الشهيد القسامي / محمد يوسف ريحان
الشهيد الذي كبرت لحيته في قبره
القسام ـ خاص:
إليكم يا من سالت دماءكم فابتسمتم..وزهقت أرواحكم في سبيل ربكم ففرحتم.. إليكم يا من أقبلتم في زمن الفرار.. ورفعتم رؤوسكم شامخين في زمن الانكسار.. يا من صمدتم في وجه الظلم والطغيان.. يا راحلين عن الحياة وساكنين بأضلعي.. هل تسمعون توجعي وتوجع الدنيا معي..
قد تعجز الكلمات عند الحديث عن الشهيد القسامي القائد محمد يوسف ريحان ذو ألـ 25 ربيعاً.. فهو رجل بألف رجل.. أبصر شهيدنا النور في الحادي عشر من شهر شباط/فبراير لعام 1976 ودرس حتى مرحلة الثانوية العامة في مدارس بلدته "تل" الواقعة جنوب غرب مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة. ثم التحق بالعمل مع والده في مجال البناء. وتزوج في العام 1997 من فتاة كريمة أنجب منها ابنه الوحيد "مؤمن".
ريحانة فلسطين
وعند الحديث عن محمد لا بد لنا في البداية أن نعرج قليلاً على عائلته التي تستحق بكل جدارة أن يُطلق عليها لقب "ريحانة فلسطين"، تلك العائلة المجاهدة الملتزمة التي نذرت نفسها وأبناءها في سبيل الله ودفاعا عن ثرى الوطن المحتل، دون أن تفتّ في عضدها المحن والمطاردات والتهديدات والاغتيالات وهدم المنزل وحلقات الاعتقال المتكررة والتي لم تتوقف سواء في سجون الاحتلال أو أعوانه من أجهزة السلطة الفلسطينية.
شب شهيدنا محمد (أبو مؤمن) منذ بداية نشأته على حب الله والدين، ورضع من والدته حليب العزة والكرامة، والتحق منذ نعومة أظفاره بالمساجد وبحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وكان مثالا للأدب والأخلاق والتواضع والحياء، وفي الوقت ذاته القوة والعزيمة والشجاعة والإقدام دون خوف أو وجل.
كان كثير البشاشة.. حلو الدعابة.. محباً لأهله وإخوانه.. يُدخل على أهل بيته المرح والسرور.. ويُذهب عنهم الأحزان والهموم.. وفي الخلوة تجده كثير الصمت.. كثير الأحزان على جراحات المسلمين ومآسيهم.. فكان لا يفكر إلا في الجهاد في سبيل الله والاستشهاد لنيل مرضاة الله، حياته كلها تدور حول ذلك، نومه واستيقاظه وغدوه ورواحه، بل حتى دعابته ومرحه.. أنه الجهاد في سبيل الله.
حوار مع ضابط صهيوني
في العام 1998 اقتحم جنود الاحتلال منزله واعتقلوه وعصّبوا عينيه وشدّوا الوثاق حول يديه ونقلوه للتحقيق معه في ساحة إحدى مدارس القرية، وبدأ الضابط الصهيوني سؤاله، هل تعرف الله!. فردّ عليه محمد بكل أنفة وشموخ "نعم أعرف الله". فقال له الضابط هل سيحميك الله!؟ فقال له محمد "إذا أراد الله أن يحميني فإنه بإذن الله سيحميني"، وحينها قال له الضابط الصهيوني "سنرى كيف سيحميك الله منا".. وبإرادة الله وقوته وحمايته استطاع محمد فك وثاق يديه في غمرة انشغال جنود الاحتلال بالتحقيق مع غيره، وردد في نفسه قائلا "وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وانسحب من بينهم رغم انتشارهم في كل جنبات القرية، دون أن يتمكنوا من اعتقاله أو الوصول إليه.
وعقب هذه الحادثة طورد الشهيد من قوات الاحتلال التي جنّ جنونها بعد تمكنه من الفرار من بين أيديهم، لكن أجهزة السلطة الفلسطينية تمكنت من اعتقال محمد بعد خمسة أيام فقط من مطاردته، وزجته في سجن الجنيد بمدينة نابلس لمدة 30 شهراً.
وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى وإقدام طائرات الاحتلال على قصف سجون السلطة في الضفة، استطاع شهيدنا الخروج من سجنه حيث أصبح مطاردا للاحتلال الصهيوني ولأجهزة السلطة الفلسطينية التي لم تكتفِ باعتقاله كل تلك الفترة، فحاول الطرفان الصهيوني و"الفلسطيني" بعد وقت قصير من الإفراج عنه إعادة اعتقاله ثانية، لكن أنىّ لهؤلاء أو هؤلاء ذلك، وقد خرج الأسد من عرينه إلى ساحات الوغى بانتظار الشهادة التي تحققت له بعد 6 أشهر فقط من خروجه من سجون السلطة.
سؤاله الوحيد!!
كان محمد يحلم بالشهادة ليل نهار ويطير فرحاً كلما سمع بها، كان ينشد للجهاد، ويتغنى بالاستشهاد، شخصيته كلها شموخ وصمود وأنفة وعزة، يحب الدعوة إلى الله، والنصح للمسلمين، وأمنيته خدمة هذا الدين، سؤاله الوحيد الذي كان دائما ما يتردد في ذهنه، كيف أخدم هذا الدين!؟ وما أن اندلعت انتفاضة الأقصى حتى تاقت نفسه، وبدأت الدماء تغلي في عروقه للجهاد في سبيل الله، فقد عرف معنى الحرية وصال في أرض الجهاد صولات وجولات، وقد عُرف بشجاعته الفائقة، حتى أنهم قالوا له ذات مرة، إن أعداء الله يتوعدونك ويخططون لاغتيالك، فما كان رده إلا أن قال "والله إني أتمنى الشهادة، فما هي إلا طعنةٌ في الصدر أنال بها الشهادة، وبإذن الله سأقتلُ منهم قبل أن أستشهد".
جهاده
عُرف عن الشهيد إخلاصه الشديد وتضحيته اللامحدودة، وتميز بكتمانه وسريته في كل مراحل جهاده، فالاحتلال الصهيوني يتهمه بالمشاركة في خلية قسامية في بلدة "تل" كان يقودها الشهيد القسامي القائد نصر الدين عصيدة، وهذه الخلية المسؤولة عن قتل اثنين من غلاة المستوطنين الصهاينة من مغتصبة "يتصهار" قرب نابلس خلال التسعينات.
وقد تعرض كما ذكرنا للملاحقة من الصهاينة ومن ثم الاعتقال في سجون السلطة، وفور خروجه من سجنه أصبح مطارداً إلى أن لقي ربه راضياً مرضيا.
أقواله المشهورة
ومن أقواله التي كان دائما ما يرددها داخل البيت وبين أهله، كما تؤكد زوجة الشهيد "لتجعل حياتك كلها خالصة لله، ودعوة إلى الله، وجهاد في سبيل الله"، وكذلك "إذا لم نلتقي في الأرض يوماً وفرق بيننا كأس المنون، فموعدنا غداً في دار خلدٍ بها يحيا الحنون مع الحنون"، وأيضاً "الدنيا ملعونة، ماذا نفعل بها!؟ فهي كشريط الكاسيت يدور وينتهي وهذه هي الدنيا"، أما شعاره الخالد فكان "ولست أرى الحياة سوى الجهاد، ولغدوةٌ في سبيل الله خير من الدنيا وما جمع العبيد".
ما قبل الشهادة
وتتحدث زوجة الشهيد عن الساعات الأخيرة التي سبقت ارتقاء محمد إلى جوار ربه، وتقول "من آذان المغرب كل تصرفات محمد وحركاته داخل البيت كانت تدل على أنه يودعنا، فبعد أن انتهى من أداء صلاة المغرب طلب مني تحضير وجبة العشاء حيث كان جائعاً، وبعد أن انتهى من الطعام، أخذ يقرأ على مسامعي بكتاب اليوم الآخر من ظلال القرآن، وكان مستمتع جدا بالقراءة خاصة عندما تحدث عن الحور العين، وهنا بدأت الدموع تسيل من عيناي رغم أنني كنت أدعو له دائما بالشهادة، فنظر إليّ وقال لي: لا تحزني ستكونين سيدة الحور العين في الجنة إن شاء الله، وسنلتقي في دار خلد بها يحيا الحنون مع الحنون".
وتستدرك أم مؤمن قائلة "في إحدى المرات أهداني سجادة صلاة، وقال لي: أهديتك هذه السجادة حتى تتذكريني في كل صلاة وتدعو لي بالشهادة"، ثم تكمل عن الساعات الأخيرة من حياة الشهيد محمد، قائلة "كنا في كل ليلة نقرأ سورة البقرة لتحصين منزلنا من الأعداء فكنت أنا اقرأ نصفها والشهيد يقرأ نصفها الآخر، وفي تلك الليلة كان رأسه يؤلمه فطلب مني أن اقرأ السورة كاملة لوحدي، وبينما أنا في الجزء الأخير شعر محمد بحركة غريبة في محيط المنزل، فخرج لتفقد الوضع ولم يعد للمنزل إلا الساعة 2:30 فجرا".
وتضيف زوجته "وأثناء عودة محمد للمنزل استيقظت والدته على حركته وقالت له ما بك!؟ فأخبرها أنه غير مطمئن، فذهبت والدته لصلاة قيام الليل، وعند الساعة الثالثة تقريباً سمعت أمه صوت حركة غريبة في محيط المنزل، فأطلت من النافذة فإذا جنود الاحتلال ينتشرون بأعداد كبيرة ويأخذون وضع الاستعداد، وعلى الفور عادت وأخبرت محمد".
باغتهم وهو يُكبّر
وتصف زوجته ساعة معرفة محمد بوجود جنود الاحتلال في محيط المنزل، وتقول "ما أن عرف زوجي بتطويق المنزل حتى هبّ من مكانه بكل سرعة وامتشق سلاحه وخرج مسرعا دون حتى أن يودعنا ثم بدأ بالتكبير بصوتٍ عالٍ، وشرع بإطلاق النار على جنود الاحتلال من مسافة الصفر وجها لوجه".
وتؤكد أم مؤمن أن زوجها استمر في إطلاق النار لمدة 15 دقيقة قبل أن يُضرج بدمائه ويرتقي إلى علياء السماء شهيداً وكان ذلك بتاريخ 12/11/2001، لكنها تشير إلى أن الشهيد نجح في مباغتة جنود الاحتلال عندما بادرهم هو بإطلاق النار أثناء انتشارهم في محيط المنزل، وهو الأمر الذي أدى لإيقاع خسائر محققة في صفوفهم.
خسائر محققة
ورغم محاولة قوات الاحتلال إخفاء خسائرها في صفوف جنودها، إلا أن أم مؤمن تؤكد أنهم شاهدوا دماء غزيرة في ساحة المواجهة بعد انسحاب الاحتلال من البلدة، كما أكد لها شهود العيان من الجيران أنهم شاهدوا قوات الاحتلال تنقل عبر سيارات الإسعاف 7 جنود ما بين قتيل وجريح.
ومما يؤكد بالإضافة إلى ما سبق وقوع خسائر محققة في صفوف جنود الاحتلال، إقدام ضابط القوة الصهيونية قبل انسحابها على اعتقال والده وجميع أشقائه باستثناء الشهيد عاصم الذي تمكن بعد شهر واحد بالضبط وتحديدا بتاريخ 12/12/2001 من الثأر لدين الله ولدماء شقيقه وشهداء فلسطين، وذلك عندما نفذ عمليته الاستشهادية البطولية التي كتب عنها الكثيرون كتبا ومقالات وتحليلات نظرا لقوتها ونوعيتها وعُرفت إعلامياً بـ"عملية عمانوئيل".
حيث أقدم عاصم وعدد من أفراد خليته القسامية على زرع عبوات ناسفة في طريق الحافلة الصهيونية التي تسير على خط رقم (198) المتجّهة إلى مغتصبة (عمانوئيل)، وعندما حانت اللحظة المناسبة فجّر عاصم العبوات الناسفة لكن المشهد لم ينتهِ بعد، فعندما توقفت الحافلة وهرع المغتصبون بالنزول، فوجِئوا بالرصاص ينهمر عليهم من الكمين الذي نصبه عاصم لهم، فقتل منهم 11 صهيونيا وأصيب نحو 40 ، قبل أن ينضم عاصم شهيداً، ويلتحق بشقيقه محمد بعد شهر واحد فقط من الفراق..
كراماته
وللشهيد كرامات أكرمه الله إياها، فبعد مائة يوم من استشهاده وفق شقيقه جعفر و بعد استشهاد رفيق الجهاد ياسر عصيدة كان الجميع على موعد مع بناء الضريح حيث كانت الوصية لمحمد و ياسر أن يدفنا بجوار بعضهما البعض و وسط إصرار جعفر الذي لم يودّعه أو يره لأنه كان معتقلاً تم فتح القبر و كانت المفاجأة : "كان نائماً نومة العروس المطمئنة والعرق يتصبّب من على جبينه ودمه طريّ كأنه ينزف من لحظته ورائحة المسك الأطيب التي سبقت فتح اللحد تملأ المقبرة وشعر لحيته قد طال كثيراً عن الحالة التي دفن بها".
وبينما كان المئات من أهالي "تل" لا يستطيعون منع دموعهم والقشعريرة تسيطر على جلودهم وهم يكبرّون و يهللون ويشكرون الله على نعمة الشهادة و إكرام الشهيد.
و يوضح جعفر: "لو لم أكن متأكداً بأن أخي محمداً شهيد وأن الله سيكرمه ما تجرأت على فتح القبر ويكفي أن قلب الإنسان و حاسته دليله و الحمد لله على الكرامة".
رحلت يا محمد إلى جوار ربك بعد أن أبليت بلاء حسنا وقدمت في سبيل ربك ودينك ووطنك أغلى ما تملك.. بالأمس كنت هنا أنيساً مؤنسا.. واليوم تسرح وتمرح في جنان الخلد.. رحلت بعد أن كرهت عيش الذل في وطن سليب.. ورغبت في العيش الكريم الهانيَ، فسلام عليك في عليين وسلام عليك إلى يوم الدين..