الشهيد القسامي/ عبد الرحمن موسى حشيشو
البار بوالديه، صاحب الصدقات، ونعم التاجر مع ربه
القسام - خاص :
لم تُشغله تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة بل كان التاجر الأمين الصدوق صاحب الأخلاق الرفيعة في التعامل مع الناس، فكان أول من أغلق متجره لأداء الصلاة، رفض إلا أن يحارب الحرام ما استطاع إلى ذلك سبيلا، هذا حال شهيدنا القسامي المجاهد عبد الرحمن موسى حشيشو في تجارته وكان حاله أعظم في جهاده واستشهاده.
مولد الشهيد
ولد الشهيد القسامي عبد الرحمن موسى حشيشو بتاريخ 4-10-1968م، لأسرةٍ طيبةٍ هاجرت من يافا عروس البحر ولؤلؤة شاطئه ليستقر بها المقام في مخيم الشاطئ للاجئين، ويحتضن المخيم بزقاقه وثناياه عبد الرحمن الذي أحب كل زاوية من زواياه وتعلقت روحه بكل شبرٍ فيه، كان المسجد الغربي الذي يقع على مقربة من بيت شهيدنا يحتل جزءاً كبيراً من عقل وحياة هذا الشبل المسلم، الذي شب على التقوى والورع وحب الله، وقضى فيه وقتاً طويلاً، فإما أن تراه واقفاً بين يدي الله، أو صادحاً بالقرآن أو رافعاً كفيه إلى السماء، أو أنك تراه بين إخوانه تحفهم الملائكة في حلقات الذكر ومجالس العلم، هكذا كانت السنوات الأولى في حياة عبد الرحمن مختلفة عن حياة كثيرين ممن هم في مثل عمره الذين قضوا أيامهم في اللهو واللعب، يذكر إخوانه أنه كان محافظاً على الصلاة في جماعة بالمسجد منذ سنوات عمره الأولى، وكان يذكرهم بالصلاة دائما -خاصة صلاة الفجر- مستخدماً كل الوسائل ليوقظهم لأدائها في المسجد.
دراسته وعمله
درس عبد الرحمن المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية في مدارس المخيم، وقبل أن يلتحق بالمرحلة الثانوية وجد أن والده بحاجة إلى من يساعده في متجره، فكان الابن البار الذي سرعان ما لبى حاجة أبيه فترك الدراسة وأخذ يعاون أباه في متجره، وفي هذه المرحلة لم تله عبد الرحمن تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة بل كان التاجر الأمين الصدوق صاحب الأخلاق الرفيعة في التعامل مع الناس، ونذكر هنا شيئا مهماً عن عبد الرحمن حيث يذكر أهل مخيم الشاطئ أنه كان أول من أغلق متجره لأداء الصلاة، فكان أول من سنّ هذه السنن الحسنة التي سرعان ما انتشرت في المخيم وفي أغلب المحلات المجاورة حيث سار أصحابها على خطى عبد الرحمن.
وخلال عمله في المتجر التحق بالمعهد الأزهر، وحصل بعد ذلك على دبلوم المعلمين، ويشهد له كل من عرفه في مراحله التعليمية المختلفة باهتمامه وجده واجتهاده واحتسابه الأجر عند الله في كل أعماله.
الشهيد وانتفاضة الأولى
ما أن بلغ شهيدنا من العمر تسعة عشر عاماً حتى تفجرت الانتفاضة الأولى ليتحقق حلم عبد الرحمن، الذي ضاق صدره برؤية العدو يدنس الأوطان دون أن يجد من يحاسبه، فكان عبد الرحمن من السابقين إلى مقارعة العدو، والاشتباك مع دورياته وجنوده في أزقة المخيم وعلى أطرافه، وأينما ساقته قدماه، ليخوض مع إخوانه المعركة تلو المعركة مع العدو، وعلى الرغم من عدم التكافؤ بين الجيشين إلا أن الغلبة كانت للثلة المؤمنة، وتشتد الانتفاضة فتنطلق في نفس العام حركة المقاومة الإسلامية حماس لتكون ذراعاً ضارباً لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، ويكون عبد الرحمن أحد أعضائها العاملين وجنودها المتميزين، فكان محل الثقة عند كل من عرفه لا سيما إخوانه في العمل، فأوكل إليه قيادة جهاز الأحداث في مخيم الشاطئ، وقاد عبد الرحمن العمل بهمة ونشاط، وجد واجتهاد، كان يصل ساعات الليل بساعات النهار فتكون النتيجة بفضل الله نجاحاً تلو نجاح، وأعجب كل من راقب ذلك الفتى المتفاني في عمله المخلص فيه.
في عهد السلطة
بقدوم السلطة "الفلسطينية" عام 1994م، عاش عبد الرحمن كباقي إخوانه من أبناء حركة المقاومة الإسلامية حماس، فكان مثالاً للرجل الصابر والشيخ الحكيم، وأوقن أن دولة الظلم ساعة وأن دولة الحق إلى قيام الساعة، هكذا قضى عبد الرحمن تلك السنوات العجاف إلا من تقوى الله وعمل الخير، واشتغل في تلك الفترة ببر والده ووالدته وإخوانه وقام بإدارة البقالة لأبيه وقضى فيها معظم الوقت، فكان والده راضياً عنه كل الرضا، وفي عام 1995م استجاب عبد الرحمن لأسرته، خاصة أمه التي كانت تلح عليه أن يتزوج، فتزوج وكان نعم الزوج، وأنجب من الذكور ثلاثة ومن البنات واحدة، وكان لهم نعم الأب العطوف الرحيم، ولم يتوقف بره وعطفه على أهل بيته، بل امتدت يده للجميع فأخذ يساعد إخوانه الذين تضيق بهم الحال، ويتحسس مواطن فعل الخير فيسارع إليها، ويتسمع أخبار المعوزين فيمدهم بما يحتاجونه، يذكر إخوانه في المسجد الغربي أن عبد الرحمن كان يداً ممتدة للجميع لا ينتظر أن يسأله أحد بل يبادر بالسؤال عما يحتاجونه، وعندما يأتي رمضان كان عبد الرحمن نعم التاجر مع ربه، فكان يستغل هذا السوق أيمّا استغلال، يتبرع للمسجد بما يلزم عمّاره من تمر وماء ولوازم السحور والإفطارات الجماعية، ويزود المعتكفين بما يحتاجونه ليحيوا الليل بين يدي الله سبحانه وتعالى، ولا ننس أن نقول هنا إن عبد الرحمن كان من المحافظين على الاعتكاف في المسجد وإحياء ليالي رمضان خاشعاً لله منيباً إليه قانتاً بين يديه.
انتفاضة الأقصى
ويأتي عام 2000م وتنفجر الثورة، وتبدأ جولةً أخرى من جولات المجاهدين ضد الصهاينة المحتلين، فما كان من عبد الرحمن صاحب القلب المؤمن بالله والنفس التواقة إلى لقائه والروح المتوثبة إلى ساحات الوغى وميادين الجهاد، إلا أن بدأ يعد العدة وأخذ يجهز العتاد، تدفعه إلى ذلك نفسه التي كانت دائماً تحدثه بالشهادة، وتمنيه لقاء الله، فكان ينفر مع إخوانه حيثما كان النفير، ويهب مع إخوانه كلما هبت جموع الموحدين، كان عبد الرحمن دائم التفكير منشغل البال كأن هموم الدنيا تكالبت عليه، وحقيقة ذلك أنه كان يحمل هم إخوانه المجاهدين، ويفكر في حل ما يواجههم في طريق الجهاد من مشاكل، فكان كثيراً ما يدعو لهم ويخص بالدعاء إخوانه الذين يرابطون على ثغور الوطن في ظلام الليل الدامس وبرد الشتاء القارص، هكذا كانت انتفاضة الأقصى حيةً في قلب عبد الرحمن تترجم حركاتها في حركاته وتفاصيلها في سكناته كأنه أصبح ابنا لها وأصبحت هي أماًٌ له.
الموعد مع الشهادة
وأخيرا كما هي نهاية كل من عشق الجهاد وسلك طريقه ،يولد فجر الخميس يحمل للدنيا خبراً جللاً، فمع إطلالة شمس تبشر بفجر يوم جديد كانت أصوات المآذن تصدح، والعيون تذرف الدموع، وكل ما في المخيم يترنم بقوله تعالى: "مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
هكذا كان صباح الخميس الموافق 23-10-2003م، كانت القلوب تتألم، والأصوات تنادي، والحناجر تنشد أناشيد الشهادة.
فعبد الرحمن المؤمن المجاهد والعاشق للشهادة والجنة كان قد خرج ليلاً إلى ميدان الإعداد والاستعداد، وحمل بندقيته يتدرب على الرماية، فيصوب جاثياً ومرتكزاً وواقفا، وبينما هو كذلك إذ ترتد عليه رصاصة لتستقر في صدره فتنقله من دار الفناء إلى دار البقاء ، لتكون خاتمة حياته كالصحابي الجليل حارثة ابن سراقة الذي أصابه سهم غرب قبل أن تبدأ المعركة بين جيش المسلمين وجيش الكفر، فيسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن مصيره فيبشر الرسول أن حارثة في الفردوس الأعلى من الجنة.
ثم يحمل عبد الرحمن على أكتاف إخوانه من أبناء حركة المقاومة الإسلامية حماس يزفونه من وسط أزقة المخيم إلى أعالي سماء الخلود، فيصلى عليه في مسجده الذي تعلق به وأحبه، ثم يحمل إلى مقبرة الشيخ رضوان ليرقد مطمئنا تحفه رحمة الله ورضاه.
هكذا كانت نهاية عبد الرحمن، نهاية الرجال الميامين، والمجاهدين المخلصين الصادقين الذين نذروا حياتهم لله، وباعوا أنفسهم له لينالوا المكرمة الربانية والهدية الإلهية، يختارهم الله ليكونوا شهداء في سبيله، شهداء من أجل رفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، شهداء من أجل عزة وكرامة المسلمين.
رحم الله شهيدنا عبد الرحمن وأسكنه فسيح جناته..