الشهيد القسامي / هشام نجيب شومر
شاب نشأ في طاعة الله وسخر جل حياته للجهاد
خاص ـ القسام:
مهما كتبت الأقلام وتحدثت الألسن وفكرت العقول ومهما كان الإلهام الذي سيذكر سير الشهداء الأبطال وتضحياتهم, سيبقى كل ذلك عاجزاً عن وصف حالهم وجهادهم وصبرهم وسعيهم نحو الشهادة مقبلين غير مدبرين.
هؤلاء الرجال الرجال الذين أخلصوا النية لله عز وجل وعملوا بصمت وأبدعوا في الميدان وسعوا بإقدام ليكونوا شهداء عند الرحمن أو تحرير الناس من ظلم بني صهيون.
ونحسب من هؤلاء الأفذاذ الشهيد بإذن الله تعالى " هشام نجيب شومر" ولا نزكي على الله أحداً, هذا الشاب الذي أعطى الصورة المشرقة للمقاتل العنيد الذي تبنى الفكرة وقضى من أجلها,
وكنت الفارس المعطاء الذي أدرك مبكراً ثمن الحصول على حرية الوطن وبذلت هذا الثمن رخيصاً بكل طيب نفس وهانت له النفس والمال والأهل لتصل للهدف المنشود.
نذكرك شاباً وسيماً خفيف الظل ذو طلعة بهية يحبك كل من عرفك, كريماً معطاءً, وهذا ليس بغريب عن أبناء الإسلام الذين تربوا على القرآن فكان خلقهم القرآن فأحبهم الله وحبب بهم خلقه واصطفاهم شهداء.
ميلاده ونشأته
لم يكن عام 1984م من العهد الماضي والفترة الزمنية السابقة كغيره من الأعوام، إنه عام ميلاد العظماء، الذين سطروا بدمائهم قصص حياتهم ونقشوها في ذاكرة التاريخ، ففي هذا العام ولد شهيدنا المجاهد ( هشام شومر)، وكان ميلاده ميلاد النور من وسط الظلام الذي كان يلف فلسطين المحتلة، حيث أنه ولد في ظل وفترة احتلال قطاع غزة على يد القوات الصهيونية المحتلة.
ومنذ حداثة سنه ومع نعومة أظفاره، عايش شهيدنا هشام –رحمه الله- ظلم المحتل وبطشه الذي كان يفتك بأهله ويطال أبناء شعبه، فقد نشبت الانتفاضة الأولى في عام 1987م في مخيم جباليا، وانطلقت شرارتها لتشتعل في جميع أرجاء فلسطين، وشاهد شهيدنا -الذي لم يكن يتجاوز العام الثالث من عمره- كيف أن العدو كان يبطش بالشعب الثائر ويسومه ويذيقه ألوان العذاب، فحمل -برغم صغر سنه- الحجر وبدأ يطلقه على جنود العدو الذين كانوا يفروا خائفين من أطفال فلسطين.
وفي أحضان أسرة ملتزمة نشأ شهيدنا، حيث رباه والده فيها على أخلاق القرآن وصقل في شخصيته الصفات الإسلامية الحسنة، أما أمه فقد أرضعته لبن حب الجهاد وعشق فلسطين، وأسقته حليب العزة والكرامة، فكبر عزيزا قويا شامخا لا يقبل الخضوع أو المهانة.
تلقى شهيدنا المجاهد تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الغوث للاجئين في (منطقة الفاخورة)، ثم انتقل لدراسة المرحلة الثانوية في مدرسة (أحمد الشقيري) والتي أنهى فيها الثانوية العامة بنجاح وتميز، وانطلق من بعدها لدراسة المرحلة الجامعية في (جامعة الأقصى) في غزة وتخصص في قسم (علوم الحاسوب).
وخلال هذه الفترة التعليمية الطويلة التي قضاها شهيدنا هشام، اتصف –رحمه الله- بالعديد من الصفات الحسنة والأخلاق العالية، فقد كان صدره يضم ويحتوي على قلب أبيض كبير، يتدفق حبا وحنانا، لا يعرف الكره أو البغض سبيلا إليه، أما وجهه فقد امتلك قسمات هادئة رسمت نفسها بكل وضوح، وقد كان يعامل أصدقائه وزملائه الطلاب بكل حب وود، يمازحهم ويلعب معهم، يكرمهم ولا يبخل عليهم بشيء، ويعامل مدرسيه بكل احترام وأدب وتقدير.
المؤدب الخلوق
وفي الحي الذي تربى وكبر فيه، ومع الجيران الذين قضى بجوارهم وقربهم سنين حياته، عرف شهيدنا هشام بالخير والصلاح الذي يشهده له جميع أهل الحي، فلقد كان –رحمه الله- يساعد الجميع ودون أن يطلبوا المساعدة، ويمد لهم يد العون بكل حب وإخلاص وصفاء، وكذلك عرف بابتسامته الصادقة الصافية التي كانت لا تفارق وجهه، وحرصه الشديد على دعوة الناس إلى الخير والطاعات، فيأمر بالمعروف ويحض عليه، وينهى عن الشر والمنكر وينفر عنه، ويشارك الجيران ويقف بجوارهم في جميع مناسباتهم من سعادة أفراح أو حتى أحزان وأتراح.
وعن علاقته بوالديه، فإن الكلام يعجز عن وصف هذه العلاقة العجيبة، التي كان شهيدنا هشام –رحمه الله- يتميز بها، فلقد كان سامعا طائعا في كل الأوقات، وكذلك يعين أمه –قدر الإمكان- في مشاغلها التي كانت تقوم بها في البيت، كل هذا وهشام لا يعترض على أي شيء، يطيع بصمت أو يعتذر بهدوء وخجل وكلام حسن جميل، متمثلا بهذا قول الله تعالى حين قال: "وبالوالدين إحسانا"، وقوله : "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما".
هشام كما يصفه إخوته، إنسان خلوق مؤدب جدا وخجول، كان شديد الحب لنا والعطف علينا، وإذا رأى أحدا مهموما أو حزينا، يأتي إليه يمازحه ويخفف عنه، وكان أيضا يأمرهم بالصلاة ويحضهم عليها وخصوصا صلاة الفجر، ويشجعهم على التقرب إلى الله بالعبادات، وكان أيضا شديد الكرم لا يبخل عليهم بأي شيء.
وكذلك هو الحال مع باقي أفراد العائلة، فقد كان هشام واصلا لرحمه، يزور أقربائه ويشاركهم في جميع مناسباتهم.
جندي في صفوف الحماس
التحق شهيدنا هشام –رحمه الله- في صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس في بدايات عام 2003م، وذلك بعد التزامه في مسجد الرباط، وبدأ يتلقى على يد دعاتها ومشايخها الدروس والدورات الدعوية حتى أصبح أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين.
لقد كان مسجد الرباط نقطة البداية التي انطلق منها هشام لممارسة النشاط الدعوي، وتوجيه الناس لطاعة الله، فقد شرب هشام الدعوة من خلال موائد القرآن ودروس العلم، وقد بزغت إبداعاته فيه من خلال نشاطه في اللجنة الثقافية، وما أن افتتح مسجد الشهيد (صلاح شحادة) في حيهم حتى انتقل شهيدنا للصلاة والالتزام فيه، فكان البذرة والنواة الأولى لشباب الدعوة فيه، وبذل فيه كل جهده ووقته وهو يدعو الناس والجيران للصلاة وطاعة الله، حتى هدى الله على يديه الكثير من الشباب.
شارك شهيدنا هشام –رحمه الله- في جميع نشاطات الحركة من مسيرات ومهرجانات ولقاءات وندوات، بارا بهذا عهده وبيعته، وضاربا أروع الأمثلة في الولاء لحركته.
مجاهد في صفوف القسام
التحق شهيدنا المجاهد هشام –رحمه الله- في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام في عام 2004م، وذلك في المعركة الخالدة التي قادتها كتائب القسام "معركة أيام الغضب القسامية" والتي استطاع فيها شمال غزة عامة ومخيم جباليا خاصة أن يقف في وجهه فلول الغزاة الصهاينة مدة 17 يوما متواصلا، ولم يستطع هشام أن يجلس في بيته وهو يرى جموع الشباب تتسابق تحو أرض المعركة طالبة الشهادة، فقام بإرسال العديد من الرسائل إلى قيادة القسام والاتصال بهم طالبا منهم أن يتم تجنيده في صفوف المجاهدين، وأمام إصراره الشديد وصدق نيته وطلبه وافقت قيادة القسام، وانطلق هشام –رحمه الله- مسرعا إلى أرض المعركة، يخوض المواجهة تلو المواجهة مع فلول الغزاة من جنود الصهاينة، فقاتل قتال الأسود ونازل نزال الأبطال، إلى أن كتب الله النصر للمجاهدين على العدو الغازي.
تدرج شهيدنا –رحمه الله- في مشواره الجهادي ضمن صفوف القسام، فقد بدأ كجندي، ثم أصبح –بعد أن أثبت نفسه وخبرته العسكرية، وأظهر شجاعته وإقدامه في سبيل الله- أميرا لمجموعة من المجاهدين، وكان عند حسن ظن إخوانه به، حيث أنه نعم القائد المجاهد الصادق مع الله عز وجل.
وخلال فترة جهاده التي قضاها شهيدنا ضمن صفوف القسام، شارك هشام –رحمه الله- في العديد من المهام الجهادية والتي كان أبرزها :
• الرباط الدوري على حدود وثغور المنطقة الشمالية، يحمي الناس في منازلهم من غدر الصهاينة الجبناء.
• شارك في صد جميع الاجتياحات الصهيونية التي كانت تستهدف شمال غزة، بدأ من معركة أيام الغضب القسامية في عام 2004م وانتهاء بمعركة (الحساب المفتوح) في عام 2008م.
• قام بإطلاق العديد من قذائف الهاون على المواقع العسكرية الصهيونية.
• شارك في دك المغتصبات الصهيونية بالعديد من صواريخ القسام.
• قام بزرع ونصب العديد من العبوات والألغام التي كانت تستهدف الآليات الصهيونية.
• خاض العديد من الاشتباكات مع جنود العدو الصهيوني.
• ألح كثيرا جدا على إخوانه أن يكون أحد الاستشهاديين في سبيل الله، ليلحق بحبيبه الاستشهادي القسامي (كرم أبو عبيد).
وخلال فترة جهاده مع إخوانه، كان هشام –رحمه الله- كما يصفه إخوانه المجاهدون شديد السمع والطاعة، صادقا مع ربه، يحرص على حياة جنوده ويتقدم صفوف المعركة ويكون في خط المواجهة الأول.
زفافه للحور العين
لقد آن للمحب أن يلقى حبيبه، وآن للصادق أن يجني ثمار صدقه، وآن للفارس أن يترجل عن صهوة جواده ليترك مكانه لمن خلفه، بعد أن أوصاهم بالدم أن يسيروا على دربه، ولسان حاله يقول :"هذا سبيلي إن صدقت محبتي فاحمل سلاحي".
لقد تأثر شهيدنا هشام –رحمه الله- بالعديد من إخوانه الشهداء الذين سبقوه -بإذن الله- إلى جنان الخلد، ومن بين هؤلاء الشهداء الاستشهادي القسامي (كرم أبو عبيد) منفذ عملية (نيسانيت) في بداية هذه الانتفاضة المباركة، وكذلك صديقه وحبيبه وقائده الشهيد (إياد سويلم)، وكان كثيرا ما يشتاق للقائهم واللحاق بهم، فخاض الصعاب، وركب الموت، راجيا من الله أن يلحقه بهم شهيدا، وحينما وجد الله منه الصدق اختاره شهيدا ورفعه إليه مضرجا بالدماء.
ففي يوم الثلاثاء الموافق 6/5/2008م، كان هشام على موعد مع الشهادة في سبيل الله، حيث انطلق–رحمه الله- في مهمة جهادية في منطقة بيت لاهيا، فقامت طائرات الاستطلاع الصهيونية -التي لا تبرح تحلق في أجواء قطاع غزة- برصده واستهدافه بصاروخ الأمر الذي أدى إلى استشهاده.
ونال هشام ما تمنى وسعى، نال الشهادة في سبيل الله تعالى، مقبلا غير مدبر..
وصعدت الروح الصادقة، وطارت الروح الوثابة إلى جنان الخلد بإذن الله، وليجتمع هشام بإخوانه الشهداء الذين سبقوه، بعد أن حمل السلاح من خلفهم وقاتل وجاهد في سبيل الله..
...رحم الله شهيدنا وأسكنه فسيح جناته...
..وإنا على دربه الذي قضى فيه شهيدا، درب الجهاد والمقاومة لسائرون بإذن الله..