الشهيد القسامي المجاهد/ عبد الرحمن إبراهيم العاروري
من ثورة المساجد إلى تأسيس كتائب القسام في الضفة
القسام ـ خاص :
الشهيد المجاهد عبد الرحمن العاروري، مضى شهيداً ضمن قوافل شهداء شعبنا الفلسطيني المرابط، لقد مثل عبد الرحمن بدمه نموذج العزة والكرامة والتضحية في سجل الشرف والبطولة، قدم دمه رخيصاً في سبيل ربه و مضى شهيدًا تحت راية الإسلام، رفع قدر بلده من خلال نموذجه الفريد الذي قدمه...
الميلاد والنشأة
ولد الشهـيد عبد الرحمن إبراهيم العـاروري في 12/ 3/ 1962م فـي قـريــته عــارورة، ودرس الابتدائية والإعدادية وانتهاء بالثانوية عام 1981م في مدرسة مزارع النوباني وعارورة الثانوية للبنين.
عرف عن الشهيد عبد الرحمن –رحمه الله– منذ صغره حبه للإسلام وعمله لخدمته قدر استطاعته، فقد انضم في مرحلة من حياته إلى نقابة الشبيبة في القرية، وقد أجريت انتخابات في هذه النقابة، وقد انتخب عبد الرحمن رئيساً لها، وكان ذلك على وجه التقريب في عامي 1983 – 1984م، إلا أنه لم يستمر طويلاً في هذه النقابة التي انضم إليها بهدف تحويلها إلى مركز للشباب المسلم في قريته، فلم يجد الجو الذي يرتاح إليه فتركها.
التزامه الدعوي
التحق -رحمه الله- بجماعة الإخوان المسلمين عام 1979م، ومر بمراحل التربية الروحية والذهنية التي يقوم على أساسها فكر وتكوين هذه الجماعة، حيث عمل بنشاط في مجال الدعوة والتنظيم إلى جانب المشاركة في النشاطات الخيرية والتطوعية العامة، فكان الإعداد وكانت التربية، وكان الإقتداء بهدي رسوله الكريم "صلوات الله وسلامه عليه"، فتم تشكيل الأسر الإخوانية والدعوية التي تجمع القلوب على طريق الهداية والمحبة والرشاد، وتقرب الأخوة الصادقة تحت لواء واحد حقيقي واضح ظلاله "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وقد كانت له مواقف صلبة وثابتة ما يدل على رسوخ العقيدة الإسلامية في نفسية الشهيد منذ نشوئه، وقد تمثل بعضاً منها في مواجهة الشيوعيين والعلمانيين وأفكارهم الدخيلة أوائل الثمانينات والتسعينات مع ثلة من إخوانه أبناء المسجد في ذلك الوقت.
كرمه وتفانيه في خدمة دينه
كان لأبي النور مواقفه الثابتة على مبدأ العقيدة الإسلامية، فقد عرف عنه كرمه وتفانيه في خدمة دينه العظيم ونصرته، وقد تجلى ذلك في كثير من مواقفه، لقد ساهم الشهيد بشكل كبير وفعال في بناء وإعمار وتطوير مسجد عارورة الكبير، حيث كان نشاطه في هذا المجال نشاطاً مميزاً، حتى غدا المسجد الأكبر و الأوسع بين مساجد المنطق، وقد كان رحمه الله أحد أعضاء لجنة إعمار المسجد ومندوباً للجنة زكاة وصدقات رام الله في منطقته..
حياته الجهادية
مع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى في 8 / 12 / 1987م والتي عرفت بـ -ثورة المساجد- كان الشهيد عبد الرحمن من الذين عملوا على نشر إسلامية الانتفاضة المباركة، حيث كان له أثر كبير في نشاطاتها, وإبراز حركته –حركة المقاومة الإسلامية حماس- كحركة انطلقت بالانتفاضة من المساجد، وكان من الشعارات التي كتبها على الجدران في بداية الانتفاضة الأولى "ثورة المساجد"، روح الانتفاضة المباركة، ومع بروز نشاط الشهيد وأثره الكبير في منطقته، طورد في بداية الانتفاضة فترة ليست بالقليلة.
اعتقاله
وكان العدو الصهيوني ينتهز الفرصة لاعتقاله، حيث كان يقتحم بيته باستمرار لإلقاء القبض عليه… وبسبب مطاردته منعت السلطات الصهيونية أمه –رحمها الله– من التوجه إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، إلا بتسليم عبد الرحمن، فلم يكن لهم ذلك.
وقع –رحمه الله– بعد المطاردة في كمين للجيش الصهيوني في القرية بعد مواجهات عنيفة مع الجيش عقب اقتحامه لها في إحدى المرات، قبض عليه واثنين من إخوانه، في الأخير من آذار عام 1990م، وبعد عشرة أيام من إلقاء القبض عليه، أفرج الصهاينة عنه لهدف شيطاني ظانين بأن ذلك يشوه من سمعته ويشكك الناس به، علماً بأنه كان مطارداً لأكثر من عامين.
كذلك اعتقل للمرة الثانية يوم الاثنين بتاريخ : 5 / 11 / 1990م في نفس العام من منزله، ثم حول للاعتقال الإداري لمدة ثلاثة شهور بعد أن فشلت محاولتهم تشويه صورته في منطقته و بين أبناء بلدته.
قائد القسام برام الله
ومع تصاعد الانتفاضة وتطور وسائلها و أساليبها، انضم الشهيد عبد الرحمن إلى إحدى المجموعات العسكرية منذ البدايات الأولى لتأسيس الجناح العسكري لحركته الذي عرف باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، ورافق تطورات العمل حتى غدا مسؤول الكتائب في منطقة رام الله.
اعتقل للمرة الثالثة بتاريخ : 6 /8 / 1992م إدارياً من المنزل، وحول فيما بعد إلى قسم التحقيق في سجن الظاهرية، وقد مارسوا بحقه صنوفاً كثيرة من التعذيب والإرهاق الجسدي والنفسي حتى كان مثالاً يحتذى.
وقد شهد له الأعداء بذلك على لسان الذين حققوا معه وأحسوا بصلابته وعناده، و قد ذكر أحد الأخوة المعتقلين الذي خرج من مركز تحقيق الظاهرية في ذلك الوقت قول المحقق له أثناء التحقيق: "أنت تريد أن تعمل حالك راجل مثل عبد الرحمن العاروري"، استعملوا معه صنوفاً كثيرة من التعذيب, و قد كان منها أنهم – نتفوا – شعر لحيته حتى سال الدم منها، فلم يُجدِ التحقيق المصحوب بالتعذيب معه نفعاً، ولم يعترف عبد الرحمن بشيء مما وجه إليه، حتى يأسوا منه وحولوه للمحكمة باعترافات الغير عليه، حيث حكم سبعة أشهر ونصف.
الإبعاد
وعندما أصدر الهالك (رابين) قرار الإبعاد، كان عبد الرحمن من المرشحين للإبعاد رغم أنه يقضي محكوميته في السجن، حيث أبعد بتاريخ: 17 / 12/ 1992م بصحبة 413 من إخوانه المجاهدين والعلماء والأساتذة، إلا أنه أعيد بعد شهر مع مجموعة من إخوانه بسبب الاحتجاجات من قبل الصليب الأحمر والهيئات الدولية على إبعادهم وهم يقضون حكماً فعلياً في السجن بسبب أن ذلك يناقض القوانين لديهم حسب عرفهم.
أكمل الشهيد – يرحمه الله – حكمه، وخرج يوم الخميس بتاريخ : 4 / 3 / 1993م في أواخر شهر رمضان المبارك…
العمــل العســكري
خرج عبد الرحمن بعزيمة وإصرار كبيرين، حيث التقى بعد خروجه من السجن مجموعة من إخوانه المجاهدين والمطاردين، كان من بينهم: المجاهد الشهيد سليمان زيدان من قبيا، والمهندس الشهيد يحيى عياش من رافات الذي كان في بداية مطاردته، وقرر هؤلاء المجاهدون العمل في إطار خلية مسلحة، وحسبما جاء في كتاب "المهندس"، كان المهندس يحيى عياش ورفاقه قد أكملوا تنظيم وتجهيز مجموعتين خاصتين، الأولى ضمت ستة مجاهدين من مدينة القدس وعرفت باسم (الوحدة المختارة رقم ستة) وأما الثانية فقد عرفت باسم (الوحدة السرية المختارة رقم صفر/ كتائب الشهيد عز الدين القسام) وضمت خمس مجاهدين وهم: عبد الرحمن حمدان، علي العامودي، إسلام أبو ارميلة، عبد المنعم أبو حميد، وكانت تحت إمرة المجاهد الشيخ عبد الرحمن العاروري –رحمه الله– والتي بدأت نشاطها بتصعيد ملموس في شهر كانون الأول من العام 1993م والتي كان من أبرز عملياتها الجريئة قيام المجاهدان عبد الرحمن العاروري وعبد الرحمن حمدان بإطلاق النار من رشاشي كلاشنوكوف وإم 16 على سيارة صهيونية كانت متوقفة على جانب الطريق، و قد أسفر الهجوم عن مقتل مغتصبين وجرح آخرين، وكان موقع العملية على طريق رام الله / بيتونيا في 1 / 12 /1993م أي قبل خمسة أيام من إستشهاده.
الشـهــادة
أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، كان الشيخ عبد الرحمن –رحمه الله– على موعد مع الشهادة، كيف لا وقد كانت كل حركاته وسكناته تدل على أنه يسعى إلى أن يتميز في حياته بأسلوبه الخاص المتمثل باستمرارية العطاء دون كلل أو ملل، كان عطاءه متميزاً، وإخلاصه كبيرًا، فكان جهاده صورة مشرقة على صفحات التضحية والفداء، كانت طريقه هذه تتجه نحو طريق المعالي، قرر –رحمه الله – أن يرفع لواء دينه ودعوته، فرفع الله قدره في الدنيا وفي الآخرة إن شاء الله، كان عبد الرحمن على موعد مع الشهادة أحبها واستنشق نسيمها لأكثر من ثلاثة عقود.
كان استشهاده على تراب قريته التي يتكون عظمه وجسمه وروحه منها، كان استشهاده رحمه الله في مسقط رأسه وفي بيته وأمام أعين زوجته وأطفاله، في عملية اغتيال جبانة جسدت بشاعة وحقد الصهاينة، وكشفت عن حقد اسود ودفين على الشيخ الحبيب عبد الرحمن.
كان ذلك يوم الإثنين في السادس من كانون الأول لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين من قبل الوحدات الإرهابية الخاصة، وقد أطلقوا عليه ثلاثة رصاصات غادرة في صدره وتحت أذنه بعد أن سألوه ثلاثة مرات عن اسمه وهم يمسكون ببطاقة هويته وكان آخر كلام الضابط الحاقد مع الشهيد قوله "أنت الذي يدعوك الناس بالشيخ عبد الرحمن" تأكيداً على نواياهم الغادرة المبيتة للشهيد.
سقط عبد الرحمن شهيداً بعد ظهر يوم الاثنين، وقد تم حجز جثمانه الطاهرة لمدة يومين تم خلالهما القيام بحملة اعتقالات في صفوف إخوانه من أبناء حركته حركة المقاومة الإسلامية حماس.
وقد تم دفنه في مقبرة البلدة بعد أن أجريت له جنازة مهيبة حضرها الآلاف من قريته والقرى المجاورة ومن معارف الشهيد.