الشهيد القسامي /صلاح الدين أحمد سعود الغوطي
حبّ ُالجهاد سكن بين جنباته
القسام - خاص :
تقف الكلمات حائرة أمام صمت الهدوء وهيبته , ترتل حروفها بالشفاه الباسمة وهي تزين ثغرك كإشراق الصباح وروعته , صُبغت بحمرة الحياء تكسو وجهك ومدادها أشواق الفؤاد ولوعته.
أيا صلاحاً في سماء الأخلاق سموت نجماً , تنير الحياة تواضعاً وأدباً جمّاً , أسرت قلوباً بروحك الصافية فتفطّرت لأفولك أدمعا , وملكت نفوساً بوجدانك النقيّ فرثاك الوجود فقداً وتلهفا , فلكم أنت صلاح..!
أبا عمر.. إلى منازل الشهداء تعجّلت الأشواق , ونحو الخلود تسارعت الأمنيات , فتدفقت الدماء مهراً وارتوى الترب بمداد النصر والتمكين والمكرمات.
نشأة صلاح ومسيرة حياته
في الثالث من ديسمبر لعام 1993م كانت عائلة الغوطي على موعد مع استقبال سادس أبنائها لتغمر قلب والديه وتعمّ الأفراح أرجاء البيت المتواضع , ليكون "صلاح" وترسم حروف اسمه شخصيته في مسيره حياته , أينما حلّ يحمل الخير والصلاح , خادماً نافعاً لأهله وإخوانه يبعث عليهم البِشْر والأفراح.
تربّى صلاح منذ نعومة أظفاره على تعاليم الإسلام الحنيف وأخلاقه السامية في بيتٍ متواضع في مخيم "بربرة" وسط مدينة رفح عُرف بالتزامه ومحافظته مما كان له أثر كبير في حياة "صلاح" وانعكس في حياته التزاماً وحباً لدينه وعقيدته.
وتعود جذوره إلى بلدة "هوج" التي هاجر منها أهلها ظلماً عام 1984م , ليكبُر في ذلك القلب حبّ أرضه ووطنه وتكبر معه آمال العودة والتحرير.
درس شهيدنا المجاهد المرحلة الابتدائية في مدرسة "ز" والإعدادية في مدرسة "ج" متميزاً بأخلاقه العالية وتربيته الحسنة , وأكمل دراسته الثانوية في مدرسة "بئر السبع" , وهو في كل مراحله دائب النشاط والعمل يستولي على همّه حب الهداية والخير لإخوانه الطلاب يملك قلوبهم بسلوكه الراقي.
التحق صلاح بجامعة الأقصى ليدرس"اللغة العربية" في كلية التربية تحدوه آماله أن يتخرج منها حاثّا خطاه في طلب العلم , ولكنه لم يكمل منها إلا ثلاث سنوات فكانت أمنيات الآخرة أسبق وتخرّج الشهادة في سبيل الله ألحق , وآثرته السماء لتحتفل به في مهرجانها.
سمو الروح وساحة الدعوة
امتلأ القلب بحبّ ربه , وسمت الروح في محراب الطاعة ومعراج العبادة , تتحدث عن أشواقها الساكنة بين جنباتها , فكان للبيت الملتزم والمحب لدينه التأثير الكبير في حياة صلاح واتصاله بخالقه , فمنذ صغره كان المسجد وجهته تربّى بين جنبات مسجد "الأبرار" على موائد القرآن وحلقات العلم.
تسابق أبو عمر إلى الصف الأول في صلواته معتجلاً إلى الثواب والأجر , يحثّ إخوانه على صلاة الفجر وصيام النوافل كما كان هو محافظاً على صيام الاثنين والخميس يدلهم على الخير الذي عاشه في قلبه واستشعر لذته , وكان دائم الزيارة للمقبرة يسكب فيها عبراته ويصبغ قلبه بالآخرة والإعداد لأول منازلها.
انضم شهيدنا لحركة المقاومة الإسلامية حماس منذ منشئه وشارك في كافة أنشطتها وفعالياتها بهمة كبيرة ونشاطٍ مشهود في العمل الدعوي والمسجديّ والعمل الجماهيري , كما وبايع كأخ جماعة الإخوان المسلمين ملتزماً في نهجها ودعوتها.
ملك حبُّ العمل الطلابي جنانَ صلاح فنشط في الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي لحركة "حماس" وتلقى مسئولية متابعة منطقته في العمل الكتلي للمرحلة الجامعية صاباً جلّ اهتمامه في خدمة إخوانه الطلاب ومساعدتهم , ومما يذكر إخوانه أنه كان يحاول أن يشكل هيئة طلابية لخدمة الطلاب داخل الجامعة , وكذلك شارك في مخيم مغلق للكتلة الإسلامية قبل معركة "العصف المأكول" بفترة قصيرة.
تميز صلاح بحضور الدروس الدينية وجلسات العلم متنقلاً بين المساجد المحيطة به , ومما يروي إخوانه أنه كان لا يفوته مجلس علم أو درس ديني حتى إلى وقت استشهاده كان ملتزماً في إحدى حلقات تحفيظ القرآن الكريم , يزكي فيها نفسه وينمي إيمانه ويرتع فيها فؤاده كأنّها رياض جنة الدنيا ليتبوأ مقعد الصدق في رياض الآخرة.
الابن البار
وقفت هنا الحروف عاجزة عن إدراك برّه بوالديه , وصمتت الأقلام حائرة في مداد عطائه لأهله , واحتارت الريشة أن ترسم عذوبة الروح وأخلاق النور المنبعثة من صفاء الوجدان , لتلامس شغاف القلوب فيأسرها حبه ويتملّكها قربه.
كانت ابتسامة محيّاه دائمة , يمازجها مزاحٌ وكأنه نسيمٌ عليلٌ يداعب الأفئدة , وتخالطها أدب يكسوه الحياء حمرة , فنال مكانة عالية لدى والديه وأهل بيته , يعامل والده معاملة جميلة جداً كما عبّر , ويخدم والدته أيما خدمة وكأنه مرتكز البيت والقائم فيه مما ترك لوعة كبيرة في قلبها بعد استشهاده وفراقه.
لا نبالغ إن قلنا أنّ "صلاح" ملك نفساً خدومة لأهله وبارة بهم لم يملكها إلا القليلون , ومن العجيب أنه دائم التواصل مع أخواته يخرج معهنّ في رحلاتهم العائلية مع أبنائهم إلى أن يعودوا إلى بيوتهن , وكذلك يخرج معهنّ ليشتري لهنّ حاجاتهم وأغراضهم , وكان دائم الزيارة لهنّ ولأرحامه تكاد تكون يومية , وكما عبّر أحد إخوانه بقوله:" ما عمره قال لأحد : لا " , يطرق بذلك أبواب الجنة ويسابق نحو رضى مولاه برضى والديه , ويكتب له بذلك أثراً جميلاً بعد موته محققاً وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ".
أخلاق الرجال والشهداء
ما أروع تلك الابتسامة والأخلاق العالية والنفس السامية التي تجلت في أحد المواقف التي يذكرها أحد أصدقائه :" أن أحد الشباب في الجامعة خلال حديثه مع صلاح أخذ يشتمه ويسيء إليه , فبقي ساكتاً ولم يتكلم معه كلمة , وامتص غضبه وابتسم , وبعد ذلك سامحه وكأنه لم يكن شيء" , لينال بذلك صفات الرجال الأشداء الذين يملكون أنفسهم عند الغضب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.
غمر أبو عمر بمعاملته الطيبة وأخلاقه الحسنة أيضاً إخوانه وأصدقائه , يبادر في خدمتهم ومساعدتهم رغم انشغاله وينظم وقته من أجل زيارتهم , وتميّز بتقديم النصيحة لهم بقلبٍّ يحبُّ الخير والصلاح , وكذلك لم تغب هذه الأخلاق عن جيرانه وأهل حيّه يشهدون له بها فأحبوه , هبة من الله يمنحها الله من أحب , فيضع له في قلوب الناس مكانا.
في حقل الجهاد
حبّ ُالجهاد الذي سكن بين جنبات "صلاح" واستقر في وجدانه جعله يسابق لينضم إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام ليكون في عام 2011م أحد مجاهديها في كتيبة الصحابي الجليل "خالد بن الوليد" , متميزاً في التزامه وكتمانه الشديدين , فخاض عدة دورات عسكرية واختاره إخوانه ليتخصص في "الهندسة" بسبب تميزه وإبداعه ومما يذكر أنه كان يتحصل على أعلى درجات في اختبارات تخصصه , وارتقى ليكون أحد مجاهدي وحدة "الإسناد" في سريته.
حرص شهيدنا على الرباط في سبيل الله , وتطوع ليعمل في حفر الأنفاق القسامة استعداداً للمواجهة ليذيق الصهاينة ويل جحيمها , وشارك في تجهيز أحد الأماكن التدريبية لمجاهدي كتيبته , وظلّ في معركة "حجارة السجيل" مرابطاً في ثغره مستعداً لأي مواجهة مع أعداء الله.
في معركة "العصف المأكول" الأخيرة على قطاع غزة كان أبو عمر في كامل جهوزيته في مكانه الدفاعيّ وعلى أهبة الاستعداد لأي مهمة توكل إليه , يتابع الوضع الأمني في منطقته من غدر العملاء والجواسيس.
يوم استشهاده مرّ من أمام منزله ووجد أبناء عمه وأقاربه فقال لهم: في آل الغوطي لا يوجد أحد استشهد.! , فقال له أحدهم: كان أنت سبع استشهد , فقال له:"إن شاء الله سأستشهد" , وكأن هذا الحديث قبل استشهاده بساعات هو رسائل الأشواق وكلمات البشريات وحديث الأتواق إلى أفراحها وحبورها:
ذلك شهيدٌ في علاه ... أسمع الدنيا صداه
هيا سيروا في خطاي ... فالجنان كانت مناه
موعد الشهادة
كانت قصص الشهداء ومنازلهم , والجنة ونعيمها هي آخر أحاديث "صلاح" مع أصدقائه ليلة يوم الثلاثاء 5/8/2014م في لقاء أخوي ممزوج بالمزاح والبسمات بعد أداء فريضة العشاء , وودّع صلاح أحد أصدقائه وداعاً أخيراً فباغتته طائرات الاستطلاع الصهيونية وهو عائدٌ إلى بيته بصاروخٍ غادر اُستشهد على إثرها على الفور , لترتوي الأرض بمداد النصر والتمكين وبدماء الشهداء.
موقف صعب على شقيق صلاح الأكبر عندما كان يعمل في المستشفى فتفاجأ بوصول أخيه إليها دون علمه أنه قد استشهد , وأمام صبر هذه العائلة واحتسابها قال شقيقه:"الحزن والبكاء للفراق , وهذا قدرنا ونرضى بقضاء الله وقدره , وهكذا تربينا في بيتنا ومساجدنا , ومستعدون أن نقدم أنفسنا وأرواحنا من أجل ديننا وتحرير أرضنا".
كان الجسد الطاهر ينزف دماً عندما سُجي في قبره , ورآه أحد أصدقائه في منامه وقال:"رأيته في المسجد يضحك بشكل كبير جداً" , في حكاية تروي منزلة الشهداء عند ربهم "لهم أجرهم ونورهم" , وتحكي عن مكانتهم ونعيمهم :"فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من حلفهم".
إلى جنّة الله زفّوا الشـهــيد وحيّوا الشهيد بأغلى نشيد
إلى المجد قد سار في همة فنال الأبيُّ جنان المجيد
لدى الله حيٌّ ولا لم يمت بجانب حور الجنان سعيد
ترجل البطل الهمام , في رحيلٍ بهيٍّ ربحته فيه السماء , يزيّن الوجود أخلاقاً وتواضعاً وأدباً وحياء.
رحمك الله أبا عمر ابناً محباً باراً , وأخاً نقيّ الفؤاد خلوقاً , ومجاهداً سامي الروح قسامياً , وأسكنك الله فسيح جناته بصحبة النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.