القسام – خاص:
يواصل موقع القسام نشر التفاصيل الحصرية والقصة الكاملة لعملية أسر الجندي الصهيوني نحشون فاكسمان التي نفذتها كتائب القسام عام 1994م، حيث دارت الأحداث في الحلقة الرابعة عن حالة التخبط التي سادت في الكيان الصيوني بعد الفشل في تحديد مكان احتجاز الجندي، وفيما يلي أحداث الحلقة الخامسة:
كان من المقرر أن يتوجه المجاهد جهاد يغمور صباح يوم الجمعة الموافق 14/10/1994م وتحديداً في تمام الساعة السابعة صباحاً إلى قطاع غزة لمقابلة القائد القسامي محمد الضيف، بعد أن تم تنسيق الأمر بينه وبين مجاهد آخر، واتفقا على عدم إجراء أي اتصال هاتفي بعد هذه المكالمة تحت أي ظرف من الظروف، خوفاً من أن تكون الهواتف مراقبةً، وخصوصاً الاتصالات التي تتم بين الضفة والقطاع، ولكنّ الأمور لم تتم على ما يرام، فقد حصل ما لم يكن في حسبان المجاهدين، لقد قامت قوات الاحتلال باعتقال جهاد يغمور.
وفور اعتقاله تعرض جهاد لأشد أنواع التعذيب وقام العدو بإجراء تحقيقٍ ميدانيٍ شديدٍ وقاسٍ للغاية معه، وإثر هذا الاعتقال بدأت حلقات الغموض في عملية الأسر التي أرّقت قادة الاحتلال تتفكك واحدة تلو الأخرى، خصوصاً أن جهاد كان العقل المسيِّر لهذه العملية.
التعرف على مكان الاحتجاز
وحين اعتقاله أدرك جهاد أن ما حصل كان بسبب الاتصالات المباشرة التي أجراها عبر الهاتف مع قادة القسام في غزة، إذ لم يكن ليخطر في باله قبل تلك اللحظة أن المكالمات الهاتفية قد تكون خاضعة لمراقبة مخابرات العدو الصهيوني، لقد كانت هذه المكالمات
طرف الخيط الذي كان الاحتلال يعمل على الوصول إليه مدة خمسة أيام متواصلة.
استمر التحقيق الميداني _الذي أسلفنا ذكره_ مع جهاد منذ ساعات المساء وحتى الساعة الخامسة فجراً، لتبزغ شمس يوم الجمعة على أحداث جديدة غيّرت مسار العملية بالكامل، فقد حصل العدو على معلومة ثمينة جداً من جهاد - الذي كان لا يزال يتعرض للتعذيب الوحشي-، ألا وهي مكان احتجاز الجندي الأسير.
وفور توصل قوات الاحتلال لهذه المعلومة جنّ جنونها لأنها أدركت فشل منظومتها الأمنية، فقد كانت وطوال الأيام الخمسة السابقة تركز اهتمامها وعيون مخابراتها صوب قطاع غزة الذي كانت على يقين بأن الجندي محتجز في مكان ما داخل القطاع.
على الفور اتصل رئيس جهاز الشاباك الصهيوني برئيس هيئة الأركان، الذي حمل هذه المعلومة شخصياً لرئيس الوزراء رابين، خوفاً من أن تتسرب إلى الإعلام مما قد يُفشل أي خطوات تقرر الحكومة الإقدام عليها.
صفقة رفضها العدو
حاول المجاهد يغمور عقد صفقة تبادل مع العدو، مقابل أن يضمن لهم سلامة الجندي الأسير وعدم المساس بحياته، فعرض عليهم القيام بإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين والشيخ صلاح شحادة وعدم المساس بحياة المجاهدين الآسرين مقابل إطلاق سراح فاكسمان، ولكن الصهاينة سرعان ما رفضوا هذا العرض.
حاول الصهاينة إغراء جهاد فقدموا عرضاً جديداً تمثل في إطلاق سراحه وضمان سلامة آسري الجندي الصهيوني مقابل تسليم الجندي حياًّ، فرفض جهاد ذلك قطعياً لأن الهدف الأساس من هذه العملية كان الإفراج عن الأسرى، فأبى مقايضة ذلك بالحفاظ على سلامته أو تقديم مصلحته الشخصية على المصلحة العامة والهدف الكبير الذي عمل من أجله المجاهدون، كما أنه كان يدرك بأن الصهاينة لا يحترمون عهداً أو ميثاقاً وسوف يلاحقونه وإخوانه المجاهدين فور تسلمهم لجنديهم، وفي محاولة للتأثير عليه أحضرت إدارة السجون الصهيونية الشيخ القائد صلاح شحادة إلى المجاهد جهاد يغمور في محاولة للخروج بنتيجة أو التوصل إلى اتفاق ولكن المجاهدَيْن رفضا العروض الصهيونية.
كان ذلك يدور داخل سجون الاحتلال بينما كان مجلس وزراء العدو في انعقاد طارئ، لمتابعة مجريات الأحداث وآخر تطورات عملية أسر الجندي، وقد حرص رئيس الوزراء الصهيوني رابين على إخفاء المعلومة الجديدة التي وصلته_حول مكان احتجاز الجندي_ عن وزراءه، كما أخفى عنهم نية الجيش القيام بعملية عسكرية في منقطة بيرنابالا لتحرير الجندي، لكي لا يقوم أي من الوزراء بتسريب هذه المعلومة إلى وسائل الإعلام.
مراقبة مكان الاحتجاز
في هذه الأثناء وخلال الاجتماع الوزاري المنعقد، ومن باب تضليل الإعلام، تم نقل القوات الخاصة والوحدات الصهيونية المختارة من حدود غزة إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948م، بينما تولى جهاز الشاباك جمع المعلومات عن المنزل وطبيعته ومداخله
ومخارجه وعن الأشخاص الموجودين بداخله، ومقارنتها بالمعلومات التي حصل عليها من المجاهد يغمور.
قام العدو برصد ومراقبة المنزل بشكل دقيق، ولكن ذلك كان يتم عن بعد وبحذر بالغ، حتى يلاحظ المجاهدون ذلك ويتحسبوا للهجوم الصهيوني، وقد تبين للاحتلال من خلال المعلومات التي جمعها أن المنزل يحتوي على عشر نوافذ مغلقةٍ بإحكام بواسطة أبواب حديدية، كما أن المجاهدين قاموا بوضع بطانياتٍ وستائر عليها وبالتالي صعّب ذلك على العدو معرفة ما الذي كان يدور بداخل المنزل.
أمرٌ أخر صعّب على العدو عملية الرصد والمراقبة، وهو عدم وجود أجهزة اتصال هاتفي داخل المنزل، مما وضعهم في حيرة من أمرهم، فكان من المستحيل إذّاك معرفة مكان وجود الجندي بالضبط، ومواقع المجاهدين داخل المنزل عدا عن عدم تأكدهم من وجودهم أصلاً، وعدم تغييرهم لمكان الاحتجاز.
كسب الوقت
أصدر رابين قراره بالقيام بعملية عسكرية تحت جنح الظلام، ومهاجمة المنزل لتحرير الجندي، مستنداً في قراره على المعلومات التي أصبحت بحوزة قواته عن مكان الاحتجاز، وكذلك معتمداً بشكل مفرط على وحدات النخبة الصهيونية التي ستنفذ الهجوم
علماً بأنها مدربةٌ جيداً على تنفيذ هذا النوع من العمليات.
لكن الوقت كان يمر سريعاً وساعة تنفيذ حكم الإعدام في الجندي كانت قد اقتربت كثيراً، فيما لم تكن قوات الاحتلال جاهزةً لتنفيذ هجومها, وبناءً على ذلك وضع رابين خطة يستطيع من خلالها كسب المزيد من الوقت ريثما تكون قواته على أتم الجاهزية لتنفيذ الهجوم.
أمر رابين بإغلاق الطريق الواصل بين مديني غزة وعسقلان، كما تم نشر عددٍ من الآليات العسكرية وسيارات الإسعاف على تخوم قطاع غزة، لإيهام وسائل الإعلام بأنهم لا زالوا على قناعتهم بأن الجندي موجود داخل قطاع غزة، وأن عملية عسكرية ستنفَّذ قريباً لإنقاذه.
وساطات لتمديد الإعدام
بالتزامن مع ذلك طلب رابين من خلال وسطاء تمديد المهلة التي كانت محددةً للاستجابة لشروط حركة حماس ليومٍ آخر (24 ساعة)، زاعماً أن حكومته لا زالت تدرس بجديةٍ تلبية مطالبهم، وبينما وُضعت قوات النخبة الصهيونية على أتم الجاهزية استعداداً لتنفيذ الهجوم، توجه كلٌّ من عضوي الكنيست العرب أحمد الطيبي وطلب الصانع إلى قطاع غزة من أجل التحاور مع حركة حماس وإقناعها بتمديد المهلة.
ازدادت وتيرة الاتصالات السياسية يوم الجمعة، حيث اجتمع عضو الكنيست طلب الصانع مع الدكتور المجاهد محمود الزهار القيادي البارز في حركة حماس، وفي الساعة السادسة والثلث مساءً اتصل طلب الصانع برئيس مكتب حكومة العدو (بايتان هابر)،
ليؤكد له أن اجتماعه مع د.الزهار قد تمخض عن نتيجة مرضية للطرفين، وأن الأمور لا زالت قيد البحث بين الطرفين فيما أكد له الأخير أن حكومته تدرس الأمر بجديةٍ بالغةٍ، وهذا يفند الادعاء الصهيوني الذي ادعى بعد تنفيذ العملية العسكرية، أنه لم يتلقَ حتى الساعة الثامنة أي إشاراتٍ إيجابيةً من حركة حماس.
وفي الساعة الثامنة من مساء يوم الجمعة وقف أحمد الطيبي على أحد شرفات فندق فلسطين في غزة مرتدياً بدلته الأنيقة، وكانت علامات الإرهاق باديةً عليه بعد ساعاتٍ طويلةٍ من اللقاءات والاتصالات مع قادة حماس، ليعلن عبر شاشات التلفزة أن حماس وافقت على طلب تمديد مهلة تنفيذ حكم الإعدام في الجندي، مدة 24 ساعةً أخرى.
أما البيت الأبيض فقد كان يصلي من أجل سلامة الجندي فاكسمان، ووجه الرئيس الأمريكي كلمته للسلطة الفلسطينية والصهاينة، بأن هذا العمل لا يخدم عملية السلام والتعايش بين الطرفين، وطالب الرئيس ياسر عرفات ببذل أقصى جهد وعمل كل ما يلزم لإعادة الجندي إلى أهله متجاهلاً معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين.
في ذلك الوقت _وقبل تنفيذ الهجوم الصهيوني بوقت قصير_ أصدرت كتائب الشهيد عز الدين القسام بياناً عسكرياً جديداً أعلنت فيه موافقتها على تمديد المهلة 24 ساعةً أخرى، وكان نص البيان كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان عسكري صادر عن:
كتائب الشهيد عز الدين القسام
بناءً على الوعود التي وجهها الشيخان أحمد ياسين وصلاح شحادة، قررت كتائب الشهيد عز الدين القسام تأجيل حكم الإعدام في الجندي (الإسرائيلي) لمدة 24 ساعة فقط، على أن تقوم حكومة العدو الصهيوني خلال هذه الفترة بالإفراج الفوري عن الشيخ أحمد ياسين، بالإضافة إلى كافة الأسيرات من كافة الفصائل الفلسطينية، وفي حال عدم استجابة حكومة العدو الصهيوني لهذا الطرح الجديد فلا تلومنّ إلى نفسها.
ملاحظة/ لتأكيد وجود الجندي في قبضتنا فإن سلاحه الشخصي يحمل رقم (9408709)
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية-حماس
الجمعة الموافق 14/10/1994م
انتظروا في الحلقة القادمة والأخيرة..وقائع المعركة التي انتهت بمقتل فاكسمان
اقــرأ أيــضـا :
*الحلقة الأولى "التخطيط والإعداد لعملية أسر فاكسمان"
*الحلقة الثانية "المجاهدون يأسرون فاكسمان ويخفونه بمخبأ محصن"
* الحلقة الثالثة القائد الضيف يعلن عن أسر فاكسمان ويضلل العدو
* الحلقة الرابعة التخبط يسود الكيان والشيخ ياسين يخاطب آسري فاكسمان
أضف مشاركة عبر الموقع