الاستشهادي/ معاوية محمد نصر جرارعة
رفض الزواج وأتقن فن الشهادة كما أتقن فنون الكاراتيه
القسام ـ خاص:
هم رجال صدقوا الله فصدقهم الله.. طلقوا الدنيا ليشتروا الآخرة..أبطال سطروا بجهادهم أروع الملاحم القسامية.. التقوا مع بعضهم البعض في أحراش عصيرة القسام.. وتتلمذوا على يدي قائدهم أبو الهنود الذي زلزل أركان الاحتلال..
قصتنا في هذا التقرير عن واحد من خمسة مجاهدين باتت أرواحهم تحلق في جنان الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء.. إنه الاستشهادي القسامي معاوية جرارعة الذي فجر نفسه في عملية مزدوجة بالقدس المحتلة عام 1997م موقعاً عشرات القتلى والجرحى في صفوف الصهاينة المحتلين.
الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا معاوية محمد أحمد نصر الله جرارعة في العام 1974م في بلدة عصيرة الشمالية شمال مدينة نابلس في الضفة الغربية، ونشأ وترعرع وسط عائلة ميسورة الحال وفي ظل حنان مميز له من والديه وإخوانه الذين كانوا يدللونه كونه كان أصغرهم سناً.
ورغم أن الدنيا فتحت أبوابها لشهيدنا معاوية المكنى "بأبي دجانة" وكان بإمكانه التلذذ بمغرياتها وملذاتها إلا أنه فضل الباقية على الفانية ورسم لنفسه طريقه إلى الجنة واضعاً نصب عينيه أسرع الطرق لذلك وأعظمها عند رب السموات والأرض ألا وهي الشهادة، حيث يقول والده المسن أبو ضرار بأنه قد عرض على ابنه معاوية الزواج وهو في سن الثامنة عشرة من عمره كما سائر إخوانه الذين تزوجوا وهم في مقتبل الشباب إلا أن معاوية رفض الفكرة رفضاً قاطعاً دون أن يبدي الأسباب، وعكف بدلاً من ذلك على تعلم فنون الكاراتيه أثناء عمله في مدينة نابلس.
ويؤكد والده أن شهيدنا كان محبوباً جداً من كل من كان يتعامل معه ومن جيرانه وأهله وأصدقائه وجميع أهالي البلدة، مضيفاً "كان شاباً لطيفاً جدًا حسن السيرة والسلوك صادقاً قنوعاً أمينناً وكان فوق كل ذلك تقياً حيث كان الناس يصفونة بهذة الصفات لوالدة ولم يتذمر منة أي انسان وكان عدو التدخين لا يؤمن مطلقاً بالحرام يصوم ويصلي ويؤدي الفرائض المكتوبة ويحب تأدية النوافل.
أحب معاوية الرياضة منذ نعومة أظافره حتى أنه أشتهر بين أقرانه بعشقه للتحدي في الرياضة، فكان دائماً يحتل المرتبة الأولى في السباق بسبب رشاقته وقوة شكيمته وبنيته الجسدية القوية، ليصدق فيه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، وبموازاة ذلك كان شهيدنا أشد عشقاً وحباً لوطنه وأرضه التي كان يقضي فيها جلّ وقته ويساعد والده وإخوانه في زراعة الأرض وحراثتها.
بعد أن أنهى شهيدنا دراسته الثانوية بالفرع الزراعي في مدارس عصيرة الشمالية وكان ترتيبه الثاني، التحق بكلية عروب الزراعية في مدينة الخليل، إلا أنه لم يكمل دراسته لظروف خاصة به، وعاد إلى مدينة نابلس للعمل قبل أن يصبح ملاحقاً من قوات الاحتلال ويختفي عن الأنظار بصورة قاطعة.
انضمامه لحركة حماس
انخرط شهيدنا في حركة المقاومة الإسلامية حماس بصورة فعلية في العام 1994م، حيث انتظم في صفوف الشباب المسلم المسمى في حينه (شباب مساجد عصيرة الشمالية) وكان مميزاً في عباداته وروحانياته والتزامه الشديد بصلاة الجماعة في المسجد خاصة صلاة الفجر.
وفي هذه الفترة كان الشهيد القسامي القائد محمود أبو الهنود على موعد مع العودة لأرض الوطن بعد أن كان قد أبعد إلى مرج الزهور برفقة أكثر من 400 قيادي وناشط من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ولاحظ الشهيد أبو الهنود السمات المطلوبة للمجاهدين في شهيدنا معاوية حيث أعجب أبو الهنود بقوة عباداته وروحانياته بموازاة رشاقته وقوته الجسدية وشجاعته البارزة، حتى أن الشهيد أبو الهنود قال عنه في إحدى المرات "معاوية له مستقبل في العمل الدعوي والجهادي".
ولأن القائد أبو الهنود كان ذو نظرة ثاقبة بالرجال ولا يخيب ظنه بهم قرر أن يتقرب من معاوية تمهيداً لضمه إلى إحدى الخلايا القسامية التي كان يعكف على تشكيلها في منطقة نابلس، حيث كان أبو الهنود معنياً بتنظيم معاوية خاصة أنه كان ماهراً برياضة الكاراتيه وسرعة الحركة وقوته الجسدية وتلك صفات كان أبو الهنود يحرص على توفرها بالمجاهدين الذين يعملون معه وتحت قيادته.
وبالفعل تم للشهيد أبو الهنود ما أراد حيث انضم الشهيد معاوية عام 1995م إلى خلية تابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام في منطقة نابلس، وكان في عضوية الخلية كل من الشهداء توفيق ياسين وبشار صوالحة ويوسف الشولي.
وبعد أن اكتمل تشكيل الخلية وأصبحت جاهزة لإثخان الجراح بالعدو الصهيوني بدأ أفراد الخلية جهادهم بعملية محكمة شمال مدينة نابلس، حيث استهدفوا بالرصاص سيارة صهيونية كانت تسير في طريق الباذان مما أدى إلى مقتل طبيب صهيوني وإصابة مرافقه بجراح، وعند الانسحاب من مكان العملية ارتطمت سيارة المجاهدين بصخرة كبيرة في المكان مما دفعهم للترجل من السيارة والمسارعة بالانسحاب مشياً على الأقدام قبل هروع قوات الاحتلال.
بداية المطاردة
ورغم أن العملية التي كانت باكورة نشاط الخلية قد نجحت في النيل من الصهاينة بإيقاع الخسائر في صفوفهم إلا أن السيارة التي بقيت في المكان قادت إلى المنفذين وأصبحوا مطاردين لدى الاحتلال الصهيوني.
ويتحدث والده عن بداية مطاردته قائلاً: "في إحدى الليالي أخبرني معاوية أنه سينام عند أولاد عمه في منزلهم الكائن على أطراف القرية، وفي حقيقة الأمر لم أعط الموضوع أي اهتمام كونني كنت أعرف أن ابني تربطه علاقة قوية مع أولاد عمه، إلا أنني فوجئت بعد منتصف بجيش الاحتلال يطوق منزلنا ويسأل عن معاوية".
ويكمل الحاج أبو ضرار: " أجبت الضابط الصهيوني بأن ابني نائم هذه الليلة عند أولاد عمه، وبالفعل توجه الجيش الصهيوني إلى منزل عمه، إلا أن معاوية تبين أنه لم يكن في المنزل، وهنا بدأت المأساة حيث أصبح جيش الاحتلال دائم السؤال عن معاوية إضافة إلى السلطة الفلسطينية التي طلبت ابني أكثر من مرة".
الاعتقال في سجون السلطة
وبعد فترة بسيطة من المطاردة تم اعتقال شهيدنا معاوية ورفاقه على يد أجهزة السلطة الفلسطينية، حيث تم زجهم في سجن الجنيد بمدينة نابلس، في مفارقة عجيبة وغريبة، فبدلاً من أن يكرّم المجاهدين وتضرب لهم التحيات يزج بهم في السجون والمعتقلات كما هو الحال في هذه الأيام، لكن ما يدمي القلب أن الظلم من ذوي القربى كما يقول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند
ونظراً للقدرات الكبيرة التي كان يتمتع بها أفراد الخلية ولأنهم تلامذة القائد أبو الهنود، نجح شهيدنا معاوية وإخوانه المجاهدين بالفرار من سجن الجنيد بعد 6 أشهر من اعتقالهم وأصبحوا مطاردين بين أحراش وجبال عصيرة القسام تلاحقهم قوات الاحتلال وأجهزة السلطة الفلسطينية في آن واحد.
وقد كان لشهيدنا معاوية دور مميز بين أفراد الخلية أثناء المطاردة، حيث كان مؤذنهم للصلوات لأن صوته كان جميلاً، كما كان يدرب أفراد الخلية فنون القتال المختلفة لما كان يتمتع به من قدرات مختلفة في الكاراتيه.
شهداء من أجل الأسرى
وهكذا أصبح مجاهدونا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، لا يفت في عضدهم تخاذل المتخاذلين، ولا بطش المعتدين، ولسان حالهم يقول "أملنا أن يرضى الله عنا، لا نريد دنيا ولا مغنماً، نريد جنة ونعيما".. ثم سرعان ما انضم إليهم الشهيد القائد أبو الهنود وأصبح الخمسة يعدون العدة لإعادة الكّرة من جديد على الاحتلال الصهيوني لكن هذه المرة بطريقة أخرى، بحيث تنتقل المعركة إلى داخل أسواق وطرقات القدس المحتلة حيث يظن الصهاينة أنهم في مأمن من ضربات القسام.
وبعدما أكملت خلية "شهداء من أجل الأسرى" التي تأسست في مدينة نابلس استعداداتها جعلت من بلدة عصيرة الشمالية وأحراشها ميدان عملها بفعل وجود تلامذة أبو الهنود التواقين للشهادة وبسبب طبيعة المنطقة، وبدأت الخلية بقيادة الشهيد القائد محمود أبو الهنود بالتحضير لتنفيذ عملية استشهاديتين مزدوجتين في مدينة القدس.
وفي تفاصيل العمليتين رسم قادة القسام في منطقة نابلس الخطة بحيث يتم تنفيذ عمليتين مزدوجتين على مرحلتين، الأولى ينفذها استشهاديان في شارع "محنى يهودا" بالقدس والثانية تتبعها بعد شهر واحد وفي ذات المكان وبنفس الطريقة، وكان الهدف من ذلك توجيه لطمة إلى قادة الاحتلال وضباط مخابراته العاجزين، وتوصيل رسالة واضحة "للشاباك الصهيوني" أن جنود القسام قادرون على الوصول إلى حيث يشاءون وفي الوقت الذي يختارون رغم التعزيزات والاحتياطات الفاشلة.
وبعد أن تمت كافة الاستعدادات ولم يبق سوى اختيار الاستشهاديين للعملية الأولى، وقع أمر لم يكن بالحسبان ولا يتخيله أي إنسان إلا من عرف من هم جنود القسام، حيث دب خلاف من نوع آخر بين المجاهدين الأربعة كل منهم يريد أن يكون منفذ العملية الأولى، ولم يستطع أبو الهنود حل الموضوع إلا من خلال الاتفاق على إجراء قرعة لاختيار اثنين منهم في رحلة السباق إلى الجنة.
القرعة
وبالفعل جرت القرعة وكانت النتيجة من نصيب كل من شهيدنا معاوية (أبو دجانة) ويوسف الشولي (أبو أسيد)، وهنا احتج توفيق ياسين قائلاً: "أنا لا أقبل بنتيجة القرعة، ولا أقبل الحرمان، لا و الله لا أدعكم تدخلون الجنة قبلي، أنا أريد أن أكون شهيداً في هذه الموقعة"، وبعد جدالٍ طويل، أعيدت القرعة مرة ثانية، لتكون نتيجتها نفس الأخوين السابقين: معاوية ويوسف ولكن تحت احتجاج توفيق، وصياح وكلام طويل، أعيدت القرعة مرة ثالثة، وكانت من حظ يوسف ومعاوية مرة ثالثة، وأعيدت رابعة بطلب وإصرار من توفيق، لتخرج أيضاً على نفس الأخوين: معاوية و يوسف لتكون نتيجة الرابعة هي ذات الأولى!
وبعد أخذ وشد ونقاش طويل وبكاء وعويل من قبل توفيق وهو يقول لا... لا ... لا أقبل أن تتركوني في هذه الدنيا وتذهبوا إلى الجنة، وأخذ الأخ توفيق يبكي ويرجو أحدهم أن يقدمه، ولازال هكذا حتى تدخل الشهيد أبو الهنود وأصدر قراره بأن يُبَدلَ يوسف، عندها فرح توفيق وخرّ ساجداً شاكراً لله عز وجل وقطع العهد لأخيه يوسف أنه سيشفع له يوم القيامة، أما يوسف فقد سالت الدموع من عينيه لكنه رضي بقضاء الله وقدره واستجاب لأمر قائده، وهنأ يوسف أخيه توفيق ولسان حاله يقول "أنتم السابقون ونحن اللاحقون"، لينطبق على المجاهدين الأربعة قوله تعالى "من المؤمنين رجال صدقوا الله ما عاهدوا عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
وهكذا نفذت المجموعة العملية الأولى بتاريخ 30-7-1997م حيث فجر الاستشهاديان معاوية جرارعة وتوفيق ياسين نفسيهما في عملية مزدوجة في سوق "محني يهودا" بالقدس مما أدى إلى سقوط 15 قتيلاً وأكثر من 70 جريحاًآخرين حسب اعتراف الاحتلال.
وبعد تنفيذ العملية جنّ جنون الاحتلال بعد أن فشل في تحديد هوية منفذي العملية إلى أن استطاع ذلك بعد عدة أيام، حيث يقول والده: "داهم جيش الاحتلال منزلنا بصورة غير اعتيادية وطلب الضابط الصهيوني مني ومن زوجتي تجهيز أنفسنا، وبالفعل أخذونا إلى معهد أبو كبير بالقدس وسحبوا منا عينة من دمنا، دون أن نعرف السبب أو أي تفاصيل، وبعد أسبوع فاجأنا جيش الاحتلال بأن ابننا معاوية أحد من قاموا بالتفجيرات التي حدثت في مدينة القدس".
مواقف
ويتحدث الأب بكل تأثر بأنه كان دائماً يحذر ولده من الانخراط بالسياسية حيث يقول: "كنت أقول له إن السياسة طريقها صعبة يا ابني، وأنت اهتم الآن بنفسك وتزوج وكون أسرة كإخوانك، وبالفعل لم أشعر أن هذا الشاب الوديع يسير في هذا الطريق إلا بعد مطاردته، فهو لم يظهر لي في أي يوم من الأيام أنه منخرط بالمقاومة".
ويستذكر الوالد قصة حدثت بينه وبين ابنه معاوية أثناء مرحلة الطفولة حيث يقول: "كان جيش الاحتلال دائماً يداهم بلدتنا ويجري عمليات اعتقال لشبان الانتفاضة ويجبرهم على مسح الشعارات عن الجدران، وفي إحدى المرات سألني معاوية وكان طفلاً صغيراً، لماذا تخاف أمي وأخواتي عندما يدخل الجيش بلدتنا، ما الذنب الذي ارتكبناه؟ وماذا فعلنا حتى نخاف!؟".
ويضيف الوالد: "أجبته بسبب الظلم يا معاوية.. وذنبنا الوحيد أننا نسكن هذه الأرض، وهي مطمع جميع الأديان والشعوب، لذلك فإنها أرض عظيمة في مكانتها وموقعها.. ولن يعيش فوقها إلا القوي، لأنه لا مكان فيها للضعيف".، ويتابع الوالد "ويبدو أن هذه الكلمات رسخت في ذهن ابني ولم يظهرها لنا حتى تحين له الفرصة المناسبة".
نعم رحل شهيدنا معاوية بعملية زلزلت أركان الاحتلال...ولكن كلمات والده تبقى ثابتة شامخة طوال الأزمان.. هي فلسطين أرض الرسالات ومهبط الأديان..عظيمة عند ربنا وحبيبة إلى قلوبنا.. ولن يعيش فوقها إلا القوي.. ولا مكان فيها للجبناء أو الضعفاء.