الشهيد القسامي / محمد فضل عطا الأغا
ترجّل عن صهوة جواده قاصداً الجنة
القسام - خاص :
لأنها فلسطينُ الأمُ والقضية، ولأنها الأرض التي باركها الله.. يتسابقُ رجالها نحو الفوز والظفر بشرف القتالِ والجهادِ فيها للذود عنها، ولأنها غزة العزة فإن باطن الأرض لم يمل ّ من إنبات الزرع الأصيل الطيب.
الميلاد والنشاة
في الخامس والعشرين من مايو للعام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانون، كانت قلعة الشهداء خانيونس على موعد مع استقبال بطلٍ من ابطال السلسلة القسامية، نعم ْ فلقد وُلِدَ محمد فضل عطا الأغا،
يُعتبر الشهيد محمد والذي تعود أصوله من منطقة معن أيضاً من الشباب الذين جعلوا أرواحهم رخيصة فداء الوطن والقضية، وبتسليط الضوء على صفاته منذ الصغر، فإننا نرى الطفل الهادئ المتزن، الذكي الفطن..
كان محمد القسامي الصغير يشارك أقرانه منذ الصغر حاجياته، لم يعرف بالطمع والعنف، بل كان محباً ومحبوباً للجميع، فهو بحكم أنه كان الأخ الأكبر، كان يعامل اخوانه كأبيهم فيعلّمهم كسب العيش والتعامل مع الناس باحترام، لقد زرع الأخلاق في نفوسهم بأفعاله وليس بأقواله فقط.
وفي صفاته وسلوكه يذكره والديه أنه كان مرحاً بطبعه مازحاً، ولكنه براً بقدر الحب لهما، وفي هذا السياق يُذكر للشهيد محمد موقفه، حينما أصيبَ في شبابه جراء انفجار صاعق في الصيانة، حيث أخذ والديه يبكيان حاله حزينَيْن عليه.. إلا أنه كان صلباً يمازحهم قائلاً:"هذه الأصابع سبقتني للجنان، فلا تحزنوا".
كانت فطرته المتشوقة للجنان والسباق في سبيل الله تغلبُ عليه. وأيضاً يشهدُ لمحمد.. معاملته الحسنة والطيبة مع جيرانه جميعاً، فلقد كان يتخلق أخلاق الإسلام في التعامل والمعاملة.. حتى أضحى مثالاً للشاب الخلوق السويّ.
مراحل الدراسة والعمل
التحق شهيدنا محمد من الصف الأول حتى السادس في مدرسة الشهيد أحمد بن عبد العزيز، وكان خلال هذه الفترة طالباً نجيباً وشعلةً من نشاط وحماس حتى أنه صنع ما يطلق عليها " أم طلقة " الفزكورة، حتى أن السطلة قد قمدّت له لأخذها منه لكنه رفض وأخفاها وهذا الذي حدث وهو في الصف السادس.
أما في مرحلته الإعدادية فلقد درس في مدرسة عمار بن ياسر، والثانوية في مدرسة خالد الحسن، ويذكر أنه كان طالباً حريصاً على دعوة الطلاب لصلاة الجماعة ويصلي بهم، أي أن روحه منذ شبابه ومراهقته قد تشبعّت بالخير والحض عليه ولله الحمد، بعدها أنهى الشهيد محمد مرحلته الثانوية في الفرع العلمي بتقدير عام: جيد، ولقد كان في عامه هذا أميراً للكتلة الإسلامية في المدرسة.
ولأن نفس الشهيد كانت سبّاقة ومثابرة، أصر الشهيد أن يكمل حياته الجامعية فكان له ما أراد، حيث درسَ تخصص الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر، بمعدل جيد جداً، وأيضاً كان ناشطاً متميزاً في الكتلة الإسلامية في وقتها،
ومن بعض نهفات الشهيد الجامعية أنه ذات مرة دخل اختباراً ليس من تخصصه فاجتازه بعلاماتٍ أعلى من طلاب التخصص ذاته! فقد كان محمد ناجحاً ومتفوقاً بفطرته السليمة، حنوناً مبادراً لا يقصر في أي مقام!
ومما يذكر لشهيدنا القسامي محمد الإا عمله لمدة كبيرة في صفوف الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وكان مع بداية العام الدراسي الجديد يقوم بنفسه بشراء الملابس للطلاب الغير قادرين على شرائها.
رحلة الالتزام
كان محمد رحمه الله قد التحق منذ صغره في حلقات المسجد القريب من مكان سكناه، ألا وهو مسجد أبي بكر الصديق الذي كان حاضنته الأولى في حفظ كتاب الله، وانعكاسه على شخص محمد.. حتى أنه تعود على صيام الاثنين والخميس طيلة أيام حياته.
لم ينحصر أداء والتزام محمد في شخصه فقط، لكنه آثر أن يتفاعل مع باقي أركان المسجد فكان في مرحلةٍ ما مسؤولاً لعدة لجان في المسجد، وممثلاً لشعبة في المخيمات الصيفية، إلى جانب عمله ناشطاً في إطار الكتلة الإسلامية، وشُهد له بنشاطه وحماسه الدؤوبَيْن، لقد أهلّ ذلك محمد، لينضم للأسر الجانبية ويبايع جماعة الإخوان المسلمين وذلك في العام 2008م.
شهيدنا ورحلة الجهاد
انضم الشهيد محمد رحمه الله إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام في العام 2009 بعد إلحاح شديد على إخوانه، فانخرط في العديد من الدورات القسامية المتخصصة، لتأهليله أن يكون مجاهداً قسامياً صنديداً يهاب الأعداء صوت زئيره في ميادين النزال، وشهد له الميدان الجهادي مبادرته وحماسه وعطاءه الجزيل.
عمل شهيداً في البداية في وحدة المرابطين ثم قائداً تخصص في الصيانة على مستوى الكتيبة، ثم قائد لتخصص في الصيانة على مستوى اللواء.
ملك الشهيد أبو الفضل رحمه الله، الصفات منقطعة النظير التي قلّ ما يتواجد مثلها، فهو المعروف بذكائه وفطنته العسكرية والحياتية، ومما يذكر له في هذا السياق أنه قام باستحداث عدة أمور جعلت السلاح أكثر فاعلية ومن ذلك أنه قام بتقصير الكلاشنكوف وعمل نسخة شبيهة في " المني ميه "، لكنه لاقى ربه قبل أن يُري النتاج النهائي للقيادة.
وأيضاً حاول الشهيد تحويل بعض الصواعق الميكانيكية إلى كهربائية، وفي خضم هذه المحاولة حدث حادث عرضي فأدى لانفجار الصاعق وبتر أصابع يده اليسرى وإصابة جميع أنحاء الجسد، لكن هذا الحادث لم ينقص من عزيمة الشهيد شيئاً بل زاد من اتقادها واشتعالها، فعُرف بهمةٍ كالحديد لا تعرف اليأس أو الاستسلام، في سبيل الجهاد والمقاومة.
عملَ الشهيد أيضاً في الرباط وإمداد المجاهدين بالعتاد وحفر الأنفاق وصيانة سلاح المجاهدين وتطوير الإمكانيات في الجهاز العسكري، فكان لا يعرف اليأس طريقاً لشهيدنا، وكانت المثابرة روحه، والجهاد عشقه، والصيانة مراسه.
موعد مع الشهادة
قضى الشهيد محمد خمس وعشرين عاماً في دنياه، جلّها منذ أن كبر كانت في سبيل الله والوطن، لم تنمْ عينه يوماً متكاسلاً أو مقصرا بل كان مثابراً معطاءً، حتى أنه عرف الله فأحبّ لقاءه، فلطلب اللقاء بصدقٍ فصدقه الله.
في تاريخ التاسع والعشرين من شهر تموز في العام ألفين وأربعة عشر للميلاد، وفي خضم الحرب الطاحنة التي كانت تقودها المقاومة الباسلة ضد القوات الصهيونية الجبانة، كان شهيدنا رحمه الله يحدّث أمه بأن الآجال بيد الله ولربما كان الأجل قد اقترب!
حدثها بذلك، وبعد ساعاتٍ قليلة فقط.. استهدفت الطائرات الصهيونية المنزل بطائرات اف 16.
فتنزّلت الملائكة للقاء العابد المجاهد، لترفع روحه الطاهرة من فتات الأرض إلى رفاه النعيم الأبدي وتقبض روحه الثائرة في سلام.
رحل الرجل أبو الفضل بعد خمسة وعشرين عاماً، رحلاً بحق قد ارتدى زيّه العسكري وترجّل نحو السماء، محلقةً روحه حولنا تخبرنا بأن النصر آتٍ آتٍ.
فإليكَ يامن تشهد عظيم أفعالك الأرض الطيبة، إليكَ يامن ترنو الأعين ملهوفةً للقياك عند ذكر اسمك، إليك يا محمد كل تحية ودعاء نرفعه لله بأن يسكنك جنة الفردوس التي طالما تمنيتها...