الشهيد القسامي / محمود موسى عبدالله أبوعنزة
المتربص بطائرات الاحتلال
القسام - خاص :
طوبى لمن باع نفسه رخيصة في سبيل الله، طوبى لمن قدم كل ما يملك في سبيل قضية نبيلة عادلة، طوبى لمن اجتهد وعرف الطريق فسار فيه دور تردد أو تراجع، طوبى لمن حمل السلاح، وسار في كل ساح، وتقدم الصفوف بإقدام يصحبه الكفاح، فكتب الله له شهادة يلقى فيه الصحاب، بجنة من ريحان، أعدها الله لمن سار على درب الصلاح، في زمن الفتن والتناقضات، فيا سعد من اختصه الله بشهادة يختم بها حياته بارتياح.
ميلاد فارس
كالنورِ خرجَ من رحمِ أمٍ فلسطينيةٍ مكافحةٍ مناضلة، خرجَ من رحمها إلى عالمٍ جديد لم يألفه ولم يعتد عليه، كانت بدايته كبدايةِ أي طفل يولد على هذه الأرض المباركة الطاهرة، تكحلتْ عينا أمه بوجهه المشرق الوضاء، فدَوّت في عقلها كلمات درويش: "وعلى هذه الأرضِ ما يستحقُ الحياة"، وزادت عليها بأن على هذه الأرض ما يوجب الحمد والثناء للباري المعطاء، فعطاياه لا تحدها حدود ولا تكفيها كلماتُ الحمد والشكر، لقد كان الصغير من الباري نعمةً عظيمةً لأبوين يدركان بأن الأمة تحتاجُ إلى رجالٍ يحموا حدودها ويحفظوا عرضها، وكنوعٍ من الحمد أطلقا على الصغير اسم" محمود"، وُلدَ محمود كبلسمٍ للجراح في قطاعٍ مكافحٍ ومدينةٍ جنوبيةٍ عريقةٍ، وقريةٍ جميلةٍ صغيرةٍ اسمها (عبسان الجديدة) ، وُلد ليجدَ دنيا تفتح أحضانها له في العشرين من سبتمبر لعام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وثمانين.
" احترمْ الكبير واعطفْ على الصغير لتكن بين الناس محبوباً" قاعدة جعلها محمود في حياته نبراساً، وأهلُ حيه على هذا شهداء، فكان خلوقاً محباً للناس وحريصاً على فعل الخير، مطيعاً لوالديه حنوناً عليهما، واصلاً لرحمه ودائم الاطمئنان عليهم، مساعداً لأهله مادياً ومعنوياً، معيناً لإخوته وأخواته، وإذا ما حصل في حيه مناسبةً سعيدةً كانت أم حزينة فإنه دائماً ما يكون سبّاقاً لمدِ يد العون، وهذا غيضٌ من فيض محمود وشِيمه.
صفاته
كبُر محمود ليصبحَ من روادِ المساجد، ومن الملتحقين بحلقاتِ تحفيظ القرآن، فكان له في مسجد مصعب بن عمير نصيبٌ كبير وبصمةٌ فريدة.
في مدرسة عبسان الصغيرة كانت بدايةُ محمود العلمية، حيث درس مرحلته الابتدائية فيها ثم انتقلَ إلى مدرسة المتنبي, ليكملَ ما تبقى له من مراحل دراسية، كان محباً لمُدرسيه وزملائِه وكذلك لدراسته التي كان فيها مجداً.
وبعد أن تخطى محمود عتبةً الثانوية العامة التحق بالكلية الجامعية في غزة، ليدرس العلاج الطبيعي، وكانتْ له حبالَ تواصلٍ وثيقةٍ مع نشطاء الكتلة الاسلامية، الذين أحبوه وحرصوا على التحاقه بهم، لقدرته الفائقة على جذب الشباب إلى صفوف الكتلة، حيث الابتسامةِ الصادقةِ المشرقةِ النابعةِ من قلبٍ كبيرٍ يتسعُ للجميع، واللسانِ الطيبِ الذي لا يتحدثُ إلا بخير، والأسلوبِ المقنعِ الذي يشجع على تقبلِ الحق والانضمام إلى ركبه.
لم يشأ اللهُ لمحمود أن يعمل في مجال دراسته، فقد جعلَ لنفسِه مزرعةَ دواجنٍ صغيرة، وكان متقناً لعمله، ومساعداً أسرتَه بماله الذي يحصل عليه من عمله، كي يحصلوا على قوت يومهم، فلم يبخل عليهم يوماً، بل جاد بكل ما يملك في سبيل إسعادهم وتلبية احتياجاتهم في معترك الحياة، وعملُه لجلبِ المال لم يصرفْه عن العمل في سبيل إعلاء كلمة الحق، فهو أحدُ العاملين في الصف الجماهيري في منطقته، حيث المشاركة الفاعلة في المهرجانات من تعليقِ راياتٍ وصورٍ ومجلات، وكذلك الزيارات.
قسامي عنيد
أما عن التحاقه بكتائب الشهيد عز الدين القسام فكان عام 2006، وهو ابن السابعة عشر ربيعاً، فلم يقفْ عمرُه الصغير عائقاً أمام رغبة شابٍ في مقتبل العمر أن يلتحق بركبِ المجاهدين، وتدرج في عمله القسامي من وحدةِ المشاة إلى وحدة الدفاع الجوي، حتى كانت الشهادة وكان وسامُ الشرف.
أمام عينين خضراوين وضع محمود لنفسه شعاراً، وجعله لحياته منارةً ونبراساً
" قاتلِ العدو، فإما أن تحظى بنصرٍ وإما أن تكونُ لكَ الشهادة"، فكان له النصر وكذلك الشهادة، فهل من أحدٍ يعطي مريداً كل ما يتمناه كما اللهُ الكريم المنان؟؟
لقد كان محمود على موعدٍ عظيمٍ امتثل أمامه دون أن تتضح معالمَه وتفاصيلَه، فقد ودع أهلَه وأقرباءَه وأصدقاءَه قبل استشهاده بيوم، وطبع على رأس والدته قبلةً عطرةً طَبعت في قلبها فيما بعد ذكرىً جميلةً لراحلٍ لن يعود، خرج باسماً مودعاً، فأوقفته عاطفة الأبوةِ التي لم تحتمل مشهداً كهذا، ليس تخاذلاً بل تعاطفاً، فما كان من والده إلا أن قال: انتظر يا ولدي، لا تذهب ..
فابتسم محمود لوالده وقال: عذراً يا أبي، فإني ذاهب إلى عملي فادع لي.
فغادر البيت يومها ودعوات الوالدين تترددُ في أذنيه اللتين أصمهما صاروخٌ حاقد وقضى على صاحبهما، فلم يعد محمود لبيته إلا وهو محمول على الأكتاف حيث اللقاء الأخير والفراق الطويل.
على موعد
وفي 22/7/2014 تحقق حلمُ محمود وأمنيته التي لطالما رددها مع الجموع حتى استوطنت قلبه وعقله: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، ففي الوقت الذي كان فيه محمود على ثغور عبسان الجديدة كانت الشهادة ترقبه من مسافة قريبة وتنتظر اللحظة التي تسمو فيها الروح الطاهرة نحو العلياء، كان على الثغور برفقة وحدة الدفاع الجوي الذين يقومون بدورهم برصد الطائرات الصهيونية.
وفي صباح استشهاده حلقت طائرة أباتشي في أجواء المنطقة استهدفها محمود بصاروخ أرض جو فعادت على أعقابها، وفي الوقت ذاته كانت هناك اشتباكات عنيفة في منطقة الزنة بين المقاومة وقوات الاحتلال، واحترقت حينها آليات الاحتلال فأراد محمود لتلك اللحظة التاريخية العظيمة أن تسجلَ في كتبِ التاريخ وتوثقَ بالصور، تلك الصورة التي تشكل مشهداً مذلاً لجيشٍ سجله التاريخ بأنه لا يقهر، كيف لعدةٍ قليلةٍ وقوةٍ ايمانيةٍ كبيرةٍ أن تغلبه وتقهره، ذهب محمود ليحضر كاميرا لتكون خيرَ شاهدٍ ودليل، لكن الله لم يشأ لمحمود أن يكمل طريقه، فعلى مقربة من المكان وأثناء ذهابه استهدفته طائرةٌ حاقدةٌ بلا طيار، ليرتقي شهيداً مكافحاً مناضلاً في مهمةٍ جهاديةٍ عظيمة وغايةٍ نبيلةٍ فريدة، ليلتحقَ بمن سبقه من الشهداء، وليهنأ بالجنان وليبلغ رسولنا منا السلام، فإلى روحك الطاهرة يا محمود ألف تحية وسلام.