الشهيد القسامي /محمد بشير عقل
إشراقة في سماء فلسطين ورجل المهمات الصعبة
القسام - خاص :
كثيراً ما تعجز الأقلام عن حصر تاريخ الأبطال من رجال الإسلام، فلربما لم تسعفنا الكلمات في الحديث عن أبي السهل لقد كان رحمه الله وتقبله شهيداً أمةً لوحده فبالرغم من صغر حجمه إلّا أنه شدّنا إلى عمالقة الإسلام الأولين السابقين، كيف لا ونحن بصدد الحديث عن أبي السهل ذلك الرجل الهادئ الوديع المبتسم دوماً لكل من يراه فتجده كل يوم يوزع ابتساماته على الرائحين أو الغادين ويطبع طيفه الجميل في قلوب كل من يلج ميدان النصيرات وإلى جانب هذه النفس العالية نجد أسداً هصوراً وبركاناً هادراً وإعصاراً غاضباً في وجوه أعداء الله اليهود، فلطالما شفى الله به صدور قوم مؤمنين، لقد تجسد فيه قول الله تعالى " أذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين" لقد كان قرآناً يمشي على الأرض رحم الله أبا السهل وتقبله شهيداًَ وأسكنه الفردوس الأعلى.
الميلاد والنشأة
" وبينما هي تسير تحمل بين يديها تلك الصرّة البيضاء الناصعة بحنان، إذ توقفت عند قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ووضعت الصرّة برفق على الأرض إلى جانب قبر الحبيب صلى الله عليه وسلم وكأنما أمٌ تضع وليدها وبينما هي كذلك إذا بنور يسطع من الشرق وإذا بصوتٍ يتردد في جنبات المكان يقول " أرجعي نور محمد مكانه..أرجعي نور محمد مكانه..أرجعي نور محمد مكانه" فحملت الصرة البيضاء وسلمت على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وعادت أدراجها".
هذا ما رأته أم الشهيد لليلة الثالثة على التوالي قبيل مولده فقد عزم الوالدان أن يسمياه اسماً آخر غير محمد حيث توفي ابنهما محمد ذو الشهور الثلاثة قبل أن تحمل بأبي السهل ولكن بعد الرؤيا الصادقة التي تكررت للمرة الثالثة أجمعا أن يسمياه محمداً كرامة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وفي ليلة هادئة دافئة من ليالي شباط وبالأحرى في السادس من شباط لعام ألف وتسعمائة وثمانين خرج بطلنا إلى الدنيا يحمل الكثير من بشائر الخير والبركة أولها أن أم الشهيد (أم عماد) كانت تتعسر في ميلادها ولكن ميلاد (محمد) كان سهلاً فلقبه والده بأبي السهل وثانيها أن الله فتح على والده باب فضله وبركاته فأنعم عليه وتفضل بعد شدّة وعسر , وهكذا كان ميلاد شهيدنا البطل/ محمد بشير عقل (أبو السهل)
إسلامي النشأة
في أسرة متدينة ملتزمة مجاهدة نشأ بطلنا أبو السهل وقد عاش طفولته يتنقل ما بين المسجد والبيت حيث مأوى المجاهدين مما أثّر في شخصية البطل الشهيد حيث كان أبوه من المجاهدين الأوائل في تاريخ الحركة الإسلامية في فلسطين وكذلك أقاربه من آل عقل مما دفع شهيدنا لأن يخلع رداء الطفولة منذ الثماني سنوات الأولى من عمره ليفعل أفعال الرجال.
فقد بدأت الانتفاضة الأولى المباركة وأبو السهل لم يتجاوز الثماني سنوات من عمره ونظراً لأن والده كان أحد قيادي جهاز الأحداث التابع لحركة المقاومة الإسلامية حماس فقد استعان به أبوه في نقل أدوات العمل الجماهيري والإعلامي فكثيراً ما طلب من أبي السهل أن ينقل الأغراض إلى أطراف بيارات البرتقال المترامية حيث مكامن المجاهدين وكثيراً ما استعان به لشراء بعض الأدوات أو مساعدته في إعداد المواد الإعلامية أو وضع البيانات في المسجد وفي الوقت الذي سجن فيه والده كان أبو السهل ينقل الرسائل ما بين المجاهدين ووالده السجين .
حتى جاء عام 1990م حيث أعلنت الحركة تجديد العمل العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، وبطريقة سرية محدودة جداً تكونت النواة الأولى لكتائب القسام وكان على رأسها القائد المجاهد الأسير/ وليد زكريا عقل والمجاهد الأسير/خميس زكي عقل والمجاهد الشهيد/طارق عبد الفتاح دخان والمجاهد الشهيد/ياسر حماد الحسنات والمجاهد/جلال لطفي صقر والمجاهد /ناصر غازي دويدار وجميعهم من مخيم النصيرات.
وقد كان بيت والد الشهيد أبي السهل مقراً لاجتماعاتهم وانطلاقاتهم مما هيأ الفرصة أمام الشهيد محمد لأن يشارك منذ ذلك الوقت بالعمل الجهادي ولكن بشكل محدود فلطالما قام بتوصيل الأسلحة والرسائل وكذلك رصد الطرق وكان المجاهدون يستعينون به دليلاً أثناء منع التجول في المخيم حتى لا يفاجأوا بدوريات المحتلين دونما استعداد وقد كان جريئا شجاعاً..
وهكذا استمر شهيدنا يشق طريق العزة والكرامة إلى أن تعرضت المجموعة الأولى للملاحقة والاعتقالات والاغتيال وكان من ضمن المعتقلين المجاهد ( أبو عماد) والد الشهيد مما دفع الشهيد أبو السهل لأن يشارك أخاه الأكبر عماد في سد الفراغ الذي تركه والدهم خلفه فإلى جانب دراسته كان يعمل مع أهله في تحضير مواد المطعم أو البيع فيه، وهكذا تشرب شهيدنا حب الوطن والجهاد والرجولة منذ نعومة أظافره ومن زاوية أخرى نجد أبا السهل الطفل الهادئ المحبوب بين أقرانه فكانوا يرشحونه لقيادتهم في ألعابهم وللتحكيم بينهم في خصوماتهم..نظراً لدماثة خلقه وحسن أدبه وتواضعه..وهكذا خطا شهيدنا خطواته الأولى نحو المجد والخلود.
أبو السهل حمامة مسجد القسام
ما أن قوي عود أبو السهل واشتد حتى انضم شهيدنا إلى صفوف الكتلة الإسلامية، لقد كان مولعاً بالعمل الإسلامي فما أن تم استيعاب أبي السهل في صفوف الكتلة حتى أصبح شعلة يتقد بها العمل الإسلامي في مدارس المنطقة. فمن سيوزع النشرات ومن سيلصق الملصقات ومن سينظم التظاهرات والمسيرات ومن سيقوم على الاجتماعات إن لم يكن أبو السهل حاضراً، فأي إخلاص وأي وفاء وأي عطاء هذا الذي يكمن خلف ذلك الوجه المضيء، لقد كبر قلبه ليتسع كل من يعرفه فأحبه الجميع..
لقد كان شهيدنا ملازماً للمسجد منذ اللحظة الأولى التي رافق بها والده وهو طفل صغير، ما أجملها من لحظات تلك التي كان شهيدنا فيها يدفع أحبابه لقراءة القرآن أو لتنظيف المسجد أو لترتيب المصاحف أو لغسل المتوضأ. حيثما نظرت في مسجد الشهيد عز الدين القسام بالنصيرات وجدت ابتسامته المشرقة إما قائماً يصلي أو جالساً في حلق العلم أو قارئاً للقرآن أو عاملاً في خدمة بيت الله وهكذا حتى كان المسجد جزءاً من وصية شهيدنا البطل كيف لا وأبناء المسجد الذين شق معهم طريقه الجهادي المميز وهو يعمل ضمن لجان العمل الجماهيري التابع لحركة المقاومة الإسلامية حماس وقد كان له الدور الفاعل في قيادة المسيرات والعروض الإعلامية للحركة وتوزيع العناصر أثناء العمل.
محنة في مشاريع العمل الإسلامي
بالرغم من اشتداد المحن وتزاحم الخطوب وتكالب الأعداء للنيل من حركة المقاومة الإسلامية حماس وأجهزتها العاملة وبنيتها التحتية إلا أن سفينة الحق والقوة والحرية ماضية تشق طريقها نحو بر الأمان على ثقة من الله تعالى ، فما كان عام 1996م وبعد تشابك خيوط المؤامرة في شرم الشيخ حتى انقضت براثن السلطة تنهش في جسد الحركة الإسلامية وتلاحق أبناءها وتغلق مؤسساتها وتعتقل خيرة شبابها لتصبّ عليهم ألواناً من العذاب بإشراف أمريكي صهيوني عدائي.
ولما كان شهيدنا (أبو السهل) أحد نشطاء العمل الإسلامي وبالرغم من صغر سنه إلا أن أجهزة السلطة لاحقته كباقي إخوانه المجاهدين ولكنّ معظم شباب مسجد القسام الذين قابلوه وسلموا عليه يذكرون أنه عندما عاد ذات يوم من استدعاءٍ لأحد الأجهزة وكانوا قد آذوه في ذلك اليوم فقال لإخوانه يجب أن يبدأ الآن العمل فلنعمل، ولنصدح بكلمة الحق، ولا نخشى في الله لومة لائم، وكأسلافه من صحابة رسول الله يخرج من المحنة أقوى وأصلب عوداً فما ضرته سياط الغادرين ولا سجونهم ولا استدعاءاتهم.
إخواني التربية
وفي أيام المحنة خرج أحد رجال الدعوة من سجون السلطة وإذا بشهيدنا أبي السهل قد جمّع شباب وأشبال المسجد وسار بهم إلى بيت ذلك المجاهد ليسلّم عليه ولكن بطريقة رفع المعنويات وإعادة الثقة إلى نفوس أبناء الإسلام وما أن انتهى الجمع من التسليم حتى اقترب البطل من أذن ذلك المجاهد وهمس له قائلاً " نريد أن نجمّع الشباب" فما كان من ذلك الأخ إلا أن قام في اليوم الثاني يسأل إخوانه عن أفاضل الشباب الناشئين فقد تعلّم المبادرة من ذلك البطل الناشئ "أبي السهل".
وكان شهيدنا المجاهد على رأس الثلة الأولى في جلسات الإخوان التي اجتمعت في أحلك الظروف وأقساها لتجدد مشروع الدعوة الإسلامية، فقد كان أبي السهل ملتزماً في الجلسات الإخوانية وكانت هذه الانطلاقة الجديدة بمثابة إحياء لروح الإخوان في نفوس الشباب المسلم وذلك بعد أن تم تجميد العمل الدعوي بعد الضربة القاسية التي وجهتها السلطة للحركة.
فقد كانت هذه المبادرة اجتهاد من شباب الإخوان المسلمين الذين أرادوا تجميع الشمل وترتيب الصفوف من جديد، وقد تميزوا في هذه المرحلة بكثرة المشاريع الدعوية والتربوية، فتم تقسيم العمل على الملتزمين في الجلسات والاجتماعات الإخوانية، باجتهاد شباب الأخوان المبادرين تم تنظيم عمل إعلامي محدود فكان شهيدنا ركناً أساسياً في العمل حيث أوكلت له مهمة تعليق ملصقات مسجد القسام مع اثنين آخرين من إخوانه وليس صدفة أن يكون الشهيدان القساميان مهند سويدان والشهيد القسامي إسماعيل حمدان من ضمن الملتزمين في المشروع الجديد وقد أوكل للشهيد مهند سويدان واثنين من إخوانه تعليق ملصقات مسجد الجمعية الإسلامية.
وكذلك أوكل للشهيد إسماعيل حمدان واثنين من إخوانه تعليق الملصقات في مسجد الشهداء، وإلى جانب العمل الإعلامي تم تنظيم العمل الاجتماعي فكان شهيدنا أبو السهل مشاركاً فيه وكذلك شارك في العمل الثقافي والتربوي، وقد استمر العمل بهذا النمط حتى آخر عام 1997م حيث تم ترتيب أوراق جهاز الدعوة في المنطقة فكان المشروع القائم النواة الأولى في الترتيب الجديد فما كان من أبي السهل إلا أن مد يده إلى مسئوله ليبايعه بيعة الإخوان وبعد ذلك جدد البيعة مع بداية انتفاضة الأقصى وقام بتجديد البيعة للمرة الأخيرة على يد أحد مشايخنا الفضلاء بعد أن أوكلت إليه مهمة استشهادية وذلك قبل ثلاثة أشهر من استشهاده وخلال عمله في صفوف الإخوان المسلمين كان مثالاً للطاعة والالتزام وإتمام المهام على أكمل وأتم وجه وبالرغم من كثرة المجالات التي عمل خلالها شهيدنا أبو السهل ضمن المشروع الإسلامي إلا أنه كان أكثر تواضعاً في كل مرة وأكثر حباً لإخوانه وأكثر ابتساماً.
قسامي الدرب والعطاء
في مطلع عام 1998 وبعد صلاة الفجر في ذلك اليوم المشرق الجميل من أيام الربيع يخطو شهيدنا المجاهد أبو السهل خطواته الأولى على طريق الوصول إلى الغاية الأسمى والأمنية الأحلى، عندما همس ذلك الأخ المجاهد في أذنه تلك العبارات التي تعشقها آذان شباب الإسلام وتخفق لها قلوبهم.
كيف لا وهي تنطلق من بين صفحات كتاب الله ومن بين ثنايا آياته من قوله ( قاتلوهم) أومن قوله (انفروا) يسطع نور تلك العبارات فيطير فرحاً وكأنما تحقق حلمُ طالما حلم به بالرغم من قسوة الجلادين وتآمر المتآمرين في ذلك الوقت إلا أن شهيدنا البطل أبو السهل لم يدع وقتاً يضيع فيقول له مسئوله أمامك يوم وليلة لتفكّر في الأمر ثم ترد علي فجر غدٍ، فيجيبه أبو السهل مسرعاً بماذا أفكر لقد فكرت في هذا الأمر طوال ثماني عشرة سنة لقد مضت سنيُّ عمري وأنا أفكر في هذه اللحظة.
وهكذا انضم شهيدنا إلى صفوف المجاهدين وكان مولعاً بالشهادة عاشقاً للجهاد في سبيل الله، لقد كان دائم الاستعداد حتى لو طلب أن يحضر في منتصف الليل أو عز الحرّ والبرد لم يكن ليتوانى أو يقصر، وفي بدايات عمله الجهادي في كتائب القسام عمل في إعداد العبوات وتحضير المواد المتفجرة وكذلك في رصد تركات العدو والتخطيط لتنفيذ بعض الأهداف وكذلك شارك في رسم الخرائط الخاصة بأهداف العمل العسكري كان ذلك عام 1998م وفي أواخر هذا العام تم اعتقال مسئوله من قبل أجهزة السلطة وأثناء اعتقال مسئوله سمع أبو السهل عن أصناف التعذيب التي تعرض لها مسئوله المجاهد.
فلم يرهبه ذلك ولم يثنيه، بل قام بإتمام ما بدأه وذلك بمشاركة مجاهدٍ آخر واستمر في إعداد الخطط ورسم الأهداف وتحضير المواد كأنما يجهز لمعركة سيشارك في خوضها وبالفعل ما أن خرج مسئوله من السجن حتى بادر الفارس أبو السهل بتجديد بيعته له وذلك قبيل الانتفاضة بأشهر وما أن تم تجهيز المواد وتحضير العبوات وإعداد الخطط حتى اشتعل فتيل الانتفاضة المباركة فكان لفارسنا وثلة من إخوانه الأبطال الفضل في تنفيذ العديد من العمليات البطولية والهجمات وتفجير العبوات في دوريات المحتلين وكعادته عند كل عمل كان يقوم الليل رافعاً يديه يجأر إلى الله ويدعو الله بالتوفيق فلكم من ليلة قامها في بيارات المغراقة أو بين أشجار منطقة البركة أو بين أحراش منطقة حجر الديك وكان ينتهز فرصة نزول المطر للدعاء .
فلكم رآه إخوانه يبتهل إلى الله تحت زخات المطر وسلاحه على كتفه منتظراً لحظة البدء، ما أجملها من لحظات تلك يكلف فيها أبو السهل أن يقصف مغتصبات الأعداء بقذائف الهاون فما أن يرى القذائف حتى ينكب عليها يقبلها قائلاً الحمد لله والشكر لله" لبيك اللهم لبيك" وكذلك عندما رأى صواريخ القسام وكلّف بإطلاقها لأول مرة ينكب على الصاروخ يقبله وما أن يتم إخوانه تجهيز الصاروخ للإطلاق حتى يرفع يديه ويدعو الله أن يسدد الرمية.
ما أجملها تلك اللحظات التي يدخر أبو السهل فيها بعض قذائف الهاون أو صواريخ القسام لليلة العيد ليحتفل بالعيد احتفاله المبارك وهو يصب على رؤوس الأعداء قدر الله الذي تحمله قذائفه أو صواريخه، ما أجملها من لحظات عند أبي السهل تلك التي تم فيها تدريبه وإعداده لتنفيذ الكمائن وقهر أعداء الله. كان يتسابق إلى كمينه ويتمنى أن يكون دائماً في كل عملية.
ما أجملها من لحظات تلك وفي شهر رمضان المبارك وبالرغم من البرد القارس ليلاً حيث أخذ أبو السهل بعض التمرات معه حتى إذا أدركه السحور تسحر فيتذكر الصحابي الجليل عمير بن الحمام رضي الله عنه فيلقي التمرات في ساحة المعركة لكن أبا السهل يعود في كل مرة سالماً غانماً، ما أجملها تلك اللحظات التي كان أبو السهل فيها يقرأ وصيته ويودع إخوانه ويجهز نفسه ليجهز على أعداء الله، كان يطمع دوماً بالشهادة وكان لسانه دائماً يردد دعاءه المأثور " اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك مقبلاً غير مدبر"، لقد كان يذكّر إخوانه المجاهدين بالله دوماً وحتى وإن حمي الوطيس واشتد أتون المعركة كان دائم الابتسامة دائم الذكر فلكم سقطت فروع الأشجار وأوراقها على رأسه وذلك من كثافة نيران الأعداء إلا أنه أحب أن يلقى الله مبتسماً ..
ما أحبه لإخوانه الذين كان يخصهم بما تجود به نفسه في كل ليلة من ليالي الرباط على ثغور المخيم فيحضر لهم الطعام والشراب من حسابه وما أكثر إيثاره لهم فقد كان يختار الأصعب دوماً محبةً لإخوانه..
وهكذا رسم شهيدنا لوحة مشرقة في تاريخ الإسلام، وهكذا وضع نقاط العزة على حروف النصر والشهادة وهكذا سطر بجهاده وبطولاته دليلاً على طريق تحرير الأرض والإنسان.
مواقف وبطولات
1- كان شهيدنا الفارس الصنديد أبو السهل محباً لإخوانه دائم الابتسامة في وجوههم كان يبادر بالمسامحة ولا يتأخر في المصالحة، يذكر أحد أخوانه أنه اختلف معه مرة فإذا بأبي السهل وقبل أن يبرح المكان يصافح أخيه ويعانقه ويطلب منه السماح بالرغم من أن الحق معه.
2- في مهمة جهادية كان قد ذهب برفقة الشهيد القسامي/ يوسف عقل ليزرعا عبوة موجهة على طريق دوريات العدو بالقرب من بوابة مغتصبة نتساريم وما أن أتمّا زراعتها سمعا بأصوات الدبابات والجرافات تقترب فظنا أنها تقترب من الأمام أي من جهة المستوطنة فانسلا إلى الخلف ولاذا (بدالية عنب) فاقتربت الآليات أكثر حتى رآها المجاهدان الشهيدان تأتي من الخلف من جهة (مدينة الزهراء) فجعلا ينشدان لا تحزنوا يا إخوتي إني شهيد المحنة والابتسامات تملأ وجهيهما وما أن مضت ساعة حتى أزاح الله الغمة وعادت الآليات أدراجها.
3- لم يكن أبو السهل ليترك دقيقة واحدة دون أن يستغلها لله ففي الليل مع إخوانه على الثغور أو في ميادين الكرامة يتفذ المهام وفي النهار يذهب من بعد الفجر حتى العصر إلى عمله ومطعمه في السوق وبعد المغرب تراه إما زائراً لأرحامه وإخوانه أو جالساً في أسرته أو ملتزماً في جلسته الإخوانية أو قارئاً للقرآن أو سامعاً لمواعظ الدعاة أو باحثاً عن هدف فكثيراً ما شاهده إخوانه يخرج مع زوجته وابنه الصغير إلى مناطق التماس حتى لا يلفت الانتباه وذلك ليستطلع بعض الأهداف لينفذها مع إخوانه في كتائب القسام.
4- كان ذو فراسة وإيمان فما من عمل اطمأن له إلا وأخبر إخوانه وما من عمل أحس منه بالضيق إلا استخار لله فيه فكثيراً ما وجه إخوانه القساميين لأي الطرق يلجأون وكيف يتصرفون أثناء تأدية واجبهم الجهادي وذات مرة أراد المجاهدون فحص عبواتهم وقد اشتروا ( ساعة فحص) فمنع المجاهدين من استعمالها فسأله مسئوله مندهشاًَ ولم ذلك فأجاب يجب فحص الساعة قبل استعمالها فإن قلبي منقبض منها وبالفعل ما أن تم فحص الساعة حتى تبين أنها تهرب شحنات كهربية كافية لتفجير العبوة..وهكذا كان شهيدنا ربانياً يوفقه الله ويهديه للحق والخير بفضل إخلاصه وقربه من الله تعالى.
5- كان شهيدنا أستاذاً في فن المعاملة مع الناس ( فالدين المعاملة) كما أخبرنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان أولاً محباً لأهله وأقربائه مطيعاً لوالديه يداعبهم ويمازحهم ويهدي لهم ما طاب له أن يهدي ويطلب منهم أن يدعو له بأن يرزقه الله الشهادة في سبيله، وقد كان مثالاً في المعاملة الحسنة الطيبة مع الناس وكان لذلك أثراً واضحاً في جذب الجميع حوله ومحبتهم له فلقد كانت ابتسامته التي لم تفارق وجهه رمزاً وعنواناً له فقد أحبه الصغار والكبار فكثيراً ما نجده يمسك بفاكهة أو قطعة حلوى أو بأي شيء ويقول لأحد محبيه اقبلها مني. كثيراً ما كان يجمع المساكين ويطعمهم ويسقيهم ويطلب منهم أن الدعاء له بالشهادة ، وفي موسم الحج الأخير ذهب ليودع حجاج بيت الله الحرام ويوصيهم أن يدعو له بأن يحقق الله أمنيته الكبرى أن يستشهد مقبلاً غير مدبر.
6- من شدة حبه للشهادة، وتعلقه بها أكثر بعد استشهاد رفيق دربه وصديقه يوسف عقل كان يقول أحب أن أصاب ها هنا مثل حبيبي يوسف وكان يشير إلى الجهة اليمنى من صدره ويسأل الله أن يلقاه مقبلاً غير مدبر وقد حقق الله له أمنيته فأصيب حيث أشار.
7- في بداية عمله العسكري جاء له مسئوله بالعتاد والسلاح لكن أبا السهل آثر أن يجهز نفسه بنفسه وكان قد ادخر بعض المال استدان بعض النقود ليكمل ثمن السلاح والعتاد فقال له مسئوله لا تجهد نفسك نحن نوفر لك العتاد فرد قائلاً " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وكان في كل شهر يرفع من نقوده مبلغاً ليشتري به الذخيرة.
8- قبل استشهاده بيوم ذهب إلى الحلاق وقص شعره وتغسل وتطيب ثم توجه إلى عماته وأقاربه يزورهم وكأنه يودعهم.
صدق الله فصدقه الله
في كل مرة يكون شهيدنا على أهبة الاستعداد فما أن يسمع عن وجود هدف أو عن عمل حتى يهب مسرعاً يسابق الريح، وأثناء الاجتياحات ما إن يعلم بوجود الحشود العسكرية لأعداء الله حتى يجهز نفسه ويدافع عن حمى الإسلام والمسلمين وفي ليلة الخميس 25/9/2003م اتصل به إخوانه المجاهدون أن يسارع لتجهيز نفسه فالأعداء الصهاينة يتوغلون في شارع صلاح الدين فما هي إلا لحظات حتى كان مع إخوانه حاملاً سلاحه ممسكاً بقذائفه متوجهاً إلى ميدان المعركة لقد سابق الريح يومها حتى طلب منه إخوانه المجاهدون أن يتريث قليلاً فأخبرهم أنه لا وقت للتريث وكأنه على موعد هناك.
وفي شارع صلاح الدين لم يكن من السهل أن يصل أحداً إلى هناك ولكن أمثال ابي السهل لا يعرفون التراجع، فقد سهل الله لهم كل حَزن، فتسلل شهيدنا ليقطع الطريق إلى الجانب الآخر ثم عاد إلى الجانب الأول ليواصل زحفه مقبلأً بصدره نحو آلياتهم وعلى كتفه القاذف المحشو بقذائفه ومضى في طريقه قدماً حتى وصل إلى المكان الذي أراد وما أن تجهز واستعد حتى عاجلته رصاصات الحقد الصهيونية فأصيب ومازال يتقدم ولكن ما شفى نفسه أنه أصيب حيث كان يشير فتذكر التمرات وتذكر عميراً فنطق بالشهادة وقد سمعه إخوانه المقربين منه.
رحم الله شهيدنا وأسكنه الفردوس الأعلى فقد تمنى أن يستشهد وقد استشهد وقد تمنى أن يصاب في صدره جهة اليمين فكان له أن أصيب حيث أشار.. وقد تمنى أن يلقى الله مقبلاً غير مدبر وتحقق له ذلك وتمنى أن يدفن بجانب قبر حبيبه ورفيق دربه يوسف عقل وقد حدث ذلك.صدق الله فصدقه الله.
بشائر وكرامات
1- في ليلة استشهاده وقف ابنه الأكبر سهل ابن الأربع سنوات وأشار إلى السماء وقال مخاطباً أبيه( عروس تناديك) فقال له أبوه أينها فأشار ثانية إلى السماء وقال ( عروس تناديك يا أبي) وهكذا تكرر المشهد ولم يقتنع سهل الصغير أن من حوله من الأقارب لا يرون إلا القمر وبعض السحب فقط فقد كانت هذه البشارة الأولى.
2- فاحت في مكان استشهاده رائحة المسك التي اشتم عبقها إخوانه الذين كانوا معه عندما أصيب.
3- بعد استشهاده وتحويل جثمانه الطاهر إلى المستشفى وفي زحمة الاستقبال إذا بعصفور يحلق داخل الاستقبال ويهبط على السرير الذي عليه جثمان الشهيد أبي السهل ولما نقلوه إلى غرفة الثلاجة دخل معه العصفور وما أن أغلق الطبيب الباب حتى رفرف العصفور عند المروحة فضربته ليقع فوق صدر الشهيد أبي السهل.
4- أثناء الجنازة التي شاركت فيها آلاف الجماهير وكأنما خرجت المنطقة عن بكرة أبيها تودع فارسها الصنديد الذي طالما كان يذود عن حياض الدين والوطن إذا بعصفور أبيض اللون ينزل على كتف والد الشهيد في وسط زحمة الجماهير المشيّعة وقد جيء بالعصفور الأبيض إلى بيت أبي سهل بعد أن أمسكوه فطار العصفور ووقف على شباك غرفة أبي السهل وما زال يقف بين الحين والآخر لمدة ثلاثة أيام متتالية.
5- رآه أحد إخوانه الذين نحسبهم من الصالحين في رؤيا نظنها صادقة إن شاء الله يحمل سلة من العنب الأبيض اللذيذ الشهي وكان يمشي بين كروم العنب فطلب منه أن يطعمه فمد أبو السهل يده إلى السل وأخرج عنقوداً حباته كالأنوار الساطعة فأراد الأخ أن يأخذ العنقود من يد أبي السهل فأذن الفجر فقام الرجل من نومه.
تقبل الله شهيدنا وأسكنه الفردوس الأعلى.
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )
بيان عسكري صادر عن كتائب الشهيد عز الدين القسام
اشتباكات في شوارع مخيم البريج بالقنابل والرشاشات تقودها كتائب القسام واستشهاد المجاهد محمد عقل
يا جماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد.. يا أبناء أمتنا العربية والإسلامية/
في معركة بطولية هي الأقوى والأشرس منذ بدء الاجتياحات والتوغلات الصهيونية لمدننا وقرانا في قطاع غزة خاض مجاهدو كتائب الشهيد عز الدين القسام وعناصر المقاومة الفلسطينية الأخرى حرباً ضد قوات الإرهاب الصهيونية التي اجتاحت مخيم البريج في تمام الساعة الثالثة من فجر اليوم الخميس 28 رجب 1424هـ الموافق 25/9/203م حيث استمرت المواجهة حتى الساعة السادسة صباحاً ، تصدى لها مجاهدونا الأبطال في ملحمة بطولية لم يستطع معها جنود العدو من إتمام عدوانهم و أجبرها مقاتلونا على الانسحاب دون تحقيق كل أهدافها ، بعد أن أصبحت المواجه مفتوحة وجهاً لوجه في شوارع المخيم أستخدم مجاهدونا خلالها القنابل والرشاشات وفجروا ثلاث عبوات ناسفة شديدة الانفجار في دبابتين وناقلة جنود على مدخل مخيم البريج –شارع صلاح الدين وقد أصابت عبواتنا العدو الصهيوني المجرم إصابة مباشرة وشوهدت النيران تتصاعد داخل آلياته مما أضطر العدو للاعتراف بشدة المقاومة معترفاً بإصابة ستة من جنوده ، إن كتائب الشهيد عز الدين القسام إذ تؤكد وجود قتلى في صفوف العدو جراء هذه المواجهة البطولية الرائعة فإنها تزف الشهداء الأبرار الذين ارتقوا أثر هذه المعركة البطولية :
الشهيد القسامي المجاهد/ محمد بشير عقل
25 عاماً من مخيم النصيرات
وأحد النشطاء الفاعلين في كتائب الشهيد عز الدين القسام
الشهيد المجاهد البطل / نور أبو عرمانة
ابن حركة الجهاد الإسلامي
إن كتائب الشهيد عز الدين القسام إذ تعلن عن هذه المعركة البطولية وتزف شهداء شعبنا المجاهد فإنها تؤكد أن خيار الجهاد والمقاومة هو الخيار الذي لا يفهم العدو سواه ، مؤكدين أننا في أتم حالات الجاهزية للدفاع عن مدننا ومخيماتنا حتى أخر قطرة دم .
و إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد
كتائب الشهيد عز الدين القسام
28 رجب 1424هـ الموافق 25/9/2003م