الشهيد القسامي/ عمار محارب حسنين
قلبٌ معلقٌ بالجهاد، وروحٌ لا تخشى إلا الله!
القسام - خاص :
هناك رجال لا يتركون التاريخ يصنعهم، فهم الذين يصنعون التاريخ وبدمائهم يسطرون للدنيا أروع صفحات المجد والبطولة والفداء والبذل في سبيل الله، رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع ولا دنيا عن ذكر الله وإقامة شرعه والمضي قدماً في رفع راية الجهاد في سبيله، رجالٌ لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يعطون في دين الله الدنية.
فتهب نفحات الإيمان فيتنسم عبيرها الرجال، ويصفو لقلوبهم هدف نيل رضا مولاهم، فتسعى الأقدام تعشق الغبار في سبيل الله، وتذهب عن الأجساد لذة الرقاد فلا ترتاح إلا بتوسد الإستبرق، بل ويعلنون الحرب على الأهواء والشهوات رغبة بانطلاقها في جنة عرضها الأرض والسماوات، الشهيد المجاهد "عمار محارب حسنين" رجل أعد الزاد ومضى راكباً في قافلة الدعاة المجاهدين، وبدت حياته مسافراً مرتحلاً حتى ترجل فارساً وارتقى مع الخالدين فكان الابتداء طيباً والمسير مباركاً والختام معطراً ونعم السبيل المستقيم.
الميلاد والنشأة
لأسرةٍ ليست من الأسرِ الصغيرة، ولدَ شهيدنا عمّار بتاريخ 1/2/1977م، في حيّ الشجاعيّةِ بمدينةِ غزة، لكنّ هذه الأسرةِ لم يلهها عددُ أفرادِها البالغِ ثمانيةِ عشر عن التّربيةِ الإسلاميّةِ والرّعاية للأبناء، وقد تمسّك عمّار منذ طفولتِه بهذهِ التربيةِ القائمةِ على حسن الخلقِ والصّلاةِ والالتزامِ بحلقاتِ التّحفيظِ والذّكر، فكان ذكيّاً مرِحاً ما إن يدخل البيت غمرَه بالسّعادةِ العارِمة.
أحبّ أشقاءَه كلّهم ولكنّه أحبّ والديهِ بشكلٍ أخصّ، يهتمّ بهم ويسعى لإرضائِهم عنه في الدّنيا والآخرة، ويلبّي كلّ ما يطلبانِه منه، فالعلاقةُ بهم إذن كانت علاقةٌ حميمةٌ مفعمةٌ بالحبّ والمودّةِ والقرب، يساعدُهم تارةً ويرشدُهم تجاه الأشياءِ الصّحيحةِ تارةً أخرى، كما أنه كان يحثّهم ويوصيهم بالصّلاةِ والالتزام، فتراه يوصي أهلَه بإيقاظِه لصلاةِ الفجر، وحين يذهبوا ليوقظوه يروه مستيقظاً يصلّي، فيعلمون أن ذلك لم يكن إلّا ليجبرَهم على الاستيقاظِ لصلاةِ الفجر.
جمعت شخصيّةُ عمّار بين الجرأةِ والشجاعةِ من جهة، والودّ والعطفِ من جهةٍ أخرى، ممّا جعلَ أقرباءَه وجيرانَه يجمعون هم أيضاً بين مشاعرِ الهيبةِ والاحترامِ، وبين الحبّ الخالصِ تجاهه، فيساعدهم إن احتاجوه، وينصرُهم إن استُضعِفوا، لذا فهم يقولون أن شهادته تركتْ مساحةً واسعةً كان يملؤها عمّار رحمه الله.
إنّ شخصيّته الإيجابيّة تلك، جعلته محبوباً بالنّسبةِ للجميع، فكانَ لعائلتِه ذاتِ الأصل الطّيبِ دورٌ هامٌ في ذلك، وفي دفعِه للمسجدِ وحثّه وتحريضِه ليلتزمَ بما شرّع الله، فتعلّقَ بالمسجد، وأصبحَ الذّهابُ للمسجدِ من أجلِ الصّلاةِ وحضورِ النّدواتِ وحلقاتِ التحفيظِ جزءاً من برنامَجِه اليوميّ.
فارسٌ في ركبِ الدّعوةِ
التحقَ عمّار رحمه الله بالمدرسةِ ودرسَ المرحلةَ الابتدائيّةَ متعالياً بذلك هو وعائلتُه على الظّروفِ القاسيةِ جدّاً التي كانت آنذاك، ولكنّه نتيجةً لذلك وللأوضاعِ السّياسيّةِ وضغوطِ الاحتلالِ على طلبةِ المدارسِ جعلته يتركُ المدرسةَ وهو في المرحلةِ الاعداديّة، لكنّ الزملاءَ وأهلَ الحيِّ يشيدونَ بعلاقتِه الحسنةِ معهم وبذكائِه وانتباهه، وبأنّه يجدّ لإرضاءِ الجميعِ عليه بعد الله سبحانه وتعالى.
وبعدَ أن كبر عمّار وكبُرت معه تكاليفُ الحياة؛ عمِل في العديد من الأعمالِ كمصدرٍ لتحصيلِ المال، لكنّ عمله في مستشفى دار الوفاءِ للمسنّين كانت آخرُ الأعمالِ التي يزاولها، فكانَ أميناً في عملِه يقدّم ما لا يطلبُ منه وما هو ليسَ من مهامِّه، فكانت ابتسامتُه الوديعةُ تشدّ الناس إليه وتعلّقُهم به، كما أن أسلوبَه الطّيب كان يشجّعُ النّاس على الانضمامِ لذاتِ القافلةِ التي انضمّ لها عمّار، ألا وهيَ قافلةُ الإسلامِ العظيمِ والدّعوةِ المباركة, ولم يمضِ ذلك الوقتُ الطّويلُ عليه حتى أكّدّ لإخوانِه فعلياً أنه على قدرةٍ بأن يحملَ أمانةَ الدّعوة، حتى تبنّوه في صفوفِها عام 1993م، ليكونَ جنديّاً لا يعرفُ سبلَ الخوف، إذ كان من الذين عمِلوا من أجلِ الحقِّ ونشرِ الإسلامِ في ربوعِ العالم.
بدأَ عمّار رحلتَه في العطاءِ والاحتساب، فكانَ يكتبُ الشعاراتِ على الجدران، ويوزّع البياناتِ والمنشوراتِ التي توضّحُ موقفَ الحركةِ من السّياسات الجديدة، ومشاركةِ إخوانِه في الاشتباكاتِ اليوميّةِ مع قوّاتِ الاحتلال.
مقاتلٌ لا يعرفُ الخوف لقلبه سبيلاً
كان عمّار يعملُ ضمن وحداتِ الفدائيين والمقاتلين، منذ التحاقِه في الحركةِ الإسلاميّةِ عام 1993م، وبعدَ انضمامِه لمجموعةِ المقاومينَ القساميين، كان رحمه الله من المتفرّدين في مقاومةِ الاحتلالِ وصدّه والانتقامِ للمسجدِ الأقصى والحرمِ الإبراهيمي، حيثُ لم يدع ساحةً إلّا ويتقدّمها للمقاومةِ والدّفاع، وفي غمرةِ تلك الأحداثِ وقبلِها وبعدِها كان عمّار شعلةً من الحيويّةِ والانطلاق، لا يؤثّرُ في التهابِه ضدّ الاحتلالِ شيءٌ نذكرُه، ولا يقصّرُ في أيِّ أمرٍ يتلقّاه، يواجِه المحتلّ عن مسافاتٍ محدودةٍ جدّاً، وبعدَ أن كان نِعمَ الجنديّ الدءوب، تمّ التّنسيق له من قبلِ إخوانِه ليخرجَ في عمليّةٍ استشهاديّة، وهي عمليةُ طيبة التي استُشهدَ بها.
امتلكَ عمّار قلباً جريئاً فولاذيّاً يندفعُ للحقِّ دون جهدٍ من أحد، فكانَ يتحدّى إخوانِه أيّهم يستطيع الوصولَ لأقربِ نقطةٍ من الأعداء، وكان هو من يصل، فاتّسمَ بالشّجاعةِ والرّجولةِ والجرأةِ وحبّ الدين والتّواضع.
بطلُ المواجهات... شهيداً
تعجّبت والدتُه كثيراً حينما سألته إلى أين أنت ذاهب، فقالَ لها أنّه ذاهبٌ في رحلةٍ للكشّافة على المناطقِ الجنوبيّة، إذ إنّه لا يحبّ في العادة المبيتَ خارجَ المنزل، وحضنَ أمّه وطلبَ منها أن توزّع بعضَ النّقودِ على أبناءِ أشقّائِه، ممّا جعلَها تشعرُ باستغرابٍ كأنّ شيئاً ما سيحدث، وبعد فترةٍ سمعت عائلتُه الكريمة نبأَ استِشهادِه، خلالَ عمليّةٍ نفّذها داخلَ الخطّ الأخضر هو ومجموعةٌ من إخوانِه المجاهدين القسّاميين، وذلك في تاريخِ 2/3/2000م، كما نجا بقية المجاهدين بفضل الله عز وجل.