الشهيد القسامي/ عثمان عبد القادر قطناني "أبو طلحة"
زهد في الدنيا و أحب لقاء الله
القسام ـ خاص :
إنّ للشهادة بركات وأنوار, كما أن للشهيد ميزات وخصائص، يرى العارفون بعضها في حياة الشهيد وكأنك ترى أن شخصاً ما يمتلك مؤهلات الشهادة ولم يبق له إلا قدر الله في اختياره وتحديد الوقت له ليلحق بركب السبّاقين.
شهيدنا عثمان قطناني "أبو طلحة" من أولئك النفر الذين أعدّ الله لهم طريق الصعود والارتقاء منذ البداية، فقد عاش عثمان ونشأ في ظل عائلة ملتزمة بالدين, كل أفرادها على قلب واحد ومنهج واحد, الاسلام هو محور حياتهم الذي تدور حوله كل شؤونهم، فكان المسجد بالنسبة لعثمان بيته الثاني, وكان العمل الدعوي شغله الشاغل منذ كان صبياً يافعاً، لا يدع المجال لأي أمر أن يلهيه عن أداء الصلاة جماعة في المسجد.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد القسامي عثمان عبد القادر قطناني في مخيم عسكر للاجئين قرب نابلس في تاريخ 16/3/1977 لعائلة متدينة تتمسك بدينها الإسلامي الحنيف، وتعود عائلة قطناني إلى قرية يازور القريبة من مدينة يافا حيث هجرت العائلة عام 1948م إثر اقتحام القوات الصهيونية للقرية وطرد سكانها، ثم انتقلت العائلة للسكن في مدينة الخليل حيث سكنت هناك قرابة 12 عاماً، بعدها انتقلت إلى منطقة نابلس حيث استقرت في مخيم عسكر القديم.
للشهيد عثمان خمسة أشقاء ذكور وشقيقة واحدة وتسكن عائلته في بيت متواضع يتكون من ثلاثة غرف ومنافعها، درس الشهيد المرحلة الابتدائية في مدرسة عسكر الإعدادية التابعة لوكالة غوث اللاجئين في مخيم عسكر حيث كان من الطلبة المتميزين المتفوقين في دراستهم وأخلاقهم مما حذا بالأساتذة أن يقدموه على غيره من الطلبة لإلقاء كلمات الصباح يومياً.
الكتلة الإسلامية وتفوقه بالدراسة
أنهى عثمان رحمه الله المرحلة الإبتدائية في العام 1989م مع بدايات الانتفاضة، وكان الشهيد من طفولته يحب الصوم ويحرص على صيام النوافل.
درس الشهيد عثمان المرحلة الإعدادية ليدرسها أيضا في مدرسة عسكر حيث تميز في هذه المرحلة بحبه للخطابة وإلقاء كلمات الصباح وإصدار مجلات الحائط حيث شكلت هذه المرحلة بدايات عمله وانخراطه في الحركة الطلابية الإسلامية كما تميز نشاطه في الانتفاضة الأولى بكافة فعالياتها حيث كان نشيطاً في السواعد الرامية لحركة حماس.
ولاحقاً التحق عثمان بجامعة النجاح، ليدرس الكمبيوتر في كلية المجتمع التابعة لها, ثم تسلّم قيادة الكتلة الإسلامية داخل الكلية مع بعض إخوانه, ومن يعرف جامعة النجاح جيداً يعلم أنّ هذه الكلية بالذات لم تكن الأغلبية فيها للكتلة الإسلامية طوال السنوات الماضية، بل إنها كانت معقلاً لغير الإسلاميين ترجح كفّتهم في الإنتخابات الطلابية، لكنّ عثمان الذي آمن بدعوته وأعطاها كل ما يملك لا يستسلم لهذا الواقع؛ فبدأ العمل والتحرك مستعيناً بالله متسلحاً بحسن خلقه وطيب معشره، حتّى تمكّن من حسم الكلّية، فبدأ العمل الإسلامي في عملية تحول واختراق أعتُبرت لا سابقة لها.
وفي هذه المرحلة أيضاً تولّى مع بعض إخوانه مسؤولية متابعة الحركة الطلابية الإسلامية في مدارس نابلس, فترك أثره على أجيال الحركة من الطلاب، فكان بعد ذلك منهم المبادرون والمجاهدون والإستشهاديون, وصاروا يرون فيه قدوةً ومثالاً يحتذى، فإزداد حبّهم لدعوة الله, وصار الإلتزام والعمل المتواصل والإستعداد للتضحية سمةً ملازمةً لمن عاش مع عثمان.
وبعد أن تخرّج عثمان من الجامعة عمل في مجال الصحافة كمصور ومراسل ميداني, وعلى الرغم من الفترة القصيرة التي عمل فيها في هذا المجال إلا أنه كان صحفياً صاحب قضية، وبرز تميّزه في تغطية أحداث انتفاضة الأقصى، واهتمّ بحكايات الشهداء والأسرى على وجه الخصوص.
زهد في الدنيا و حب الشهادة
تميز الشهيد قطناني بحبه للقرآن الكريم حيث كان مواظباً وباستمرار على قراءة وسماع القرآن الكريم حتى أثناء عمله، فلا تقع عينك عليه إلا وتراه حاملاً للمصحف أو مستمعاً لإذاعة القرآن الكريم، وكان الشهيد يصوم النهار و يستيقظ قبل الفجر ويصلي قيام الليل ولا يصلي إلا في المسجد، حتى في عمله كان وقت صلاة الظهر يترك العمل ويذهب للصلاة في المسجد، كان لا يضجر من أحد وإن طلب منه شيء ولو كان مشغولاً ولا يرفض طلباً لأحد.
كان رحمه الله زاهداً في الدنيا بشكل ملفت للنظر، فكان بينه وبين صلاة الفجر صحبة وعشق, يحرص عليها في ليالي الشتاء الباردة والماطرة, كما يتسلل نحوها حين كان جنود الاحتلال ينتشرون في الطرقات دون أن يبالي.
انتماؤه للإخوان المسلمين
ومع أول شبابه التزم بتجربة الإخوان، فكان لا يتخلف عن موعد حركي، ولا يتأخر عن لقاء تربوي, كنت ترى الحزن في عينيه إذا سمع بهموم المسلمين في أرجاء الأرض رغم صغر سنّه.
همّته عالية وولاؤه مطلق, يشارك في جميع النشاطات العامة التي تنظمّها حماس، من مسيراتٍ ومظاهراتٍ ومهرجاناتٍ ومعارض, وهو دوماً من أولئك الذين يحضرون باكراً يساعدون في العمل, وحينما اشتد عوده أصبح واحداً من المشرفين الأساسيين على عمل حماس في مخيم عسكر والمنطقة المجاورة، فراح يبدع ويبتكر ويبثّ الدعوة في كل مكان، وكان من أواخر أعماله معرض (فلسطين في الذاكرة), الذي يحكي قصة شعب فلسطين، من المجازر والأسر وحتى نماذج البطولة والفداء, وكان المعرض ضخماً ومتنوعاً لم تشهد المنطقة له مثيلاً من قبل.
وعبثاً حاول الآخرون التقليد لمّا رأوا شدة إقبال الناس وإعجابهم، لكنهم ما عرفوا أنهم يفتقدون أمثال عثمان في صفوفهم.
الاعتقال في سجون الاحتلال والسلطة
اعتقل الشهيد عثمان لدى قوات الاحتلال الصهيوني وعمره 12 عاماً لمدة ثلاثة أيام في سجن نابلس، كما اعتقل للمرة الثانية في بداية المرحلة الثانوية حيث حكم عليه بالسجن لمدة 4 شهور كان عمره حينها 16 عاماً، وعرف عنه في سجن مجدو أنه من أصلب الشباب الذين كانوا في سنه وتميز بمواظبته على حفظ القرآن وقراءة الكتب في السجن، بالإضافة أنه اعتقل الشهيد في نفس العام لدى سلطة الحكم الذاتي لمدة شهر تقريباً.
كما اعتقلته السلطة للمرة الثانية في ذكرى الأسير الفلسطيني على خلفية نشاطه في معرض يجسد معاناة الأسرى في سجون الاحتلال، وبعد خروجه من السجن لم يمض وقت طويل حتى اعتقل للمرة الثالثة عند سلطة الضفة حيث أمضى أكثر من 40 يوماً دون زيارة للأهل.
موعد مع لقاء الله
أما حكاية عثمان مع الشهادة فقد بدأت منذ مرحلة مبكرة، فقد كان يتمنّاها ويطلبها طوال الوقت، وكان يقلل من ثقل الحياة دائماً, ولم يكن أبداً من أهل الدنيا, المال والنساء وملذات الشباب لا تعني له شيئاً, تعلقه متواصل بالله وبالجنة، ولأجل ذلك سعى نحو العمل الجهادي وانضمّ إلى إحدى المجموعات العسكرية قبل الإنتفاضة، دون أن يتمكن من الدخول في مرحلة التنفيذ لأسباب لا تخصّه.
ثم جاءت انتفاضة الأقصى، وكانت له علاقة مع بعض مطاردي القسام, يساعدهم ويقدّم لهم الخدمات المتنوعة, لكنّ شوقه كان أكبر من هذا, وبقي يلحّ على إخوانه حتى تم الإتفاق على أن يقوم عثمان ببذل روحه والقيام بعملية استشهادية, محققاً بذلك الهدف الذي أحبّه دوماً - الموت في سبيل الله أسمى أمانينا- , لكنّ الموعد لذلك لم يحدد في تلك المرحلة, ولأنّ سعيه كان صادقاً فقد عجّل الله له اللقاء قبل ذلك، واختاره إليه، حيث استُشهد في عملية اغتيال هزّت الدنيا, وشاء الله لعثمان أن ينال الشهادة في تاريخ 31/7/2001 أثناء قيامه بعمله الصحافي حيث كان يجري مقابلة صحافية مع الشيخين جمال منصور وجمال سليم حين قصفت الطائرات مكتب الشيخ جمال منصور في لحظة واحدة .
ومن لطائف القدر أنه قبل استشهاده بأيام فقط وفي تشييع الشهيد صلاح دروزة، اختار عثمان عبارة بنفسه كتبت على يافطة في الجنازة تقول: "يا رب خذ لدينك من أنفسنا حتى ترضى"، وكانت عبارة ملفتةً ومميزة، لكنّ قوّتها ازدادت حين استشهد عثمان بعد ذلك.
وفي مرحلة لاحقة قالت مخابرات العدو لبعض إخوانه أثناء التحقيق: إنّ عثمان لم يُقتل صدفةً في تلك الحادثة, بل إنه كان يستحق هذا الاغتيال من وجهة نظرهم.
كرامات الشهيد
في اليوم الأول لاستشهاده رأته والدته في المنام يحمل راية كتب عليها لا إله إلا الله وحوله مجموعة من إخوانه. وفي اليوم الثاني رأته والدته وهو يلبس بدلة عسكرية ويحمل سلاحاً.
وفي اليوم الثالث لاستشهاده وبعد صلاة العصر والمغرب فاحت رائحة المسك في بيت الشهيد، وفي تلك الليلة رأته والدته في المنام تنادي عليه "يا عثمان .. يمه يا عثمان"، فناداها منادٍ من السماء قائلا "رضي الله عنه .. رضي الله عنه" .
رحمك الله يا أبا طلحة فقد رحلت بجسدك لكن روحك باقية فينا