شاء الله ، وسيعلم الصهاينة وأذنابهم أن نور الله لن ولم يطفأ في هذه الأرض المباركة ، فأبطال حماس أمثال محمد قد نذروا أنفسهم لخالقهم …. فهل سيهزم من كان مثلهم.