القسام ـ خاص :
يواصل موقع القسام نشر التفاصيل الحصرية والقصة الكاملة لعملية أسر الجندي الصهيوني نحشون فاكسمان التي نفذتها كتائب القسام عام 1994م، حيث دارت الأحداث في الحلقة الثانية عن وصف سير عملية الأسر بدءاً من أسره وتقييده داخل السيارة وصولا إلى إخفائه في منزل في منطقة بير نبالا في القدس المحتلة وفيما يلي أحداث الحلقة الثالثة:
أرسل فاكسمان رسالته إلى أهله وحكومته وعرّف فيها عن نفسه، وأوضح أن آسريه سيطلقون سراحه إذا تجاوبت حكومته مع مطالبهم، وتم تصوير الشريط إلا أنه حتى تلك اللحظة ظلت الأمور في الخفاء ولم تتنبه حكومة العدو أن أحد جنودها وقع في قبضة المجاهدين بل بدا الأمر وكأن فاكسمان قد توجه بالفعل لزيارة صديقه.
كان المجاهد الذي يظهر في شريط الفيديو وهو يقرأ البيان حاملاً بطاقة الهوية الخاصة بالجندي الأسير هو (صلاح جاد الله) من سكان قطاع غزة، وهو مطاردٌ لقوات الاحتلال وانتقل إلى الضفة الغربية ليتوارى عن أعينهم، وقد كان صلاح على علم بمكان تواجد القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف الذي سوف يدخل على خط العملية في هذه المرحلة.
نقل مسرح العملية من القدس إلى غزة
كلف صلاح جاد الله المجاهد القسامي جهاد يغمور بالتوجه إلى قطاع غزة لتسليم الشريط والسلاح والبطاقة الشخصية الخاصتين بالجندي إلى محمد الضيف، بهدف تضليل العدو ونقل مسرح العملية من
القدس إلى قطاع غزة ليتوهم العدو أن الجندي موجود هناك.
وهذا ما حدث بالفعل يوم الاثنين الموافق 10/10/1994م، حيث توجه المجاهد يغمور بسيارته إلى قطاع غزة من أجل الاجتماع بالقائد محمد الضيف بعد أن تم ترتيب هذا الاجتماع عَبْر مجاهد آخر، وبعد وصول يغمور إلى القطاع ومعه الشريط والصور والسلاح وانتظاره مدة 4 ساعات حدث أمر طارئ حال دون الالتقاء بالقائد الضيف، فاضطر لمغادرة القطاع خوفاً من انكشاف أمره، وحتى لا يثير وجوده كثيراً من الشبهات، قام قبل مغادرته بتسليم الشريط ومقتنيات الجندي إلى مجاهد آخر ليقوم بتسليمها لاحقاً إلى القائد الضيف.
عند وصوله إلى مدينة القدس توجه المجاهد يغمور إلى المنزل في منطقة بيرنابالا، وهناك اجتمع مع المجاهدين مرة أخرى ليضعهم في صورة سفره إلى قطاع غزة، وكان المجاهد زكريا نجيب في تلك الفترة يتابع أمور المجاهدين
ويقضي حوائجهم ويحضر لهم الطعام، كونه أحد أقرباء مالك المنزل وبالتالي لم يكن دخوله المنزل يثير أية شكوك.
طلب صلاح جاد الله من جهاد يغمور لدى عودته الاتصال مرة أخرى عبر الهاتف مع المجاهد الضيف، وإبلاغه بأن الجندي في مكان آمن، وعليه فإن بإمكانه إبقاء عملية التفاوض حول صفقة التبادل مفتوحاً حسب الظروف والمستجدات على الساحة، دون التقيد بوقت معين أو الخشية من انكشاف مكان احتجاز الجندي.
وخلال اللقاء اطمأن جهاد على صحة الجندي ومعنوياته، التي بدأت بالارتفاع تدريجياً بعد أن تأكد أن المجاهدين لن يقوموا بإيذائه، وأنهم حريصون على المحافظة عليه حياً، الأمر الذي أشعره بالأمان.
غادر المجاهد يغمور المنزل وقام بالاتصال بالقائد محمد الضيف عبر هاتف عمومي، ليبلغهم بما اتُّفِق عليه، ولعل هذا الاتصال المباشر مع الضيف كان من أهم الأخطاء التي ارتكبها المجاهدون، الذين لم يخطر ببالهم في ذلك الوقت مراقبة العدو لأجهزة الاتصال الخاصة والعامة، ولكن وبما أن كتائب القسام لم تعلن عن العملية ولم يتنبّه العدو لأسر أحد جنوده، فلم يكن هذا الأمر مقلقاً كثيراً.
لعل يوم الثلاثاء 14/10/1994م أي اليوم الثالث لعملية الأسر كان يختلف عن سابقيه، ففي الصباح توجه جهاد يغمور لشركة تأجير السيارات من أجل إعادة السيارة التي كان قد استأجرها لتنفيذ العملية، ثم توجه بعدها إلى إحدى الهواتف العمومية، وقام بالاتصال مرة أخرى في القطاع ليتأكد أن كل شيء يسير على ما يرام.
البيان العسكري المصور
وفي القطاع كانت الأمور تسير على النحو التالي؛ في ذلك اليوم قام عدد من المجاهدين بإيقاف مصور يعمل في مكتب وكالة الأنباء العالمية (رويترز) أثناء توجهه إلى مكان عمله، وتم اصطحابه إلى مكان مجهول حيث طُلِب منه تصوير مجاهد ملثم أثناء إلقائه بياناً عسكرياً.
كان ذلك الملثم هو القائد محمد الضيف الذي وقف أمام آلة التصوير حاملاً قطعة السلاح والبط
اقة الشخصية الخاصة بالجندي، وقام بتلاوة البيان العسكري الخاص بكتائب القسام، والذي تعلن فيه الكتائب مسؤوليتها عن أسر الجندي (نحشون فاكسمان)، وبعد إتمام التصوير طلبوا من هذا المصور أن يقوم بإرساله إلى التلفاز الصهيوني، وبذلك نجحت الكتائب في تضليل أجهزة الأمن الصهيونية والفلسطينية حيث جعلتهم يعتقدون أن الجندي موجود في غزة وليس في الضفة الغربية.
في اليوم التالي قام مكتب رويترز في القطاع بإيصال الشريط المصور إلى تلفزيون العدو، ليقلب الطاولة على رؤوس الصهاينة، فقد صدم العدو الصهيوني وتفاجأ عندما تبين له أن الجندي فاكسمان قد وقع في قبضة القسام، بعدما اعتقد أن عدم عودة الجندي لمنزله كان لسبب عابر، ولم يبد اهتماما كبيراً في البحث عنه، حيث كانت هذه المهمة قد أوكلت إلى الشرطة المدنية التي تلقت اتصالاً من عائلة الجندي تبلغهم فيه عن اختفاء ابنها منذ ليلة الأحد وأنه لم يعد حتى اللحظة.
الصدمة تصيب قادة العدو
في مساء ذلك اليوم وصل الشريط المصور إلى مكتب رئيس الوزراء الصهيوني (اسحاق رابين)، ليعقد على الفور اجتماعاً طارئاً حضره كل من رئيس الشرطة ورئيس هيئة الأركان (ايهود باراك) ورئيس الشاباك ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية وعدد من الوزراء، وخلال الاجتماع الطارئ أدلى كل واحد بدلوه بعد ما صدموا من هول ما سمعوه.
أجمع الحضور في هذه الجلسة على أن الجندي فاكسمان قد قتل في إحدى مدن فلسطين المحتلة عام 48م ثم تم نقل
بطاقته الشخصية إلى قطاع غزة، كما حدث في مرة سابقة وأن هذا الشريط لا يعدو كونه خدعة من حركة حماس، حيث لا دليل على أن الجندي على قيد الحياة أو موجود في قبضة حماس.
أما رئيس وزراء العدو (رابين) فكان له رأي آخر، حيث شدد على أن الجندي محتجز في قطاع غزة، وقال: "لو كانت غزة بأيدينا لقلبنا كل حجر فيها ولكن بما أنها تقع تحت مسئولية السلطة الفلسطينية فعلينا أن نضغط على ياسر عرفات من أجل تشديد الخناق على حماس والعثور على الجندي الأسير".
سلطة اوسلو تبحث عن فاكسمان
صباح الأربعاء 12/10/1994 راجت شائعات داخل قطاع غزة مفادها أن مجاهدي القسام قد قاموا بنقل الجندي الأسير من منزل إلى آخر، فقامت أجهزة سلطة أوسلو بالتحرك وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن الجندي محتجز في أحد المنازل
في مدينة خانيونس، وهو الأمر الذي جعل قوات كبيرة من جيش الاحتلال تستعد لتنفيذ عملية عسكرية لتحرير الجندي الأسير، إلا أنه سرعان ما تبين لهم ولسلطة أوسلو التي داهمت المكان أن عناصر حركة حماس الموجودين في المنزل لا علاقة لهم بعملية الأسر.
وفي ساعات الظهيرة من ذلك اليوم استجد أمر آخر خلط الأوراق وأربك حسابات العدو، وقد تمثل ذلك في نشر كتائب القسام للشريط الذي تم تصويره في بيرنابالا حيث مكان احتجاز الجندي، فكان ظهور الجندي فاكسمان على شاشات التلفاز بمثابة صفعة لقادة العدو الذين كانوا قد أكدوا خلال اجتماعهم السابق أن الجندي قد قتل.
كان من المفترض أن يتم بث هذا الشريط أولاً، إلا أن القائد محمد الضيف قرر ببث الشريط الذي صور في القطاع أولاً لإحداث بلبلة في صفوف العدو، فبعد عرض الشريط الثاني أصبح قادة الاحتلال في حرجٍ كبيرٍ أمام شعبهم، لأنه لو تم قتل الجندي لوضع اللوم على قاتليه وانتهى الأمر، أما وقد ظهر الجندي بصحة جيدة وتم التأكد أنه على قيد الحياة فإن الأمر بات مختلفاً.
قتل الجندي إذا لم تنفذ مطالبهم
صار رابين في حيرة من أمره فقد أدرك بعد حادثة أسر الجندي طوليدانو ثم مقتله أن المجاهدين جادّون في تحذيرهم بقتل الجندي إذا لم تنفذ مطالبهم، فالتقى رابين على الفور بوالد الجندي فاكسمان، الذي قام بدوره بتقديم عرض له بأن يفتدي ابنه بمبلغ كبير من المال، ولكن رابين رفض الفكرة لعلمه بأن الهدف الحقيقي من العملية هو تحرير أسرى وليس الحصول على مبالغ مالية، فطلب والد الجندي فاكسمان من رابين الاستجابة لمطالب حماس وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، وإعادة ابنه إليه، إلا أن رابين رفض الفكرة وقام على الفور بمهاتفة عرفات وطالبه بعمل ما يكفي لإطلاق سراح الجندي.
بعد ذلك استقل رابين طائرته العسكرية وتوجه إلى عمّان، وهناك اجتمع بالملك حسين _بحسب ما أفادت الصحف الصهيونية_ وطلب منه الضغط على قادة حماس في الأردن من أجل إطلاق سراح الجندي، ثم عاد إلى الكيان ليجتمع مرة أخرى برؤساء الأجهزة الأمنية، الذين أوكلت لهم مهمة البحث عن فاكسمان.
تابعوا معنا في الحلقة القادمة " الارتباك والتخبط سيد الموقف في الكيان الصهيوني والمجاهد جهاد يغمور يقع في الأسر "
اقرأ أيضا ..
الحلقة الأولى "التخطيط والإعداد لعملية أسر فاكسمان"
الحلقة الثانية "المجاهدون يأسرون فاكسمان ويخفونه بمخبأ محصن"
أضف مشاركة عبر الموقع