الشهيد القائد/ نافذ كامل محمد منصور
القائد المتفاني في العطاء الجهادي والخيري
خاص - القسام:
زفتك عيوننا بالبكاء والحسرات ..بلهيب من قلوب الثاكلات.. زفتك أرواح أبت إلا المسير في خطى الوعد أبت إلا أن تلحق بهدي الأحرار.. قد مشى الركب أيا قائدهم فتهادى الفجر من ظلم الحياةَ أبا هاني...
زفتك عيوننا بالدموع الجاريات ..أنت فيها قد حييت لم تمتك صواريخ الطائرات.. أنت النبض فيها.. أنت صبح الليل فيها.. أنت نصير الضعفاء حتى يصيروا أقوياء..
أبا هاني الدمع غنى والدم حنى..يا أبا هاني قد بدأت السير فاتبعك صحبك من الرجال الأبطال فقاتلوا بكل بطولة .... قاتلوا بكل رجولة.. وسيقاتلون حتى الممات..
يا أبا هاني..كنت فارسهم وكريمهم وقائدهم ومعلمهم وحبيبهم.. هكذا أنت حييت... وهكذا ودعت الحياة وعلى عهدك سنبقى الأوفياء.
أنت رجلٌ ولا كل الرجال.. مجاهد قائد.. مخطط منفذ، مدبّر ومدير. مشيت ومسيرة كتائب العز القسامية، كَبُرت معها وشبّت معك، تؤهل مقاوماً هنا، وتحمل شهيداً هناك، وتخفف عن جريح وتناضل لأجل أسير وترعى الأرامل وترحم الأيتام, حملت خريطة الجهاد في تقاسيم كفّيك، فرسمتها بإتقانٍ، وشهد لك فيها العدو قبل الصديق.
ميلاد فارس
كان يوماً من أيام الشتاء حين أحست رفح بدفء كبير وهي تستبشر بقدوم بطل ملأها حباً وعطفاً وحناناً ونصرة للمستضعفين فيها من أبناء شعب الرباط المجلودين بسياط الحقد الصهيوني, ففي الثاني من شهر ديسمبر من العام 1969م كان ميلاد بطلنا القائد "نافذ كامل منصور" لعائلة فلسطينية أصيلة تعود جذورها لبلدة القسطينة المحتلة عام 1948م, وله 16 من الأشقاء والشقيقات أنجبهم والده الحاج "كامل" وزرع فيهم بذرة الحنين لبلادهم المسلوبة علهم يكونوا نواة جيش العودة إلى الديار المسلوبة بإذن الله تعالى.
نشأته وحياته
كانت نشأته في بيت كريم محافظ, اتخذ من مخيم الشابورة للاجئين في رفح مكاناً مؤقتاً للسكن حتى العودة, وترعرع شهيدنا بين أزقة هذا المخيم الصامد المعطاء, وعانى ما عانى كغيره من أطفال فلسطين الذين تجرعوا مأساة اللجوء كأساً مراً علمهم معاني التمرد على وقهر وتعسف المحتلين الأنذال.
وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الغوث في رفح, ثم انتقل لتلقي التعليم المهني وأنهى تعليمه من مدرسة الصناعة التابعة لوكالة الغوث في قسم ميكانيكا السيارات.
ثم عمل في مجال إصلاح السيارات, وعمل في قطاع البناء داخل أرضنا المحتلة لعدة سنوات, وقد تزوج في العام 1988م وله ثلاثة أبناء وابنتين ورحل عن الدنيا وزوجته حامل بابن جديد لم يكتب له أن يرى وجه أبيه الشهيد قبل ميلاده بشهر.
بين أحضان جماعة الأخوان تربى
لقد كانت تربيته رحمه الله منذ صغره إسلامية صافية وأول عهده كان بالمساجد وبالأخص في مسجد العودة وسط رفح, ومن هناك كانت انطلاقة هذا البطل, فتجده بين حلقات القران الكريم وجلسات الذكر وبين الشباب المسلم في أسرهم الإخوانية, وعظمت في نفسه معاني التضحية والفداء, وكان لشقيقه الشهيد "تيسير" ابن الحركة الإسلامية الأثر الكبير على صقل شخصيته الإسلامية,وقد توفي "تيسير" بعد مرض ألم به داخل زنازين العدو في سجن النقب وأفرج عنه الصهاينة قبل انتهاء محكوميته بعد أن عرفوا انه لا أمل بنجاته من المرض.
وأكثر ما كان معروفاً به هو حبه لخدمة الناس وبالأخص كان يساهم في إعمار بيوت الأسرى والشهداء بجهده دون مقابل لوجه الله تعالى .
التفاني الكبير في العمل الخيري
فقد كان شهيدنا المعطاء كتلة من النشاط والعمل المتواصل حتى ترك بصمات عميقة في ميدان العمل الخيري.
فهو رحمه الله أحد مؤسسي فرع رفح التابع لجمعية الصلاح الإسلامية في العام 1993م والتي عمل ابتدأ فيها متطوعاً لأكثر من عام بكل ما أوتي من جهد.
ثم عمل مديراً للجمعية يخدم الأيتام والأرامل والأسر المحتاجة والطلاب الفقراء والمرضى, وكان يرعى رياض الأطفال ومراكز تحفيظ القرآن الكريم, وكان نعم المخلص فيها ولا يألو جهداً في مساعدة المحتاجين ورسم البسمة على شفاه الأيتام والمحرومين.
كما قام بإدارة ورعاية الكثير من المشاريع الضخمة خصوصاً مشاريع إعادة إعمار البيوت المهدمة على الجدار الحدودي وإسكان العائلات المشردة بفعل عمليات الهدم التي كانت تتم بالجملة من قبل الاحتلال, وكفالة آلاف من الأيتام وأسر الشهداء والأسرى والفقراء.
ويملك رحمه الله علاقات واسعة بالجمعيات والمؤسسات الخيرية في قطاع غزة وفي أرضنا المحتلة عام 1948م والخارج.
وكان رحمه الله يقضي جل وقته من اجل أن يؤدى عمله الخيري ويغيب عن أسرته بالأيام ويتحمل ذل الحواجز وينسى التعب من أجل خدمة مستضعفي أبناء وطنه.
انضمام مبكر للعمل الجهادي
فقد انضم أبو هاني للعمل الجهادي منذ بداياته مع انطلاقة العمل العسكري للحركة الإسلامية, وكان رحمه الله يصول ويجول في المواجهات التي شبت في مخيم الشابورة خلال الانتفاضة الأولى وله الكثير من المواقف الشجاعة والبطولية فيها.
وكان أحد الأفراد الأوائل في مجموعات الصاعقة الإسلامية والتي كانت تحارب البضائع الصهيونية وأشكال الفساد وتراقب مروجي المخدرات ومتعاطيها لتقوم بردعهم عنها, ثم انضم رحمه الله إلى جهاز الأمن" مجد" الذي شكلته حركة المقاومة الإسلامية حماس من أجل محاربة العملاء وردعهم والتحقيق معهم ومعاقبة المجرمين منهم بحق أبناء شعبنا, وكان في هذا العمل جريئاً معطاءً لا يخاف في الله لومة لائم ويستشعر خوف الله فيه.
وكان له الشرف الكبير بكونه واحد من أكثر الناس الذين آووا المجاهدين المطاردين من قبل الاحتلال فقد كان يتكفل بإخفائهم ورعاية شئونهم وتقديم الخدمات لهم والمعونة اللازمة في تأمين تحركاتهم والحرص على أمنهم من غدر العملاء وعيون الاحتلال.
حورب من أبناء جلدتنا
ومع قدوم السلطة تعرض رحمه الله للاعتقال والإهانات والتهديدات منها فقد داهمت قوات من جهاز المخابرات التابعة للسلطة مقر جمعية الصلاح برفح أثناء عمله فيه وقامت باعتقاله مع عدد من الأخوة لمدة 4 أشهر ضمن الحملة المسعورة بتحريض من الصهاينة ضد الجمعيات والمؤسسات التابعة لحركة حماس التي قادها "غازي الجبالي" أحد كبار رجالات سلطة أوسلو.
أحد قيادات القسام الأبطال
ومع بدايات انتفاضة الأقصى المباركة في العام 2000م كان الاستئناف القوي للعمل الجهادي لحركة حماس, ومعها كان النشاط الجهادي المحموم لشهيدنا البطل "نافذ منصور", وقد امتلك من الصفات والخبرات التي أهلته أن يكون أحد أبرز قيادات كتائب الشهيد عز الدين القسام في رفح, وحمله أخوانه المجاهدين مسئولية تسليح القسام في رفح, وأبدع في هذا المجال بشكل كبير وكانت تجربته ريادية فيه, حيث استطاع إدارة عمله بمهنية فائقة فلديه العقل المدبر والتفكير الإبداعي في الإدارة, وله من الجدارة والتفاني ما منح كتائب القسام في رفح نقلة نوعية جبارة أذهل الصهاينة في قوة الضربات التي تلقاها جنود الاحتلال, فقد كان مسئولاً عن تجهيز وإمداد كل عمل جهادي وقع في رفح بالعتاد والسلاح والتجهيز المطلوب على أعلى مستوى, وتشهد له كل عمليات الأنفاق والاقتحامات للمغتصبات والقصف وإطلاق النار بأن له يد فيها جميعاً.
آن للجسد المتعب أن يستريح
لطالما كان القائد " نافذ منصور" " أبو هاني " يسعى للشهادة وعمله الجهادي العملاق يدلل على ذلك, ولولا جهده اللا محدود وبطولته في صب نار جهنم على الصهاينة لما اغتاظوا منه, ولشدة قهر الصهاينة من أدائه في الميدان كان مراقباً بشدة.
كانت طائرات التجسس تحوم فوقه منتظرة اللحظة الحاسمة للقضاء عليه، تلك اللحظة التي طالما أحبها "أبو هاني", إنها اللحظة التي سيستقل بها الصاروخ الحاقد الذي أسقط عليه نحو الجنة.
كان ذلك الموعد في صباح اليوم الأول من مايو من العام2008م اليوم الذي يحتفل فيه كل عمال العالم بطريقتهم للمطالبة بحقوقهم, أما شهيدنا الذي أمضى سنين عمره كادحاً كونه ينتمي لهذه الطبقة العاملة, ليحتفل هو بطريقته بهذا العيد وهو الذي أفنى حياته خدمة لحقوق الكادحين والبسطاء, وسقط الجسد العملاق مضرجاً بدمائه الطاهرة.
سقط بعد أن قدم وقدم في سبيل الله,وتيتم الأيتام من بعده مجددأ وكم كان الحزن في وجوههم عميقاً, كم كانت الصدمة بادية على الأرامل, وافتقده كل الفقراء والمساكين الذين ساروا في جنازته يدعون المنتقم الجبار أن ينتقم من المجرمين الصهاينة الذين اغتالوه.
غادر أبو هاني دنيانا إلى حيث مقره الدائم في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء بعون الله القهار, ليعلو رحاب الوجود بعد أن ذكر الله تعالى في عمله فذكره تعالى في قضائه فهنيئاً للثرى الذي لف جسده الطاهر، وعاشت ذكراه خالدة لأنه خاض التحدي المفروض بكل قوة ..فنال رضوان الله .