الشهيد القسامي / أسامة رجب إسماعيل قديح
ابتسامة لا تفارق محيّاه
القسام - خاص :
"حور العين تناديني، فدعيني أماه دعيني، لا تبكِ دموعك يا أمي عن دربي لا لن تثنيني"، ظلّ "أسامة قديح" _22 عامًا_ أيامًا يترنم على وقعِ هذه الأناشيد الروحانية قبل أن يسقط كوكبه من ذاكرة الأرض إلى سماء الذِكرى، تكتوي جنبات قلبه شوقًا لحورٍ وُعِدَ بها شهداء الحق النبلاء مقاتلين في ساحات الوغى يهزمون جنود الباطل الجبناء.
هادئًا وقورًا عُرف قبل أن يُهيئه الله للشهادة، ازداد سكينةً وبشاشة لمّا جهزه الله لملاقاته، اكتمل وازدان نور وجهه شهيدًا أكمل من البدر ليلة النصف يوم أن ارتقى والهًا يمتطي عشقه ليستظل بنور عرشه في الثامن والعشرين من يوليو للعام 2014 م إثر عدوان همجي أحمق قوبِل بصدٍ رادع في صفوف عصاباته فارتحل خاسرًا كما أتى خاسئًا.
نشأة فارس
أحد رجالات "كتائب عز الدين القسام" في "عبسان الكبيرة" شرق محافظة خان يونس التي يُشهد بعنفوانهم وأصالتهم ونبل أخلاقهم واغداق كرمهم، مُجاهدِا حُرًا يأنس بالجهاد والمقاومة كما يأنس الطفل الصغير بدفء أمه، حلّ ضيفًا على الدنيا في 2/2/1992م، وكأي ضيف كان هادئ المجلس مُحب للجميع، يرفع قامتي أبويه على كتفيه، ويرأف بالأطفال "أحباب الرحمن" كأنهم أبناء قلبه.
"ما مِن أحد سَمع به إلا وبكى لرحيله" بهذا عبرّ "رجب قديح" والد الشهيد أسامة عن الشرخ الذي تركه غياب الأخير في الحي والمنطقة فقد أحسن معاملة الأهل والجيران والأصدقاء ولم يبادلهم إلا نظرة احترام ومحبة فما كان من الرجال إلا أن بكوا رجل الحق لرفعة أخلاقه وأدبه الجمّ.
كان رحمه الله مدافعا عن الحق وكان يتحمل أعباء الأعمال الجهادية عن اخوانه المجاهدين إذا شعر بتعب أحدهم حتى ولو كان متعبا الجسد وكان متقن العمل بإخلاص محباً لعمله، كان قوي الجسد متحملاً صنديداً أعباء التدريب يحب ان يكون قريباً من الجهاد وفي الصفوف الأولى " شعاره لابد من الظهور في مجالات الجهاد لا من أجل الرياء والسمعة انما من أجل ان يكون لي بصمة في الجهاد، وفي ميادين المقاومة والجهاد حتى تشهد لنا هذه الميادين يوم أن نلقى الله عز وجل".
كان رحمه الله لا يتردد في أي مسألة دعاه أحد جيرانه ليساعده في اتمامها ولو كان متعب الجسد أو مشغول كان رحمه الله يحب ان يخدم الأخرين بهمة الرجال المخلصين كسب الأخرين بحبه له من خلال حسن خلقة واستحيائه من الناس متسامح معهم محبا لهم كريم بصفاته واخلاقه وماله.
طريق المساجد
"كان ارتباطه بمسجد النور ارتباطًا وجدانيًا" هكذا عُرِفَ عن "أسامة" وتعلّقه بالمسجد منذ أن كان طفلًا صغيرًا حديث الخطى يشد للمسجد خطواته المتعثرة لاحقًا بأبيه، فكبِر مُحافظًا على صلواته وتلاوته للقرآن الكريم.
كان شهيدنا أسامة ملتزمًا في حضور أنشطة المسجد كافة ومشاركاً فاعلاً في اللجنة الإعلامية، وفي الزيارات الاجتماعية والخيرية، وفي المسيرات والمهرجانات الحركية التابعة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" الذي كان أحد جنودها المجهولين.
ثمة علم غير التعليم الأكاديمي كان يسري في شرايين أسامة وأوردته إنه "تعلم الجهاد والمقاومة".
مجاهد قسامي
لم يكن التحاق "أسامة قديح" في صفوف الكتائب هينًا فقد تمناه وألحّ عليه وهو لم يزل طفلًا لم يخضر عوده بعد، إلا أنهم مع إصراره المتكرر ضموه لركبهم الحُر في مطلع عام 2009م، وكان كما أحبّ وشاء شعلة من النشاط والعمل الدؤوب يسعى في استرداد الحق الفلسطيني كسعي بعضهم في جلب الرزق.
بدأ جندياً عنيدًا حرًا ثم ما لبث أن تدرّج في العسكرية إلى مقاتل بوحدة الإسناد تشهد له أعضائها بالشهامة والرجولة، ثم ترفع درجة في سلم المقاومة فانتقل إلى وحدة الاستشهاديين، وتميز بمقدرته العسكرية العالية، حتى غدا من أبرز أبطال وحدة النخبة القسامية، ذو لياقة عسكرية فائقة، وقد عمل فيها بإتقان غير معهود واجتهاد لا مسبوق.
تلقى شهيدنا العديد من الدورات العسكرية، وأبدع فيها وأظهر فيها الالتزام وحب التدريب، حيث ظهر هذا على شخصيته كان قوي العزيمة متقن للفنون القتالية، كان يحب دائما أن يكون متفوقاً في كل الميادين، مما أهله ليكون أحد المقاتلين الأشداء على اليهود وكلف بالكثير من المهمات الصعبة والمعقدة عسكرياً وكان اسامة دائماً يظهر الابداع والتفوق في اتمام العمل.
ما يذكر لشهيدنا في الجهاد والمقاومة أنه شارك في زراعة وتفجير عبوة في جيب عسكري للصهاينة في منطقة الفراحين قبيل معركة السجيل، وكذلك شارك في عملية زراعة البراميل المتفجرة على الشريط الفاصل على حدود خان يونس الشرقية.
طاهر القلب بقي "أسامة" يبث عطر الوقار بعد أن مضى وهو الذي لُقِب بالصادق فلم يكذب قط أسوة بحبيبه رسول الله مخلِصًا متفان يضبط مواعيده ويلتزم بها، يصوم نهار يومي الإثنين والخميس ويقضي الليالي قائمًا راكعًا ساجدًا مرابطًا مقاومًا باسلاً شريفا.
كان لأسامة صولات وجولات في جهاده أعداء الله فقد شارك في عملية تفجير جيب عسكري شرق الفراحين قبل معركة حجارة السجيل 2012م، وشارك في عملية زراعة عبوة لناقلة جند على الشريط الحدودي مع اخوانه المقاومين.
وله بصمة جلية في العديد من المهام الجهادية مثل الرباط المتقدم، وصد الاجتياحات، وحفر الأنفاق في ظُلم الليل وحَرِ النهار، وآخرها حيث اختير ليكون أحد افراد النخبة القسامية في أحد الأنفاق الهجومية للهجوم على أهداف صهيونية داخل الخط الزائل خلال معركة العصف المأكول.
موعد الشهادة
في العدوان الصهيوني صيف عام 2014م على قطاع غزة، دعاه منادي الجهاد فلبى الدعوة، وظهرت عليه إيحاءات بموعده مع الشهادة، حيث كان قبل استشهاده بأيام كثير الترنم بأناشيدٍ عن الحور العين، والشهادة والجنة، وظهرت عليه خلال معركة العصف المأكول علامات الوقار والسكينة والبشاشة.
ارتقى أسامة شهيداً يوم 28-7-2014م، في بلدة خزاعة خلال الاجتياح البري الصهيوني بينما كان يقاتل في نفق هجومي في منطقة "خزاعة" شرق خان يونس الحدودية بعد تفجيره من قبل قوات الاحتلال بعد رحلة من المقاومة الغرّاء قضاها من تفتح عينيه على الحياة مُقبلًا عليها إلى انسدال جفنيه مُدبرًا عنها.