الشهيد القسامي / محمد موسى أحمد الأسطل
ضرب أروع الأمثلة في التضحية والإيثار
القسام - خاص :
في الخامس عشر من نوفمبر من العام 1984م، كانت خانيونس على موعدٍ مع ميلادِ نورٍ جديد، نورٌ نذر حياته ليضئ من بين حلكة المعاناة نبراسًا للوصول.
نخط اليوم بمداد الفخر سيرة الشهيد القسامي البطل محمد موسى أحمد الأسطل "أبو عبد الله".
نشأة الشهيد
نشأ شهيدنا المجاهد في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، لعائلةٍ عُرفت بالتزامها الديني وخُلقها الرفيع؛ فوالده كان مثله الطيب في الالتزام بصلاة الجماعة، لتتشكل شخصية محمد الدينية والتنظيمية بين جنبات مسجد خالد بن الوليد، فلم يكن يتغيب عن ندوة أو درس ديني أو زيارة مسجدية، كما كُلف ذات مرة بالمسؤولية عن اللجنة الرياضية في مسجده.
كما حياته وكذا ارتقاؤه.. كانت طفولة محمد مختلفة عن أقرانه؛ فقد تميز بالتزامه وهدوئه، لم تعرف بذاءة اللسان إليه طريقًا، وابتعدت عنه عشوائية الطفولة، لتكون كل حركاته وسكناته شاهدةً على ميلادِ شأنٍ عظيم سيرافقه أبد حياته.
تعليم الشهيد
تدرج شهيدنا بين مقاعد مدرسة عبد القادر الأساسية، مظهرًا ذكاءً عقليًا ميزه عن أقرانه، ورافعًا لواء الخلق الطيب والسِمت الحسن، زارعًا محبته في قلوب زملائه، بينما لم تسعفه الحياة ليلتحق بالدراسة الجامعية.
عُرف بحرصه على برّ والديه، ولين جانبه مع إخوانه وتقديم حاجاتهم على نفسه، كانت خصال محمد كفيلةً بأن تحجز له مقعدًا ساميًا بين النجوم.. ناطحَ الجوزاء لا بل أرفع!
في درب الدعوة والجهاد
ووجد في حركة المقاومة الإسلامية حماس الغاية المنشودة، فتبنى فكرها، وتشبّع بمبادئها، حتى كان انتماؤه لها عقب الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة في العام 2005م.
لم يفتأ محمد يقدم كل ما أوتي من قوة في سبيل خدمة هذا الدين، ونصرة الحركة التي آمن بفكرها، حتى عُرف بعطائه اللامحدود والذي كان على حساب صحته وحياته الشخصية.
آمن محمد أن الإنسان ما خلق عبثًا، وأن المجد لا يؤتى بالركون إلى الراحة واستعذاب الملذات، فأسرج همته وعقد النيّة، وبشهادةٍ تمنى المنيّة.
في صفوف القسام
وفي سبيل تحقيق ذلك كان انضمام شهيدنا المجاهد لكتائب الشهيد عز الدين القسام، مبايعًا إخوانه على السمع والطاعة، واهبًا حياته في سبيل الله، وقد كان ذلك في العام 2008م، بعد إصرار منه على قيادة الدعوة للالتحاق بركب مجاهدي الكتائب.
أظهر محمد منذ غُرَّة انضمامه للقسام نشاطًا لا يهدأ، وعزمًا لا يفتأ، لقد كان شعلةً من العمل هيهات مع إيمانه العميق أن تخمَد!
عمل شهيدنا البطل في حفر الأنفاق لفترة طويلة، ولم يكن يثنيه عن ذلك إعياءٌ أو انشغال، بل كان ذلك جُلَّ شُغُله ومَناط هَمِّه، لم يكن يبالي بأي إصابة عارضة أثناء عمله؛ فالنور المنبعث من جنبات روحه منيرًا له عتمة النفق كان كفيلًا بأن يُنسيه كل متاعبه وأوجاعه.
ولعلنا نذكر في هذا المقام أحد المواقف التي حصلت مع شهيدنا محمد أثناء عمله في أحد الأنفاق، حيث كُسرت قدمه ليستأنف بعد أيام قليلة فقط عمله بالحفر، غير آبهٍ بشيء سوى مصلحة العمل، ضاربًا أروع الأمثلة في التضحية والإيثار.
لقد كان مخلصًا أيَّما إخلاص، متقنًا لعمله، خاصة في مجال الأنفاق، صادق الوعد، أمينًا، هادئ السمت، كثير الصمت.
كان يواصل عمله الليل بالنهار، حتى يغادر الجَمعُ ويبقى بمفرده يتفقد ويُعد ويجهز.
لم يكن انشغاله الشديد في مجال عمله في الأنفاق يجعله يغفل عن الرباط، بل كان يحرص عليه متقدمًا الصفوف.
شارك محمد في العديد من الدورات العسكرية، والتي كان أبرزها دورة مشاة ودورة تخصص دروع .
شارك شهيدنا في معركة الفرقان إلى جانب إخوانه المجاهدين، وفي معركة العصف المأكول تولى قيادة إحدى المجموعات القسامية عقب استشهاد أميره القسامي محمد عمران الأسطل، فكان خير خلف لخير سلف، وكان له دور بارز في المعركة حيث أُسندتْ إليه مهام لا تُركن إلا لصفوة المجاهدين.
هكذا أفنى محمد ما كُتب له أن يعيش من سِنيّ حياته الدنيا، حافزاً اسمه في سجل العظماء، ليكون يوم الخميس الثالث من آذار من العام 2016م، موعده مع التتويج نحو الجنان.
موعد الشهادة
فبعد أن أتم زيارة له إلى المستشفى بسبب مرض في يده، عاد ليعمل في الأنفاق عاضًا على كل أوجاعه، مما حدا بإخوانه أن يلحوا عليه بالعودة إلى المنزل كي ينال جسده نصيبه من الراحة، إلا أنه رفض ذلك وأصرَّ على إتمام عمله، لتكون المكافأة مجزية، والكرم الرباني مغدقاً.
عاجَل محمد الدقائق كي ينال ما أُعد له من نعيم، فارتقى رحمه الله في حادث عرضي خلال عمله في النفق، حيث المكان الذي أحب، والترب الذي رواه بعرق جبينه، حافرًا كل الصعاب في سبيل الوصول.
ارتقى محمد إلى السماء تاركًا خلفه إرثًا عظيمًا من إخوان مجاهدين لا يكلُّون ولا يعرف النَصبُ أو اليأس إليهم طريقًا، غارسًا سيرته الطيبة في قلوب من حوله، وكأنه كان يستشعر قرب الاصطفاء.
أُكرم شهيدنا المجاهد ببياضٍ فريد تزيّن به محياه بعد استشهاده، نورٌ لم يكن أبدًا في حياته، بل هي بُشرى القبول وشارةُ الظفر، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.
رحل محمد بعد أن خضب الأرض بعرق جسده أثناء عمله بأنفاق العزة والكرامة، وما إن لاحت لحظة الشهادة خضب محمد الأرض بدمه لينير لمن خلفه دروب النصر والتحرير.
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
بيان عسكري صادر عن :
... ::: كتائب الشهيد عز الدين القسام ::: ...
كتائب القسام تزف المجاهد محمد الأسطل الذي ارتقى أثناء عمله بأحد أنفاق المقاومة
على طريق ذات الشوكة يمضي مجاهدو القسام الأبطال، لا يعرفون للراحة أو القعود سبيلاً، فصمتهم ما هو إلا جهادٌ وإعدادٌ لطالما رأى العدو والصديق ثمرته في ساحات النزال، فمن التدريب إلى التصنيع إلى حفر أنفاق العزة والكرامة إلى المرابطة على ثغور الوطن، سلسلةٌ جهاديةٌ يشد بعضها بعضاً، وشبابٌ مؤمنٌ نذر نفسه لله مضحياً بكل غالٍ ونفيس، يحفر في الصخر رغم الحصار والتضييق وتخلي البعيد والقريب، يحدوه وعد الآخرة الذي هو آتٍ لا محالة يوم يسوء مجاهدونا وجوه الصهاينة بإذن الله، ويطردونهم من أرض الإسراء أذلةً وهم صاغرون.
وقد ارتقى على درب الجهاد والمقاومة وفي ميدان الشرف والعزة أحد مجاهدي كتائب القسام الأبطال:
الشهيد القسامي المجاهد/ محمد موسى الأسطل
(31 عاماً) من مسجد "حنين" بخانيونس
حيث لقي ربه شهيداً –بإذن الله تعالى- اليوم الخميس 23 جمادى الأولى 1437هـ الموافق 03/03/2016م جراء حادث عرضي أثناء عمله في أحد أنفاق المقاومة، ليغادر دنيانا وما غيّر أو بدّل ولا تخاذل أو تقاعس، بل نذر نفسه لله مجاهداً حتى لقي الله على ذلك، نحسبه من الشهداء والله حسيبه ولا نزكيه على الله.
ونسأل الله تعالى أن يتقبله ويسكنه فسيح جناته، وأن يجعل جهاده خالصاً لوجهه الكريم، وأن يصبّر أهله وأحبابه ويحسن عزاءهم، وستبقى دماء شهدائنا نبراساً في طريق تحرير فلسطين وناراً تحرق المحتلين حتى يندحروا عن أرضنا بإذن الله.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
الخميس 23 جمادى الأولى 1437هـ
الموافق 03/03/2016م