الشهيد القسامي /محمد فهمي الدحدوح
مجاهد عرف درب العز وسار فيه
القسام - خاص :
في كل يوم تودع فلسطين فارساً من فرسانها، وتزف رجلاً من رجالاتها، تودعهم سماؤها وتضمهم أرضها المثقلة بالحزن والأسى، ومن محطة إلى أخرى ومن ميدان إلى آخر، ينزف الدم باستمرار ويفوح المسك دون انقطاع، ويلتحق المؤمنون بركب من باعوا أنفسهم لله دون تردد أو انتظار.
ولادة بطل
بزغت شمس الشهيد القسامي المجاهد محمد فهمي الدحدوح الذي ولد في وسط حي الزيتون وسط قطاع غزة في عام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين، وعاش جو إيماني، فعائلة محمد عرفت بشدة التزامها منذ القدم بتعاليم الإسلام ومبادئه، وهكذا فقد أخذت عائلة الدحدوح على عاتقها تربية أبنائها وشبابها على المبادئ الإسلامية السمحة، ولعل ما تمتع به محمد من الروح المرحة الخفيفة جعل جميع أفراد عائلته يحبونه حبا شديدا كما تبادل معهم ذلك الحب.
كانت نشأته بعيدة عن كافة أشكال اللهو والفساد فقد تربى على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما اعتاد تلاوة القرآن الكريم وحفظه، فقد أقبل على كتاب الله إقبال الظمآن للماء البارد، وقد نبغ شهيدنا في مجال الرسم والخط وأخذ من الخط مهنة له حتى ينال لقمة عيشه ولقمة عيش عائلته من عرق جبينه، وما هي إلا أيام قضاها شهيدنا حتى أخذ يفكر بإكمال شطر دينه الآخر اقتفاء لسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فتزوج من ابنة عمته، فكانت نعم الزوجة الصالحة المؤمنة الصابرة، وكانت له المعينة على تحدي صعاب الحياة ومتاعبها، وما هي إلا عدة أشهر حتى رزقه الله بولده البكر والذي أسماه البراء، وبالطبع لم يعلم البراء أن والده سيكون شهيدا بعد ولادته بعدة شهور فقط، لكن الأيام وحدها هي التي ستثبت بأن البراء سيكون بإذن الله كأبيه مناضلا شجاعا.
باراً بوالديه ومتميزاً في مدرسته
منذ أن وجد محمد على وجه الدنيا وجدت معه النباهة والذكاء وحسن البديهة وهذا ما أثار إعجاب من كانوا حوله، فالتحق محمد بمدرسة صفد الأساسية المجاورة لمنزله وحصل منها على شهادة المرحلة الابتدائية وبأخلاق وأدب تحلى بها محمد استطاع أن يجتاز المرحلة الإعدادية من مدرسة الإمام الشافعي بحي الزيتون وازدادت المتاعب والمصاعب على كاهل عائلته وعلى الرغم من ذلك فقد التحق بمدرسة عبد الفتاح حمود لدراسة المرحلة الثانوية، لكنه انقطع عن الدراسة في منتصف السنة الأخيرة له في تلك المرحلة على الرغم من تفوقه، وأخذ يساعد والده في نيل لقمة العيش، ومساعدته لوالده وعائلته بشكل عام جعلت والده وأمه وإخوانه يحبونه حبا كبيراً.
المسجد هو المعقل الأول
المسجد هو المكان الأول الذي كان شهيدنا يقضي معظم أوقاته فيه، فقد التزم بمسجد صلاح الدين الأيوبي وسط حي الزيتون بينما كان في الخامسة عشر من عمره وكان سباقا دائما في تقديم المساعدة لمن احتاج إليها هذا بالإضافة إلى التزامه بصلاة الجماعة في المسجد وخاصة صلاة الفجر والالتزام بجلسات المسجد وحبه لشباب ورواد المسجد، وقد اعتاد شهيدنا كثرة التسبيح والذكر والدعاء كما أنه كان دائما يحمل المصحف في حله وترحاله وقبيل استشهاده بأيام معدودة فقط اهتم شهيدنا بسماع الأناشيد الروحانية والحماسية والخطب الدينية لأبرز أئمة المسلمين.
ومنذ التزامه في المسجد كان صاحب الشخصية القوية والجسم القويم واللحية الخفيفة هذا بالإضافة إلى الابتسامة الدائمة على وجهه، وقد شارك محمد في كافة ومعظم أنشطة مسجده الجماهيرية والشعبية وكان أحد المشرفين على تنظيم الرحلات لأبناء المسجد للترفيه عن الشباب هذا بالإضافة إلى تعليم وتدريب أبناء المسجد على الخط العربي بأنواعه المختلفة وحسب قواعده الصحيحة.
أسد الكتائب وفنان اللوحة الحمساوية
منذ نعومة أظفاره عرف شهيدنا الحرية كما عرف ذل الاحتلال لأهلنا وشعبنا فما كان منه إلا أن حمل على عاتقه رفع المعاناة عن أبناء شعبه الفلسطيني المناضل فانضم إلى صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس في بداية عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين فعمل في جهاز الأحداث الخاص بالحركة وشارك في فعاليات الانتفاضة كتنظيم المسيرات وإشعال الإطارات هذا بالإضافة إلى ما تميز به من الكتابة على الجدران فجدران غزة وحدها هي التي تعرف ذلك الفنان القسامي الماهر، كما شهدت على ذلك انتفاضة الأقصى المباركة التي ومنذ اندلاعها بدأ محمد يفكر في طريق جديد لمقارعة الاحتلال فانضم للجيش الشعبي لحماس، كما عمل في جهاز تصنيع القنابل اليدوية وتصنيع صواريخ القسام، كما شارك شهيدنا المغوار في عمليات التصدي الغاشمة لأحياء القطاع المختلفة فقد عرفته أرض الشجاعية وأرض الزيتون في الاستبسال والتصدي للصهاينة، وكان أبو البراء دائم الحديث عن الشهادة وأجر الشهداء فتمنى أن يرزقه الله إياها وكانت مقولته المشهورة التي زين بها شوارع غزة "فراقي عزيز وأمنيتي أغلى" وقد ربطته علاقة طيبة بالشهداء زاهر نصار وياسين نصار اللذين تأثر تأثرا شديدا باستشهادهما مما جعله يتمنى لو أنه نال الشهادة قبلهما.
إلى الشهادة
في ذلك اليوم، ذهب محمد إلى الحلاق وقصر شعره ثم ذهب لصلاة الظهر وكانت تبدو على وجهه علامات سرور وابتسامة شديدة وأخذ يصافح كل من يصادفه وبعد الصلاة انطلق إلى عمله في سبيل الله، يوم الخميس الموافق الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر لعام 2002م، وفي منزل أحد المجاهدين بحي الصبرة كانت مجموعة من المجاهدين القساميين تقوم بإعداد بعض العبوات المتفجرة فانفجرت بهم عبوة ناسفة ليستشهد محمد ومن معه من المجاهدين.
"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلو تبديلا "
بيان عسكري صادر عن
كتائب الشهيد عز الدين القسام
يا جماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد .. يا أمتنا العربية والإسلامية :
في زمن تتداعى فيه الأمم على قضيتنا وشعبنا، يأبى أبناء القسام إلا أن يكونوا في مقدمة الصفوف، مدافعين عن شرف الأمة وكرامتها، يجعلون بيوتهم مصانع جهاد وصابرة، ومن إمكانياتهم البسيطة صناعات عسكرية، حتى لا يسجل التاريخ يوماً أن شعبنا الفلسطيني قَبـِل بالدنية أو ساوم على أرضه وكرامته، يتقدم شبابنا المجاهدون الذين يعدون العدة بما توفر عندهم منإمكانيات يسيرة لتفجير أعتي آليات العدو الحربية، فيصنعون من قوت أولادهم عبوات ترد عنا الميركافا اليهودية، يوم الزيتون والشجاعية، يخزنونها تحت أسرة نومهم علّ الأمة تفيق من غفوتها وتصحو من كبوتها.
فبعد عصر يوم الخميس 25 شعبان 1423هـ الموافق 31/10/2002م صعدت إلى بارئها أرواح شهداء كتائب الشهيد عز الدين القسام في حي الزيتون بغزة أثناء تصنيعهم بعض العبوات الناسفة.
وشهداؤنا هم :
الشهيد المجاهد / سمير دياب عباس 35 عاماً
الشهيد المجاهد / محمد فهمي الدحدوح 26 عاماً
الشهيد المجاهد / أحمد طلال الدهشان 24 عاماً
نحسبهم عند الله جميعاً شهداء بررة ولا نزكي على الله أحدا.
إن كتائب الشهيد عز الدين القسام، وهي تزف هذه الكوكبة العزيزة تشكو، إلى الله تقاعس المتقاعسين، وتخاذل المتخاذلين، وظلم ذوى القربى الذين قعدوا عن إمدادنا برصاصات أو بضع كيلو جرامات من المتفجرات نقاوم بها عدواً أغتصب أرضنا، وشرد شعبنا، ودنس مقدساتنا، ويتم أطفالنا، ورمل زوجاتنا، وأقام لنا كل يوم مجزرة ، أننا إذ نرفع شكوانا إلى الله نؤكد أنناماضون في طريق ذات الشوكة، جاعلين من غرف نوم أطفالنا، ومن البقية الباقية من أكواخنا مصانع نحارب بها أعداء الله والأمة وحسبنا الله هو مولانا ونعم الوكيل .
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31/10/2002م