الشهيد القسامي / وليد توفيق حسين مسعود
قرآن يمشي على الأرض
القسام - خاص :
هم الأبطال وحدهم ينيرون دربنا بعزيمتهم وفي علياء السماء تسطع شمس أسماءهم، فهم رجال تربوا على بيع الدنيا بثمن بخس مقابل جنة عرضها السماوات والأرض فلا بد لليث أن يكون له ميلاد يليق به حتى يزأر في وجه عدوه الغاصب.
ميلاد بطل
ومثل الأبطال أشرقت شمس ميلاد شهيدنا المجاهد وليد في السادس عشر من أغسطس لعام 1990م بمدينة رفح ، ذلك الطفل الذي تميز بالهدوء وطيب القلب فلقد تربى على الفضيلة والأخلاق الحميدة ، ولد وليد في كنف اسرة مجاهدة قدمت الغالي والنفيس من اجل نصرة الدعوة والذود عن حياض الأمة و الوطن.
منذ صغره كان يهوى العسكرية و ينصب العداء للكيان الغاشم فلقد زار أخيه يوسف و الذي يقبع في سجون الاحتلال منذ 13/5/2003 م و هو في سن العاشرة من عمره .
كان وليد مطواعاً حنوناً لا يرضى أن يرى أمه حزينةً حيث أنه كلما رآها حزينة على أسر أخيه يوسف يقول لها :"لا تحزني يا أمي فوالله لن أرضى بغير جندي صهيوني آسره لتحرير أخي ".
جذع حانٍ على أهل بيته
كما شيم اًصحاب الأخلاق الرفيعة، وحسن الإيمان وحب رضا الله عز وجل وصلته لعباده ، كان وليد يحب أخوته و أخواته وصولاً لأرحامه لا يرفض لهم طلبا ً ولا يرضى لهم هما ً ولا حزنا ً ، فهو يعلم جيدا ً أن الرحم موصولة بعرش الرحمن ، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه.
ولما كان بر الوالدين من أعظم موجبات دخول الجنة ، كان وليد بارا ً بوالديه كالجذع الحاني لا يرضى أن يرى الدمع والحزن في أعينهم ، يحترم الكبير ويعطف على الصغير ، ويساعد المحتاج ، ويطعم ذا الفاقة والفقير ، لا ينتظر من أحد مدحا ً ولا شكرا ً فهو يرجو بذلك رحمة العلي القدير.
كل أهل بيته يشهدون له بلين الجانب وحسن الأخوة والمعاملة ، فقد كان يقطر وجهه من روعة الخجل ويشدو لسانه بعذب الكلام ، وحسن الألفاظ ، لا يؤذي أحداً ولا يتعدى على صغير أو كبير.
التقوى زاد المجاهدين
لا تنتصر الأمة من قوة عتاد أو زيادة أعداد، وإنما بقوة الإيمان والالتفاف حول منهج القرآن والسنة.
منذ صغره تعلق قلبه بمسجد عمر بن عبد العزيز فقد كان يذهب إلى المسجد قبل الأذان ولا تفوته تكبيرة الإحرام لما فيها من الخير الكثير ،بل إنه كان مداوماً على صلاة النافلة وصيام النوافل فتذكر أمه أنه كان كلما فتحت عليه باب غرفته وجدته يصلي ، أما عن الصيام فكان لا يعرف أنه صائما ً إلا عندما يأتي ميعاد أذان المغرب.
كان وليد كثير قراءة القرآن ومن لطائفه أنه كانت تزداد قراءته للقرآن في شهر رمضان وكان لا يخبر أحد عن مقدار قراءته ولكن أخوته كانوا يراقبوا علامات وقوف قراءته وقالوا أنه يختم القرآن سبع مرات تقريباً وهذا رغم انشغاله، وجدير بالذكر أنه كان هناك مكان خاص لوليد في السطر الأول وخاصة في صلاة الفجر لا يجلس فيه أحد سواه لشدة التزامه بالصلوات ومواقيتها ،إلا إن غاب عن المسجد إما لمرض أو ظرف قاهر .
جهاد الدعوة إلى الله
ما أجمل أن يجمع المجاهد بين جهاد الدعوة الى الله وجهاد عدو الله ، كان وليد جذوة من النشاط في مسجده فلقد كان يتبع اللجنة الرياضية والعمل الجماهيري في مسجد عمر بن عبد العزيز وكان محبوبا بين أشبال وشباب المسجد فلقد عمل في لجان الاستيعاب كذلك، وكان سببا ً في التزام عديد من الشباب والأشبال الذين تأثروا بهمته العالية وجميل أخلاقه.
يشهد له إخوانه ممن خالطوه في حياته بمستواه الروحاني العالي بجانب حب المرح والبساطة، حتى أنه من الجدير بالذكر أنه لما عمل في أمن السجون كان السجناء يحبونه كثيرا ً فلقد كان يقضي وقته معهم في التحدث عن الالتزام والطاعة وارضاء الله عز وجل .
ما بين علم وعمل
درس أبو اسلام في مدرسة " السكة " الابتدائية و كان في مراحل تعليمه الابتدائي طالباً مجتهداً ملتزماً بالأخلاق الحسنة يبحث دوما عن الرفقة الصالحة ويبتعد عن رفاق السوء ، وكان وفيا ً في علاقاته ، خجولا ً إلا في مجال الدعوة الى الله والنصيحة ، حتى أنه رغم توقفه عن دراسته بعد المرحلة الاعدادية الا انه كان يحب المطالعة وقراءة كتب المفكرين العظام.
انتقل للعمل منذ طفولته في محل أبيه في " تنجيد السيارات " لمدة عامين إلى أن عمل في الشرطة منذ 2010 م، ثم للعمل في جهاز الأمن الوطني .
العمل التنظيمي
انتمى وليد الى حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ طفولته حتى بايع الحركة في 2008 م ، وكان مثالاً للأخ المسلم الفعال الذي يحمل في قلبه هم الدين والدعوة ، وكان منذ صغره يلح على دخول الكتائب وقبل أن يكون في صفوف القسام كان متطوعا ً في الرباط وخدمة المجاهدين.
انضم الى كتائب القسام في 2007 م وما لبث الا فترة قصيرة قبل أن يتم نقله الى الوحدة الخاصة بالكتيبة عام 2008 م لما كان يمتاز به من سرية وكتمان و مخافة الله و حب الصمت وبنية القوية .
تم تكليفه بقيادة مجموعة بعد فترة قصيرة و بعد تشكيل وحدة النخبة في عام 2013 م تم تكليفه بقيادة فصيل فيها وكان على مدى حياته الجهادية معطاءً لا ينظر إلى الراحة والنعيم ويواصل الليل بالنهار في الخدمة لدين الله عز وجل، حتى أنه كان عندما يرجع الى بيته من حفر الأنفاق ويكون في غاية الإرهاق والتعب وتذهب أمه لتعد له طعاما ً ، فما أن ترجع له تجده يجهز نفسه للرباط فتطلب منه أن يستريح فيرفض إلا أن يكون من صفوف المرابطين في الخطوط الأولى .
شارك وليد في العديد من الأعمال الجهادية كحفر الانفاق والكمائن المتقدمة كان آخرها كمين ( أبو الروس ) شرق رفح في حرب العصف المأكول الذي فقد فيه الضابط هدار جولدن حيث كان وليد مسئولاً عن هذا الكمين برفقته مجموعة من إخوانه المجاهدين .
عملية "أبو الروس " صندوق أسود
كالأسد في رباطة جأشه وعظيم صبره على فريسته ،فلقد كان قبل الكمين في مهمة خارج البيت غاب فيها لمدة أسبوع متواصل ولكنه لظروف ما لم يوفق فعاد وليد و لم يمل من الصبر حين أرسله إخوانه ليكون مسؤولا عن كمين أبو الروس الذي بقي فيه لمدة 23 يوم متواصل.
فلقد كان ينتظر أن يوفي العهد الذي قطعه على نفسه بأسر ضابط يحرر به أخيه الذي يقبع في سجون الاحتلال وكان ما تمنى.
وفي أثناء بقائهم في كمين آخر قرب كمين أبو الروس قام وليد وأحد المجاهدين بملاحقة دبابة ولكنهم لم يتمكنوا من اللحاق بها وعادوا إلى عين النفق وتقدموا إلى كمين أبو الروس الذي تمت فيه العملية.
فبينما رجع وليد إلى بيته ليستحم بعد هذه الفترة الطويلة قدمت إلى مكان الكمين قبل موعد الهدنة المقررة بساعات مجموعة كبيرة من وحدة الاستطلاع وكان أغلبهم من أصحاب الرتب العالية من جيش الاحتلال فقام من بقي في الكمين بالتواصل مع وليد ، فأخبرهم ألا يفعلوا شيء حتى يقدم إليهم .
وفي ظل الوضع الأمني المتشدد والظروف الصعبة وصل وليد اليهم ورفع من عزيمتهم و ذكرهم بجنان الله تعالى وما أعده الله من نعيم للمتقين والشهداء والمجاهدين فخرج وليد ومن معه واشتبكوا معهم .
استشهاد بطل ... كالأشجار وقوفا ً
في أثناء ملاحقة وليد وإخوانه المجاهدين لجنود المحتل الغاصب الذين كانوا يفرون منهم كالفئران .
أصيب وليد في بطنه بعد أن نكل فيهم فلم يتمكن المجاهدون من الوصول إليه لغزارة إطلاق النار فنطق الشهادة وهو ملقى على بالقرب من قتلى العدو ولم يعرف الاحتلال بما جرى حتى نقل وليد مع جثث الجنود الصهاينة إلى مستشفى (سوروكو العسكري ) فلقد كان يلبس مثل لباسهم .
لينتقل بإذن الله الى العلا في نفس الشهر الذي ولد فيه و لقد صدق الله فصدقه و قضى العد الذي قطعه على نفسه ، مسطراً أجمل قصة في الجهاد والتضحية العزيمة التي لا تلين ويكون في جعبة رفح وصندوقها الأسود ، ولم تزل جثته عند الاحتلال الصهيوني ولم تسلم إلى أهله الى هذا الوقت .
وقام حينها جيش الاحتلال من تخبطه بإلقاء آلاف الأطنان من القذائف والمتفجرات على المدنيين من تخبطه وشدة صدمته وقصف البيوت ودمر الشوارع والطرقات فيما يسمى بـ "يوم الجمعة الأسود "1/8/2014م ولكن سواده أصاب المحتل قبل أي شخص آخر ، ولم ينل من عزيمة وصمود المجاهدين وشعبنا المجاهد المعطاء.
مواقف لا تنسى..
هم قطعة القلب ومهجة الروح ، بمواقفهم نقشوا أسمائهم على جدار القلب وسكنوا سويداءه ..فكيف يعتريهم غبار النسيان وهم ذاكرة الزمان وعبق الحياة ..
ومن المواقف المميزة في حياة وليد أنه لما كان يصور وصيته في بيته قال له أبيه أراك مودعا ً، فقال نعم يا أبتي واني أرجو منك أن تعتقني لوجه الله تعالى، فقد كان يعلم وليد أنه يخاطب أباً لطالما ربّى أبنائه على الاستقامة والصلاح .
أما عن الكرامات له بعد استشهاده أن ستاً من أصحابه وجيرانه رزقوا بمولود بعد استشهاده فأسموهم وليد تيمناً باسمه وحباً وتعلقا بخصاله وسجاياه.
كما وأن أمه رأته في منامها أنه يؤم بجماعة من المصلين في الجنة وكأن وجهه قطعة من نور.