الشهيد القسامي / مخلص محمود عبد الله عدوان " أبو علاء "
أخلص لله فاصطفاه شهيدا
القسام ـ خاص :
أيها العطر الشاذي في سماء الطيبين ، أيها الحب الدافق من قلوب العاشقين ، أيتها الحروف الساكنة بجنبات المجاهدين ، كان منكم مخلص مضى وارتحل .
لا تكبله القيود ولا توقفه الحدود حلق عاليا أبا علاء ، نظرت إليه السماء فرأته اسما على مسمى ، فرحت به ورحبت بمقدمه ، كان كلما حدق بها استشعر رونقها وزادت له حبا ، ثارت غضبته لما انتهكت حرمتها ، غاب عنها يعد مهرها ، جهز ثمنا لصفائها ، وقدم فداء لها كل ما يملك ، لم يشأ أن يخدش زرقتها سواد حام كالغربان ، صمم أن يكون من النسور الكواسر فأفسحت له فضاءها ، ثم احتضنته.
اسمك مخلص وأنت مخلص ، هنيئا لروحك سكنت ما أحبت ، رحمك الله وتقبلك ، وأسكنك فسيح جناته بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا .
نبتة في لجوء
في طريق ممتد عبر بوابة الزمن ، صبغت تربته بألوان الشجن ، وابتلت جذوره من ألم ينصب فوق ألم ، كل محاولات طمسه باءت بالفشل ، كلما حاولوا خنقه أزهرت بحافتيه سنابل الأمل .
بأخبث يد دقت ساعة النكبة وهجرت عائلة عدوان قرية "بربرة" قسرا بأجسادها لا أروحها ، وزحفت من الشمال إلى الجنوب فمكثت في مخيم الشابورة علامة على اللجوء ، ولأن اللاجئ بلا مأوى توجهت العائلة إلى معسكر كندا في الجانب المصري عام 1975م وسكنت هناك على أمل العودة ، في تلك الفترة أنجب الحاج محمود عدوان رحمه الله أربعة أبناء وابنة ، وجاء تاريخ الواحد والثلاثين من يناير عام 1982م ليبشره بميلاد توأم كانا ختام ذريته فاختار بفطرته النقية تسميتهما مخلص وأمين .
في تلك الغربة ومن حياة اللجوء الصعبة أطل مخلص على دنيا قاتمة عكر صفوها محتل غاشم ، ومع مضي الأيام أخذت شخصية مخلص القوية تتشكل وبدأت ملامح شجاعته وبسالته تظهر واضحة عليه . كان على اتصال وثيق بقضية وطنه فتأثر منذ طفولته بأحداث الانتفاضة الأولى وكان يشارك في الفعاليات والمظاهرات التي خرج الفلسطينيون فيها من معسكر كندا للتضامن مع أهلهم داخل حدود الوطن .
وفي عام 2000م قدمت عائلة عدوان مع المئات من الأسر الفلسطينية لتقطن في حي كندا غربي محافظة رفح جنوب قطاع غزة .
منبت حسن
ولأن مخلص من سنابل الأمل للوطن الغالي نشأ نشأة إسلامية في بيته العريق المعروف بالتزامه وتدينه وتمسكه بتعاليم الإسلام الحنيف . وتشرب في محضنه معاني الصدق والوفاء والبر والاحترام والبطولة والرجولة والشجاعة والإقدام ، وكان شبها لأبيه وإخوته في طيبتهم وحسن أخلاقهم ، كما عرف مبكرا خطى روحه فأهداها سبيلها حفاظا على صلاة الجماعة بصحبة والده في مسجد سعد بن أبي وقاص. ومن هذه الأجواء الإيمانية تعبق فؤاده وامتلأ ، وزكت نفسه وتطهرت ، وصار بفطرته السليمة وتربيته المباركة اسما على مسمى .
علم وطموح
في حياة صفوة الرجال تكمن الهمم العاليات والأمنيات العظيمة ، لا يتأخرون البتة في أي ميدان يخوضونه ، رسموا لهم في الحياة طموحا نبيلا . درس مخلص المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدرسة خديجة بنت خويلد بمعسكر كندا في مصر ، وكان مثالا للفتى المجد الخلوق ، وأكمل دراسته لينهي المرحلة الثانوية في مدرسة كمال عدوان برفح . ودرس في جامعة القدس المفتوحة فتخرج من كلية الشريعة وأصول الدين .
وحمل في صدره أمنية إكمال الدراسات العليا ، وقام قبيل استشهاده بالتسجيل في معهد لدراسة اللغة الانجليزية وكان يوم استشهاده اليوم الأول لبدء الدراسة في المعهد .
وعلى مقربة من رحيله وصى مخلصا زوجته على ابنته سجى وابنه علاء مشتهيا أن يراهما حافظين لكتاب الله .
آيات البر
تحار الحروف كلما أوغلت في حياة مخلص الإنسان ، وتبهرك روعة سلوكه الذي ينم عن رقي في الأخلاق ورصانة في التربية ، وتدلك صفاته الجميلة على طريق المحبة ودرب القبول .
وكأن الحب معين لا ينضب في قلب والدين عاشا لأبنائهم إلا أن منزلة خصصت لمخلص نظرا لما تمتع به من فنون المعاملة فهو الابن البار والولد المطيع ، وأضيف إليها فراقه لأهله برفقة شقيقه أمين سنوات عدة متغربا في الضفة نظرا لالتحاقه بصفوف الأمن الوطني . وبلهفة الأبوة كان والدهم ينتظر سماع صوتهما ويحن لعودتهما وتأثرت صحته كثيرا نتيجة قلقه عليهما وخوفه أن يصيبهما أية مكروه وهما بعيدان عنه.
وكان موقفا مؤثرا حين عادا إلى قطاع غزة وعانق الوالد قطعة منه غابت عنه بعدما كان الخطر يحدق بها ، وكذلك مخلص حزن حزنا شديدا حينما فارق والده الذي توفي متأثرا بجلطة دماغية في الثالث عشر من أغسطس عام 2006م . وبقيت ذكرى أبيه حية يانعة في قلبه مما دفعه إلى التوجه نحو قبر أبيه صبيحة يوم زفافه بعد عامين من فراقه .
ولمست أمه عطفه وبره وحنانه فكان يهوى إدخال السعادة عليها ويستعجل تنفيذ أمرها ، تقول :" كنت بمجرد أن أتمنى شيئا أو أذكر له غرضا خطر ببالي يسارع في تلبيته وشرائه من جيبه ، وهذه نظارتي تشهد أنه أخذها بعدما كسرت دون علمي وتفاجأت به وقد أصلحها وأحضرها لي فأسعدني بذوقه وحرصه".
وأغدق بالحنان على من حوله من إخوته وذويه وأقاربه فنطقوا بحبه وشهدوا بلطفه ، وجد ذلك أخوه الأكبر هشام عندما كان مسافرا مطلع التسعينيات فكان مخلص يبدي حرصا على مراسلته ومحادثته والاطمئنان عليه ، وكانت بينهما ثقة عالية فكان مخلص يعتبر أخاه سندا له يلجأ إليه يسمع مشورته ويصغي لنصحه في الكثير من شئون حياته . وتميز مخلص بحسه المرهف وتفقده لحاجة إخوانه والمسارعة في حملها فكانت له مساهمة كبيرة في تجهيز شقة أخيه مبادرا في شراء نوافذها .
وتأصلت فيه معاني العطاء ومعالم الكرم والجود فلما طلبت منه أخته مبلغا من المال وتأخر عليها بعض الشيء جاءها معتذرا وأعطاها ضعف المبلغ .
وفي (بصمة عطف) نسطر مواقف خاصة تحكي عن أصالة الخير المكنون في أعماقه ، ونشير إلى بعض ما ذكر عن نزعة البر التي سرت بداخله سريان الدم في العروق .
بصمة عطف
* في يوم إعلان نتائج الثانوية العامة كانت العائلة تترقب نتيجة ابنة أختهم ، وخيم الحزن على ابنة الثانوية العامة لأنها لم تحقق المعدل الذي ترغب فيه ، لم يكن مخلص حينها في البيت وأثناء متابعة العائلة للتلفاز تفاجأ الجميع باتصال مخلص على فضائية الأقصى وقدم تهنئة لابنة أخته مباركا لها نجاحها ، وعند عودته للمنزل أحضر معه هدية مغلفة بغلاف كبير ولما فتحته وجدت غلافا آخر أصغر وكان يمازحها بأنه أحضر لها هدية بسيطة ، وأدهشها في ختام فتحها للأغلفة بهدية غالية الثمن ، وبذلك أضفى مخلص جوا رائعا على العائلة ، وكان رحمه الله صاحب إطلالة خاصة في شتى المناسبات حاضرا مشاركا بوجدانه الحي.
* امتد بره وخيره ليصل الضعفاء والفقراء حيث كان مخلص يتعهد رجلا فقيرا يسكن حاليا في منطقة نائية برفح فكان يعطيه باستمرار ويتواصل مع أهل الخير لكفالته ، والعجيب أن معرفته بالرجل تكونت أثناء سكنهم في معسكر كندا بمصر ، ولم ينساه مخلص بعدما افترقا وتباعدت بينهما أماكن السكن .
* تحدثت زوجته قائلة :" جاء إلى مخلص رجل صديقه وشكى إليه مرضه ، فما كان من مخلص إلا أن دخل البيت وأخذ كل المبلغ الموجود في المنزل وأعطاه إياه".
ولمس الصغار حنوه وعطفه فكان يعتاد صحبة أبناء إخوته معه إلى الدكان إذا ما أراد الشراء لأولاده ( سجى وعلاء ) سعيدا بسعادتهم وفرحا بفرحهم .
قتال الضفة
استطاع مخلص أن يلتحق بدورة عسكرية في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة مطلع عام 2000 م ، وانتقل برفقة أخيه أمين إلى الضفة الغربية ليخضع لتدريب قاسي تم على إثره فرز مخلص ليعمل في جهاز الأمن الوطني نظرا لما كان يتمتع به من صفات الجندية واللياقة البدنية العالية والشجاعة والإقدام إضافة إلى تفانيه في كل عمل يقوم به .
وواجه مخلص صعوبات معيشية وأمنية جمة خلال تواجده في الضفة ، وتأثر والده بغربتهم وبظروفهم الصعبة مما انعكس على صحته ، ورغم ذلك أبدى مخلص قدرة جمة على التحمل والصبر . ومما كان يبهجه في الضفة مناظرها الطبيعية الخلابة لا سيما الثلوج التي كانت تتساقط على جبال الضفة بحلول فصل الشتاء .
وخلال فترة عمله في صفوف الأمن الوطني تم وضع مخلص بالقرب من مناطق احتكاك وتماس مع قوات الاحتلال وتزامن ذلك مع عملية السور الواقي التي شنها المحتل المجرم ضد مناطق السلطة في الضفة ، لكن الشهم الأبي لم يقف إزاء الأحداث متفرجا وثارت فيه نخوته الوطنية فانخرط في العمل المقاوم متصديا لقوات الاحتلال المتوغلة وخاض ضدهم العديد من الاشتباكات والتي أدت إلى مقتل وإصابة عدد من جنود الاحتلال .
وخلال أيام العملية اعتقلت قوات الاحتلال الصهيوني عددا كبيرا من أفراد الأجهزة الأمنية فكان مخلص من بينهم وتم ترحيله هو وشقيقه أمين فعادا إلى قطاع غزة .
وكان مخلص على رأس عمله مثابرا معطاء حتى بات من نخبة الأفراد الملتحقين بجهاز الأمن الوطني وواصل عمله بعد الحسم العسكري فكان من بين القوات التي أمنت معبر رفح وقابل قطع راتبه بالاحتساب في سبيل الله .
روح الجهاد
عاد مخلص من الضفة وكأن بعث الجهاد قد صاح فيه لا ترضى القعود ، ومضى باحثا عن وجهة ليعبر من خلالها عن حسه الوطني فانضم إلى صفوف كتائب شهداء الأقصى مع مجموعة من أصدقائه شارك معهم في العمل المقاوم. وفي تلك الأثناء وجد مخلص في نفسه رغبة ملحة للعمل تحت لواء إسلامي جهادي مقاوم يعكس تربيته وينسجم مع المعاني التي تشربها في أسرته وانسكبت بداخله وهو صاحب الالتزام الديني والمبادئ السامية التي لا تقبل المساومة ، فوجد في حركة حماس بفكرها الإسلامي وطرحها للقضية الفلسطينية ضالته وقرر الالتحاق بجناحها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام بادئا رحلة جهادية جديدة مطلع عام 2004م .
رجل قائد
مس الشوق للجهاد شغاف قلب أبي علاء وكشف الوقت عن شخصية عسكرية مميزة في اتزانها وفطنتها وقدراتها الاجتماعية والعسكرية ، وظهرت عليه ملامح القيادة بعدما خطى في مشوار الجهاد يرابط على ثغور الوطن ويحمي حدوده ، ورغم حداثة التحاقه بالقسام إلا أنه أثبت جدارته واستطاع حيازة ثقة إخوانه بسرعة مما أهله ليكون مسئولا عن مجموعة قسامية في سرية مسجد سعد بن أبي وقاص غربي رفح .
وكان في عيون قائد سريته عملة نادرة لا يمكن التفريط بها ، ونظرا لما تمتع به من صفات الرجولة والإقدام ولما رأى فيه من صدق النية والعزم كان يحدثه فيقول :" أنت مخلص واسمك مخلص".
أخلص مخلص
في موازين السماء لا يصلح للارتقاء إلا الصادقون الأنقياء الأتقياء الأخفياء ، وكأنها تستقبل من هذه القلوب المفعمة بالإخلاص شارات الأماني فتكون الإجابة ويتحقق الاصطفاء ، فيا لفخرك أبا علاء ويا لسعادتك وهذه البشارة تزف إليك لتكون أحد صفوة المجاهدين الذين تم اختيارهم لينضموا إلى وحدة الرشاشات القسامية التي طلب إليها الاستشهاديون . جاء مطلع 2008 م افتتاحا لمرحلة جديدة من الصراع والتحدي لأعتى ترسانة عسكرية في المنطقة ، خرج مخلص مع إخوانه لمجابهة الطائرات والزوارق بما أوتوا من عقيدة راسخة وفي صحبتهم عدة قليلة وسلاح متواضع لكن إيمانهم كبير وثقتهم بالقوي المتعال جل وعلا عالية .
كان من طليعة وحدة الرشاشات القسامية في المنطقة الغربية فشارك في عشرات المهمات الجهادية الخطيرة متصديا بالسلاح المتوسط والثقيل للطيران المروحي والمطاطات والطرادات العسكرية .
أبدى أبو علاء حنكة وجرأة في الكثير من المواقف التي يعجز القلم عن وصفها واللسان عن الحديث عنها إنها مجابهة غير متكافئة القوى لكن الشباب المجاهد بات أقوى بما امتلك من عقيدة وصبر وتحدي .
ارتقى مخلص ليكون مسئولا عن مجموعة في تخصص الرشاشات وخاض ملاحم البطولة برفقة صديقه ورفيق دربه الشهيد القائد شادي الزطمة وكان من بين القوة في الإسناد البعيد التي غطت على دخول المجاهدين في عملية نذير الانفجار البطولية .
لم يكن يبالي مخلص بحجم الخطر المحدق بهم وكان يمارس مهامه الجهادية بهدوء وحنكة وإقدام ، فلما أصيب أحد أفراد مجموعته كانت ردة فعله معتبرة ودل على قدرته على القيادة واستطاع الانسحاب من المكان وإخلاء المصاب بهدوء وبعد رحلة العلاج الطويلة ومع قدوم ذوي المصاب للمستشفى عاد مخلص إلى مكان المجاهدين ليتفقدهم وواصل مهمته الجهادية دون تردد .
وكانت أيام حرب الفرقان شاهدا مباشرا على بسالة مخلص وإخوانه المجاهدين الذين سهروا الليالي يراقبون السماء ليطهروها من الغربان السامة ويحموا ظهر المجاهدين والمقاتلين في الميدان.
نسر القسام
شق أبو علاء طريقه نحو صفوة الصفوة بإقدام وشجاعة لا يهاب الموت بل يسير نحوه طلبا للشهادة ، ومع أول تشكيل لوحدة الدفاع الجوي القسامية تم اختياره ليكون ثالث ثلاثة في هذا التخصص .
وخاض الأيام والشهور والسنين في رحلة التدريب الطويلة فكان من أبرز مجاهدي رفح تفوقا وكفاءة وحسن أداء ، وأبدى مخلص صدقا وصبرا طوال هذه الفترة كما تمتع بسرية وكتمان كبيرة فلم يكن أحد يعلم عنه شيئا. ونظرا لتميزه اختير ليكون أحد مدربي وحدة الدفاع الجوي في الكتيبة الغربية.
وعقب ارتقاء القائد شادي الزطمة شهيدا تأثر مخلص أيما تأثر وبكاه بكاء حارا وهذه الأرواح التي التقت في أجمل طريق وخير سبيل قد افترقت فبات مخلص في شوق للحاق ، وتم تكليف مخلص ليعقب مكان شادي في وحدة الدفاع الجوي نائبا لمسئول الكتيبة فكان خير قائد خلف خير قائد .
وحلق عاليا كالنسر يطارد غربان السماء ومضت عليه الأيام والأيام على مستعدا يرقب لحظة الإذن بالانقضاض ، وفي قلبه أمنية ليست كالأماني بل هي أعظمها وأجلها !! كان يرد على من يدعو بالتوفيق للمجاهدين أمامه ( اللهم آمين ).
خطوات الشهادة
أيها النسر جاء وقت التحليق عاليا ، أيها المخلص حان الموعد المنتظر ، قدمت معركة حجارة السجيل لتفرج عن طير أبابيل طالما تمنت وارتقبت لحظة المواجهة وساعة الملحمة ، منذ اليوم الأول أعلن الاستنفار وتأهب لينفذ المهمة البطولية بعدما جاءت الأوامر لهم باستهداف طائرات الاحتلال التي تخترق أجواء قطاع غزة .
تهلل مخلص كثيرا مع خبر قصف مدينة القدس فقال لصديقه ممازحا :" في صاروخ عابر للقارات طلع ". كان يوم الجمعة (ثالث أيام المعركة) يوما مشهودا في حياة مخلص حيث بدت عليه علامات الفرح والمداومة على الذكر والتسبيح ، وخلاله أحضر طعاما للمجاهدين وتناول معهم وجبة الغذاء ، ولما عاد للمنزل صعد إلى أعلى المنزل وأخذ ينظر للأجواء ويقول (الوضع تمام) ومما أنشده حينها ( الست دي أمي ) ثم نزل وسأل عن إخوته واحدا واحدا وكأن إحساسا جاءه بإلقاء نظرة الوداع .
أصر مخلص على مسئوليه أن يواصل رباطه وارتقابه عسى أن يكون صاحب شرف استهداف طائرات العدو وإسقاطها ، وبعد ليلة من الرباط عاد للمنزل والتقى بزوجه وسألها مرتين ( بدك حاجة يا أم علاء ؟؟ ) ثم خرج ليكمل مهمته الجهادية صلى الفجر مرة في المنزل ومرة أخرى جماعة بإخوانه المجاهدين ، ومع إشراقة شمس صباح السبت 17 / 11 / 2012م وهو متمترس خلف سلاحه طلب من إخوانه إحضار وجبة إفطار وكان باديا عليه فرحه واستبشاره الكبير . بعد قضائه لحظات رائعة مع إخوانه تجهز لإطلاق صاروخه باتجاه الطيران المحلق بكثافة في سماء رفح إلا أن طائرة استطلاع باغتته ورفيقه المجاهد حسام الهمص بصاروخ أصابهم إصابة مباشرة وكانت جراحه مخلص بالغة الخطورة.
أمانة مودع
والدم يشخب من جروحه ، والأنفاس تعد لحظاتها الأخيرة ، والنفس في إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة ، والروح أيقنت بالرحيل ، وقد اقتربت النهاية ، وأوشكت الشهادة ، فيم كنت تفكر ؟؟ ما الهم الذي بقي يراودك ؟؟ ما الذي دار في خاطرك عند تلك اللحظة الحرجة ؟؟ سمع سكان مخيم بدر غربي رفح صوت الاستهداف فهرعوا إلى المكان ، وجد أول الواصلين مخلصا ملقى على الأرض والدم ينزف منه بغزارة احتضنه وضمه إليه قال لمخلص مطمئنا :" انتا كويس" فرد عليه قائلا :" دير بالك على الأمانة ، وصل الأمانة لأصحابها ". أي هم وأية همة بقيت معك ؟ كان يفكر في استمرار العمل ، أتدري ما هي الأمانة ؟ إنه السلاح ، أوصى وصيته الأخيرة.. واصلوا المقاومة أكملوا المشوار لا توقفوا الكفاح ، يا عالم الأرواح هنيئا لك هذه الأرواح .
ذهبوا به إلى الإسعاف نطق الشهادة ثلاث مرات وضحك ضحكة عالية ثم توقفت أنفاسه وارتحل ، ماذا رأيت؟؟ بم استبشرت؟؟ ما الخبر ؟؟ خبر هو لك أسعد خبر.
ميلاد مخلص
أبشر يا مخلص فمسيرة الإخلاص لن تتوقف ، وصلت الأمانة وتشبثت يد المجاهدين بالسلاح ، لا تقلق أيها القائد فرجال القسام من خلفك سيسلكون ذات الطريق ، سيكملون ما بدأته ، سيهزمون الصهاينة برا وجوا وبحرا ، سيحررون الأرض التي شربت من دمائك واحتضنت جسدك الطاهر.
هي مشيئة الله وحكمته البالغة أن يصطفي الوالد ليهب الابن ، أن يختار مخلصا ويعوض بمخلص ، بعد مضي سبعة أيام على وداع مخلص شهيدا خرج إلى الدنيا مخلص جديد وبدأ الحياة من يومها الأول . والوصية هي الوصية ، والأمانة لن يضيعها الرجال .
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة حجارة السجيل.. دماء رسمت معالم درب التحرير
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة..
وكانت "معركة حجارة السجيل" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها معاني النصر على طائرات الاحتلال وآلة حربه وأسطورة جيشه الذي لا يقهر، وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة، وجعلت العدو يولول ويستجدي وقف إطلاق النار بعد أن أرغمت صواريخ القسام قادته ومغتصبيه على النزول إلى الملاجئ في تل الربيع والقدس والمناطق الرئيسة في الكيان، وحطمت نظرية أمنه المزعومة..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة حجارة السجيل" التي بدأت بتاريخ 14-11-2012م وانتهت بتاريخ 21-11-2012م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركـة حجـارة السجيـل