الشهيد القسامي/ محمد غالب كامل منصور
صاحب العطاء والبذل المنقطعين النظير
القسام - خاص :
في تاريخ البطولة يصطفي الله رجالًا صدقوا ما عاهدوا عليه , يعتلون ذروة سنام دينه , ويرفعون لواءه , ويذودون عن حماه , ويحملون رايته , ويرابطون على ثغوره , وهبوا أنفسهم فداءً لدينهم , وأرخصوا أرواحهم ثمنًا لرضاء ربهم والفوز بجنته.
محمد .. هدوءٌ ملأ جنبات نفسه يرسم لوحة الأخلاق البديعة , وطاعةٌ ميّزت أفعاله تنقش صورة الأدب البهيّة , وصمتٌ كبير كسا شخصيته يروي حكاية الإخلاص ويحكي قصة الصدق ويرتل أسرار الفؤاد وخبايا القلب الباذل بعطاء والمضحّي بسخاء.
في باطن الأرض تفانى الجسد وتمازج العرق بالتراب , وتقلب الليل والنهار وتتابعت الأيام والأسابيع بين رمالها وكأنها مسكنه وموطنه , يعبدها بجهده وتضحياته , ويخضبها بحمرة دمه , ويعبقها بمسك شهادته , ويرسم طريقًا نحو فجر النصر القريب.
مسيرة الحياة
في السادس من أغسطس لعام 1990م كانت عائلة منصور على موعد مع استقبال أحد أبنائها لتغمر الفرحة قلب الوالدين وتعم أرجاء البيت الذي يضم سبعة من الأبناء , ليكون "محمد" من مبتدأ تسميته ترتسم شخصيته طوال حياته متأسيًا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومتخذه قدوة وأسوة.
منذ نعومة إظفاره تربى محمد على تعاليم الإسلام الحنيف في بيت متواضع ملتزم في حي تل السلطان غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة , وتعود أصوله إلى بلدة قسطينة التي هاجر منها أجداده قسرًا وظلمًا عام 1948م ليكبر في قلبه أمل العودة ويقين بتحرير الأرض.
درس شهيدنا المجاهد المرحلة الابتدائية في مدرسة "و" والإعدادية في مدرسة "أ" متميزاً بأخلاقه العالية وتربيته الحسنة , وأكمل دراسته الثانوية في مدرسة "بئر السبع" , وهو في كل مراحله الدراسية يملك قلوب من عرفه وقابله من الطلاب والمدرسين بأدبه العالي وسلوكه الراقي , و يستولي على همّه حب الهداية والخير لإخوانه الطلاب.
التحق محمد بكلية "عواجة" ليدرس "إدارة أعمال" , فأكمل فيها عامًا كاملًا ثم آثرته ميادين الجهاد والإعداد واستغرقت جلّ وقته وحياته.
بين أهله وإخوانه
نال محمد مكانة عالية لدى والديه يتبوؤها بهدوء طبعه الجم وطاعته الكبيرة , فحاز محبة والدته باراً مطيعاً لها لا تطلب منه شيء إلا يسمع ويطيع , ولم تغب هذه الروح عن والده يعامله بأدب واحترام ويعتمد عليه كثيرا وكأنه سند ومرتكز في البيت.
غمر محمد بحبه وأخلاقه إخوانه وأخواته وأهل بيته , كما وكان بارا برحمه واصلاً لهم يزورهم باستمرار , ولم يفتأ أن يساعد إخوانه وأصدقاءه متميزًا في جانبه الاجتماعي معهم تربطه بهم علاقة أخوية ممتازة كما عبّروا مما كان لاستشهاده أثرًا في قلوبهم ولوعة على فراقه , يقدّم كل ذلك مستحضرًا وصية النبي صلى الله عليه وسلم :"المؤمن للمؤمن كالبنيان , يشد بعضه بعضًا".
عطاء جهادي منقطع
في مقتبل الحياة كان الوجدان شغفاً , ومبكراً كان الفؤاد مولعاً بالجهاد في سبيل الله والذود عن حياض شعبه وأمته , ماضٍ في دربه وألحان الكفاح أنشودة حياته , فحدت به أشواقه للعمل العسكري ليكون أحد أبناء كتائب القسام الميامين في كتيبة "يبنا" كتيبة الصحابي الجليل خالد بن الوليد , متميزاً بهدوئه وكتمانه الشديدين , وتأثر كذلك باستشهاد عمّه القائد في كتائب القسام نافذ منصور.
احتلّ عمل الأنفاق القسامية كل حياة شهيدنا , ومكث قرابة سبع سنين يكدح فيها كدح الإعداد ليذيق الصهاينة المجرمين جحيمها وكدح الإمداد ليصل إلى النصر والتمكين , فكان ليلًا ونهارًا في عطاء الجهاد حتى أنه كان يغيب عن أهله لأسابيع لشدة انشغاله.
كان محمد شديد الكتمان وكذلك صاحب عقل متفتح لا يرى أي شيء إلا ويلصق في ذهنه , مما جعله يتقن كل شيء ويتواجد في كل ميدان وجعل إخوانه يختارونه في الأعمال الخاصة ولا يوكلونها إلا له لشدة إخلاصه وسريته , وكذلك يتقدم إلى الأعمال الصعبة بكل جرأة نفس وشجاعة قلب.
بين الساعات والأيام والأسابيع الطويلة تحت الأرض وبين الرباط في سبيل الله على الحدود الشرقية لمدينة رفح كان يقضي وقته , من جهادٍ إلى جهادٍ آخر ومن عطاءٍ إلى عطاء , فهكذا هم الشهداء وهذه صفاتهم وسماتهم باعوا أوقاتهم لمليكهم. شعر ...
لم يصدر ذلك العطاء والبذل المنقطعين النظير إلا من نفست أحبّت ربها وابتغت رضاه وسعت في طريق العبادة والطاعة تنشد قربه والفوز بجناته وفردوسه , فمنذ صغره كان المسجد قبلته يؤدي صلواته الخمس في مسجد المؤمنين , حتى في غمرة العمل وشدته يحرص على أداء عبادته وصلواته ويحث إخوانه على ذلك , كما وكان دائم الاستماع إلى القرآن أثناء عمله.
انتمى محمد إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس ليكون أحد العاملين فيها لدينه ودعوته , يشارك في كافة أنشطتها وفعالياتها ومسيراتها كلما سمع النداء لبّي , وانتهج فكرها ونهجها.
وترجل البطل
ما أعطر مسك الشهادة وأطيب عبقها..! , تهبُّ ريحها من السماء وجنانها , معلّقة حول العرش بقدر سموها واصطفائها , تطوف بين أنهارها وأشجارها ونعيمها , فلله درّ أشواقك محمد , تبغي المعالي وتسابق الرفعة والمجد , وتهبها روحك ونفسك....
قبل يومين من استشهاده توجه إلى العمل في الأنفاق لتفقد سيره وكان يرتدي ملابس جديدة , فقال له أحد إخوانه:" بدك أجر ؟ , فقال: نعم , فرد عليه: ابدأ في الحمل , وأخذ يعمل ويشتغل بكل طيب نفس وبذل وعطاء" , وكذلك قبل يوم من استشهاده وفي ظل صعوبة العمل وشدته كان يقول:"إن شاء الله يا بتخلص عليّ يا بأخلص عليها".
صباح يوم 2/9/2013م توجه محمد إلى عمله ودخل ليتفقد العمل ويجهز ليبدأ الشاب وما هي إلا لحظات , ومكث قرابة 3 ساعات تحت الأرض..."
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}
بيان عسكري صادر عن :
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
كتائب القسام تزف المجاهد محمد منصور الذي استشهد إثر انهيار نفق للمقاومة
وقوفاً في وجه طواغيت الأرض الصهاينة، وتلبية لنداء الدين والوطن، يخرج مجاهدو القسام في كل يوم ليكونوا درعاً حصيناً لوطنهم وشعبهم، يحملون راية الجهاد والنصرة للمظلومين والمقهورين والمحاصرين، يقفون في كافة الميادين ويتقدمون الصفوف بكل عزيمة وثبات وإرادة لا تلين وثقة بنصر الله، يعدّون العدة ويحشدون القوة لمقاومة الاحتلال ويخوضون معركة التحدي والصمود، لا يعرفون التراجع أو الانكسار أمام بطش العدو وإرهابه، رغم شدة الهجمة وعظم التضحيات.
تزف كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية فارساً من فرسانها الميامين:
الشهيد القسامي المجاهد/ محمد غالب كامل منصور
(23 عاماً) من مسجد "الإسراء" في حي الجنينة برفح
والذي ارتقى إلى العلا شهيداً – بإذن الله تعالى- اليوم الاثنين 26 شوال 1434هـ الموافق 02/09/2013م إثر انهيار نفق للمقاومة، وقد جاءت شهادته بعد مشوار جهادي عظيم ومشرّف، وبعد عمل دؤوب وجهاد وتضحية، نحسبه شهيداً ولا نزكي على الله أحداً.
ونسأل الله تعالى أن يتقبله في الشهداء، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان، ونعاهده وكل الشهداء أن نبقى على طريق ذات الشوكة حتى يأذن الله لنا بإحدى الحسنيين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
الاثنين 26 شوال 1434هـ
الموافق 02/09/2013م