الشهيد القسامي / قاسم فريد عبد العزيز جابر
أحد أفراد خلية "الموت السريع"
القسام - خاص:
هم الشهداء الكرام يرحلون دون أن يعلم الكثير خفايا سيرتهم العطرة؛ لأن جرأة فعلهم بيوم الاستشهاد لا تترك مجالاً للتفكير بسجلاتهم الخالدة التي خطّوها بجهادهم طوال فترة عملهم المقاوم، واليوم نقلب صفحات من سيرة أحد الشهداء الراحلين لنكشف شيئاً من فعاله، وغلظته على أعداء الله الصهاينة.
وسنتحدث اليوم عن الشهيد القسامي قاسم فريد عبد العزيز جابر (31 عاماً) من مدينة الخليل، أحد أفراد خلايا كتائب الشهيد عز الدين القسام التي تشكلت أواخر العام 2004م، وبقيت تعمل بصمت حتى اعتقال أفرادها في أوائل العام 2006م.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد القسامي المجاهد قاسم فريد جابر في العام 1985م، ونشأ شهيدنا بين أحضان عائلة مجاهدةٍ، ملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ربت أولادها على الجهاد في سبيل الله ومقارعة أعداء الأمة، وفي المسجدِ كانت له صولات وجولات، فكان محافظًا على الصلاة في المسجد، داعيًا إلى الخيرِ، كما كان متميزًا بالهدوء، فكسب قلوب جميع من حوله من الأهل والأحباب والأصدقاء، كما كان بارًا بوالديه حنونًا عليهما.
كان شهيدنا رفيع الأخلاق، مهذب في الحديث مع عامة الناس، فقد كان محبوباً لوالديه رحمه الله وكان مطيعاً لهما في المنشط والمكره، كما أنه كان من بين الملتزمين في المساجد المحافظين على الصلوات وخاصة صلاة الفجر، وكان محبا لجميع أهله، فيمزح مع أخوته واخواته يحبهم ويحبونه، وكان عطوفا رحيما يساعد الفقراء بما استطاع ويشارك الجميع في الأفراح والأحزان.
تعليمه
تلقى شهيدنا القسامي قاسم تعليمه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" بمدينة الخليل، وخلال دراسته، كان مثالًا يحتذى به، في الالتزام والانضباط، فنال احترام زملائه ومعلميه، وأصدقائه، وكان خلال مراحله الدراسية، يدعو إلى الخير والدعوة إلى الله، وحماية الأوطان من أرباب الطغيان.
دعوة وجهاد
يتميز شهيدنا رحمه الله بأخلاقه الحسنة وصدقه والتزامه في المسجد، كما أنه كان حريصا للدعوة للجهاد في سبيل الله، وكان ضحوكاً يُمازحُ والده كثيراً، كما كان حريصاً في الحث على مساعدة الفقراء والمحتاجين وحث أهله وذويه على ذل، وانضم لصفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس في سن مبكرة من عمل وانخرط في أنشطتها المختلفة وشارك بفاعلية في المسيرات الجماهيرية والأنشطة المختلفة.
عشق شهيدنا القسامي الجهاد مبكرًا، ليتقدم الصفوف، وهو يتمنّى الشهادة في سبيل اللهِ تعالى، حاملًا هم وطنه ودينه، فحقق أمنيته بالانضمام إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع المسلح لحركة المقاومة الإسلامية حماس، في سن مبكرة من عمره.
خلية "الموت السريع"
الشهيد قاسم وعدد من إخوانه، هم أفراد خلية الموت السريع أو خلية (عتصيون) أو الخلية المجهولة كما أطلقت عليها أجهزة الاستخبارات الصهيونية، التي اعتبرت من أخطر مجموعات المقاومة جنوب الضفة أثناء انتفاضة الأقصى المباركة.
وقد أذاقت هذه الخلية الصهاينة المرّ والعلقم على مدار عامين كاملين، وعجز العدو أمام عملياتها وأقر بالفشل الذريع في تتبعهم، وصعوبة ضرباتهم، وانتقاءهم لأهدافهم بدقة متناهية.
أما عن دور القسامي قاسم جابر كأحد أفراد الخلية، فقد شارك شهيدنا وبشكل فعّال في عمليتين، إحداهما عملية البلدة القديمة (شارع البلدية) حيث اقترب المجاهدون من جنود العدو هناك وعلى بعد أمتار قليلة همّوا بإطلاق النار تجاه جنود الاحتلال إلا أن السلاح تعطّل، فأطلق العدو النار عليهم وانسحبت المجموعة بسلام.
وفي العملية الثانية التي شارك فيها الشهيد قاسم، أوكلت إليه مهمة قيادة مركبة المجاهدين، حيث استقل المجاهدون سيارة على خط مغتصبة (كريات أربع) وتجاوز المجاهدون سيارة للمغتصبين وعندما همّ أحدهم برشق المركبة الصهيونية بوابل من الرصاص تعطّل السلاح الآلي وانسحبت المجموعة بسلام من المكان.
وبعد فترة من جهاده في هذه المجموعة توقف عن العمل الميداني بسبب ظروف خاصة به، وكُلِف برصد تحركات العدو كون بيته ملاصقاً للمغتصبات الصهيونية بالخليل، وتوفير الدعم اللوجستي لأفراد الخلية أو ما يحتاجونه من معدات.
ومما يذكر للشهيد جابر أنه شارك بدورٍ فعّال في عملية (جبل السنداس) التي قتل فيها مغتصب بعد إطلاق النار عليه من سيارة مسرعة، حيث رصد للمجاهدين منطقة الانسحاب لتفادي جنود العدو، كما رصد للخلية نفسها ممر العبور والانسحاب في عملية (حجاي) التي استهدفت محطة حافلات للجنود الصهاينة، وقتل في العملية جنديان.
رحلة الاعتقال
اعتقل شهيدنا وأفراد الخلية القسامية بعد سنتين من المطاردة، وصدرت بحقه لائحة اتهام بالانتماء لحركة حماس، وحكم عليه ب 42 شهراً، وحوكم بقية إخوانه في الخلية بالمؤبدات، أما الشهيد جابر فخرج بعد فترةٍ وجيزة، لعدم ثبوت أي قضية عليه.
وتنقل الشهيد خلال سنوات سجنه بين معتقلات العدو، وبعد خروجه من السجن افتتح محلات الشهيد للخضراوات والفواكه وكان يديرها بنفسه حتى يوم استشهاده.
رحيل المجاهد
من ذاق حلاوة الجهاد، يأبى أن يشتم رائحة الذل والخنوع، ففي صباح يوم الاثنين الموافق 14-03-2016م، خرج شهيدنا قاسم برفقة أخيه الشهيد وأمير فؤاد الجنيدي، إلى حيث المكان الذي طالما رصده قاسم لأفراد خليته، مغتصبة ( كريات أربع ) لينفذا عملية بطولية، أصيب على إثرها عدد من الجنود الصهاينة.
وفي تفاصيل العملية ذكر إعلام العدو أن مركبة فلسطينية تقل فلسطينييْن أطلقت منها النار باتجاه حافلة صهيونية وحاولت دهس عدد من الجنود، واكتفى العدو باعترافه بإصابة جنديين، موضحاً أنه عثر بحوزتهما على مسدس وبندقية "كارلو"، حيث يعتقد الجيش أنهما حاولا القيام بعملية إطلاق نار نوعية .
ومع كل ذلك يرحل الشهداء ويكمل طريقهم من ينتظر الإشارة على ذات الطريق، ليمحوا بدمائهم الطاهرة دنس المحتل عن أرض المسرى، وينيروا لمن خلفهم طريق التحرير، رحم الله الشهداء وأسكنهم فسيح جنانه.