الشهيد القسامي / محمد أحمد حسن الهندي (أبو محمد)
شهيد الفداء المقدس
القسام ـ خاص :
"كان محمد يحمل في خفقات قلبه وفلتات لسانه روح العطــاء والجهاد، فقد نشأ في أحضان الحجر الفلسطيني الثائر، ودرج خلف الأسلاك الشائكـة، وأقسم ولاء البيعة والاستشهاد في خيام الرباط على أرض النقب الثائر، وسقط شهيداً في ملحمة بطولية عز نظيرها على ثرى بيت المقدس الطهور".
نشأته وحياته
كان الفتى اليافع الوسيم ابن العشرين ربيعاً يقفز من موقع لآخر لوضع اللمسات الأخيرة لحفل الفتوحات الإسلامية، الذي تقيمه الكتلة الإسلامي في جامعة الأزهر إذ كان أحد طلاب قسم الرياضيات في الجامعة، وكان محمد شعلة الكتلة الإسلامية التي لا تخبو والمحرك الذي لا يهدأ، لا يصيبه الكلل أو الملل أو التقاعس، ترمقه نظرات الإعجاب ونظرات الغيرة بين الفينة والأخرى، فحيثما اتجهت كان قبالتك بعزمه المضاء وحيويته الدائبة يمارس ألوان النشاط وصنوف الفكر.
ففي حقل الرياضة تجد رياضياً بارزاً خاصة في كرة القدم وألعاب القوى والميدان، وفي حقل الفن تجد عضواً بارزاً في فريق الفن الإسلامي سواءً في النشيد أو المسرح. وها هو يعد العدة لاحتفال ضخم في (جامعة الأزهر) في ذكرى أمجاد الفتح الإسلامي التي تعيد للإسلام رونقه البهي ومفاخره الوضاءة.
وبعد قليل ترى الشاب يعلو خشبة المسرح ليمثل دور البطولة في مسرحية (مقتل حاييم نحماني)، ويجسد شخصية البطل (ماهر سرور) الذي استدرج ضابط المخابرات الصهيوني (نحماني) وقتله في القدس منذ فترة وجيزة ..
لم يكن يعرف محمد حينها (ماهر أبو سرور) أو التقاه لكن قدر الله الغلاّب يرسم خطواته بعناية ليقود محمد وماهر إلى نهاية مشتركة عزيزة شامخة، فبعد أيام من المشهد التمثيلي الذي مثّل فيه محمد دور ماهر يشارك (محمد وماهر وصلاح عثمان) في مشهد حقيقي رائع.
اعتقاله في سجون الاحتلال
وفي محاولة جادة لإعادة صياغة حروف التاريخ مجدداً اعتقل شهيدنا ثلاث مرات كانت الأولى عام 1989م حيث قضى محكوميته البالغة (خمسة عشر شهراً) بتهمة الانتماء لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وهناك في جو النقب الثائر وعلى رماله الساخنة المتقدة التهب قلب الفتى ابن السبعة عشرة ربيعاً لينشأ أصلب عوداً وأقوى شكيمة وأعمق أصالة ويرسخ في ذهنه الشعار الذي بايع الله عليه (الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).
تأثره بالقادة الشهداء
وكان لتلك الأيام المتقدة بالحيوية والعطاء والتربية والتمحيص الأثر البالغ في حياة فتانا خاصة تلك الأيام والليالي التي عاشها مع الشهيد القائد ياسر النمروطي (أبو معاذ) النموذج الحي والمثل الأعلى والقدوة الأولى على طريق المقاومة والاستشهاد، وكم جلس الفتى إلى أستاذه يستمع منه دروس القرآن والتفسير وفنون القتال والبندقية، فذابت الأرواح وتألفت فروى محمد لأبو معاذ قصة الرحيل الأول من المجدل إلى معسكر جباليا، وحديث الحسرة والأسى المسكوبة في قلب الوالد والوالدة في ذكرى البلاد المضيعة بين الجبن والخور وبين الخيانة والتراجع وبين قرارات الأمم المتحدة والتمييز الظالم، وكم كانت قلوب الوالدين اللذين بلغا من العمر عتياً تحن إلى التراب المهجور.
تنفيذ عمليته الجهادية
فقد انطلق المجاهدون الثلاثة إلى بيت المقدس، إلى الأقصى (أرض الإسراء والمعراج) ومهبط النبوات وكفن الشهداء العظام، انطلقوا بعد قسم البيعة والعهد على التواصل الدامي حتى الرمق الأخير من أنفاسهم المعبقة بأنسام الماضي التليد عبر زفرات (أبي عبيدة عامر بن الجراح، وخالد بن الوليد) وصولات (سيف الدين قطز، وصلاح الدين الأيوبي) والتواصل الحي (لعز الدين القسام وعبد الله عزام) وسلسلة الخلود التي لا تنتهي بانقضاء الحياة الفانية.
فمع مشرق شمس الأول من يوليو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين وعلى بوابة الباص رقم (25) في (التلة الفرنسية بالقدس)، استقل الفدائيون الثلاثة الباص، تـزينهـم بزاتهم العسكرية المهيبة وأسلحتهم العزيزة، منذ اللحظة الأولى على الباص بأكمله ، والذي يقلّ ما يزيد على السبعين راكباً، ويتكون من طابقين، وصدرت الأوامر للسائق بالتوجه شمالاً نحو الحدود اللبنانية، وأصدر المجاهدون بياناً معلنين شروطهم للإفراج عن الركاب والمتمثلة في الإفراج عن (الشيخ أحمد ياسين)، و(الشيخ عبد الكريم عبيد)، والإفراج عن خمسين معتقلاً من (كتائب القسام وحماس)، وعن عشرة معتقلين من (فتح)، وعشرة من (الجهاد الإسلامي)، وعشرة من (الجبهة الشعبية)، وعشرة من (القيادة العامة).
كان هذا الهجوم المباغت في قلب زهرة المدائن التحدي الأكثر جرأة والأخطر لحكومة رابين العسكرية، ففي عقر دارهم المزعومة تنبت كتائب القسام بأذرعها المهولة تأسر الرهائن وتساوم وهم رهن حدودهم الوهمية وأسلاكهم التي جزأت الوطن السليب كانت تلك إهانة قاسية ولطمة شديدة أصابت (الكيان الصهيوني) وجيشه المتغطرس في قلب ادعاءاته الزائفة بوهم (الجيش الذي لا يقهر).
الكيان الصهيوني لم تعهد مثل هذا التحدي الكبير، فلم تقبل بأسر رهائنها في (عنتيبي) بأوغندا وأطلقت سراحهم في عملية عسكرية فهل تقبل اليوم بهذا التحدي المجنون؟!
وبينما كان الهوس العسكري لجيش رابين وجنرالاته يتفاعل لمواجهة التحدي القسامي المخيف والذي يحمل بصمة عز وفخار جديدة لون متميز ومذاق آخر، حـدث ما يشبه الارتباك داخل الباص المختطف نتيجة للعدد الكبير المتكدس في الباص وتفرق المقاتلون في جنباته استعداداً لأي طارىء.
وسادت حالة الفوضى وانطلقت رصاصات من أسلحة المجاهدين أصابت رأس البطل القسامي (صلاح عثمان) إصابة بالغة الخطورة رقد على إثرها في المستشفى في حالة موت سريري وينقل إلى غزة بعد اليأس من شفائه ليبدأ بعدها فيما يشبه المعجزة الإلهية مع بقاء إصابته بشلل في أطرافه السفلية.
وتنطلق رصاصات (ماهر ومحمد) لتهدئة الوضع وتصيب بعض الصهاينة ولكن كان قد فلت الزمام، فغادر الفدائيان (ماهر ومحمد) الباص على عجل واستقلا سيارة تقودها إحدى المغتصبات ..
إلى الفردوس الأعلى
وقرب مفرق (جييلو) العسكري الملاصق للقدس تنطلق قذيفة صهيونية باتجاه السيارة لتحرقها تماماً وتقتل قوات الاحتلال المغتصبة الصهيونية ويرقى الشهيدان (محمد وماهر) إلى الفردوس الأعلى في ملحمة بطولية حقيقية خالدة دونت بأحرف من دم ونار ونور في تاريخ المقاومة الفلسطينية الحديثة.
فكان (محمد) يحمل في خفقات قلبه وفلتات لسانه روح العطاء والجهاد، فقد نشأ في أحضان الحجر، ودرج خلف الأسلاك الشائكة، وأقسم ولاء البيعة والاستشهاد في خيام الرباط على أرض النقب الثائر، وسقط في ملحمة بطولية عز نطيرها وعلى ثرى بيت المقدس الطهور، فقد كان من أولئك الذين تذوقوا حلاوة المواجهة وعذوبة التحدي منذ نعومة أظفاره حيث انطلقت شرارة الانتفاضة المباركة وكان (محمد) في الخامسة عشرة ربيعاً من عمره، ورغم ذلك فقد كان بحق أحد جنرالات الحجارة وأحد مفجري الثورة في (مخيم الثورة) حتى أنه في كل مرة يعود فيها إلى البيت يحمد الأهل الله على سلامته فالرصاصات تمر إلى جواره والجنود يعتقلون أمثاله من أطفال الحجارة ، وذات يوم سقط إلى جواره الشهيد شاهر أبو حية، وفي مواجهة أخرى أصابته رصاصة (مطاط) في رأسه رقد على أثرها أياماً في المستششفى.
"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً"
بيان عسكري صادر عن:
كتائب الشهيد عز الدين القسام
هنيئا لك يا حور الجنة بشهداء الإسلام.. عملية التلة الفرنسية لن تكون الأخيرة على طريق تحرير الأسرى
شعبنا المجاهد المرابط:
إن كتائبكم المجاهدة (كتائب القسام) وكعادتها تزف إليكم بشرى استشهاد مجاهدين من مجاهديها:
1-الشهيد المجاهد: ماهر أبو سرور(أبو الشهيد) ابن مخيم عايدة هذا المجاهد المغوار الذي استطاع وبتوفيق من الله قتل وتصفية ضابط المخابرات المجرم (حاييم نحماني) قبل أشهر قليلة.
2-الشهيد المجاهد: محمد الهندي(أبو زيد) ابن جباليا هذا المجاهد المغوار الذي هجر نعيم الدنيا وأخذ يبحث عن نعيم الآخرة فوجد ضالته في الشهادة وصدق الله فصدقه الله ونال ما تمنى.
شعبنا العظيم...شعب الشهادة والاستشهاد:
في صبيحة يوم الخميس 11 محرم (1-7-93) صبيحة هذا اليوم المبارك وفاءً لأسرانا الأبطال، وانتقاماً لشهيدينا حاتم المحتسب ويعقوب مطاوع انطلق رجال كتائب الشهيد عز الدين القسام متوجهين نحو القدس مسرى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم نحو هذ البقعة الطاهرة عازمين على احتجاز حافلة صهيونية بمن فيها مزودين بما يكفيهم من أسلحة وذخيرة إذا لزم الأمر لاستعمالها، توجهوا وهم متفهمون لهدفهم ومطالبهم الشرعية التي وضحت في بيان وزع أثناء احتجاز الحافلة وكانت موضّحة على ظهر هذا البيان.
وسارت الأمور على ما يرام ولكن الصلف والعناد الصهيوني لا يفهم سوى لغة السلاح فقد حاولت حكومة المجرم رابين كسب الوقت والمماطلة مما حدى برجالنا بعد أن أجبروا على ذلك أن يطلقوا النار على الجنود ثم يستقلوا سيارة، وكانت المواجهة الأخرى عند حاجز القدس –بيت لحم حيث استشهد مجاهدانا بعد أن أوقعا في صفوف العدو عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.
إلى العالم أجمع:
إننا في كتائب القسام نحمل المجرم رابين المسؤولية الكاملة عما حدث، نحمله مسؤولية قتل مجاهدينا الذين سننتقم لهم قريبا إن شاء الله ونحمله مسؤولية الإصابات التي لحقت بالرهائن وهذا ليس غريبا عليه, فرابين المجرم هو الذي قتل جنديه نسيم طوليدانو من قبل، وإننا نستهجن ونستغرب أن يقوم البعض باستنكار جهاد مجاهدينا، نستغرب كيف يقدم هؤلاء على استنكار الجهاد في سبيل الله ولا يستنكرون صلف وعنجهية وعناد رابين وحكومته، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأخيرا فإن كتائبكم المجاهدة(كتائب القسام) تبشركم بمزيد من الضربات رغم أنف رابين وحكومته حتى ينكسر الصلف الصهيوني، ونعاهد الله على الانتقام المدوّي لشهدائنا.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
كتائب الشهيد عز الدين القسام
وحدة الشهيدين حاتم المحتسب ويعقوب مطاوع
2-7-1993م