الشهيد القسامي المجاهد / محمد عبد الحفيظ إسماعيل
رجل في زمن عزّ فيه الرجال
القسام-خاص:
إنهم رجالُ المدفعيةِ الأطهارِ الأبطال المقاومين الأحرارُ، الذين ضربوا أوكار الكفرِ والنفاق، وجعلوا خمسة ملايين صهيوني يختبئون في الملاجئ، ويهربون من مكانٍ لآخر كالفئران المذعورة، عند سماعِ صفاراتِ الإنذار التي تنذرُ بالموتِ والدمارِ.
أحد عشر عاماً من الجهادِ والمقاومة والمضي في ساحاتِ الوغي ومعارك الشرف والبطولة، ومواجهات الحق والباطل، إنه الفارس محمد عبد الحفيظ إسماعيل، الذي ارتقى خلال مشاركته بفعاليات مسيرات العودة وكسر الحصار شرق مخيم البريج.
الميلاد والنشأة
مع إشراق صباح فلسطيني مقاوم بتاريخ 1-3-1989م، كان مخيم البريج للاجئين على موعد مع ميلاد قسامي جديد، ولكنه كان مبكراً فقد ولد شهيدنا محمد ولادة مبكرة بعد أن استنشقت والدته غاز الاحتلال الذي كان يطلق على بيوت الآمنين، ولادة مبكرة أثرت على صحة شهيدنا محمد لسنوات ومنّ الله عليه بعد ذلك بالشفاء وأكمل بقية حياته بصحة جيدة.
أما عن صفات طفولته، فقد تميز بأخلاقه العالية، وطبعه الهادئ، ومحافظته على الصلاة في المسجد، والتحاقه بحلقات تحفيظ القرآن الكريم مبكراً، يحب الخير للجميع، ومع والديه كان رحمه الله باراً بهما، محباً لهم، مراعياً لظروفهم، يساندهم دوماً، ويلازمهم عند مرض أحدهم، ويطلب منهم الرضا والدعاء بالتوفيق.
ومع أهل بيته كان نعم الأخ والصديق، لم يصدر منه إلا كل شيء يشرح صدورهم، ويدخل السرور على قلوبهم، تجده دوماً ودوداً لطيفاً في التعامل، يحرص على رضا الجميع، وتلبية مطالبهم، وبالأخص شقيقته الصغرى التي كان لها نصيب الأسد من حبه ورعايته.
وعندما يذكر الأقارب والجيران والأصدقاء، كان شهيدنا القسامي محمد يقدم لهم يد العون كلما احتاجوا، يشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، وبالمقابل كان الجميع يكن له كل الاحترام والتقدير لطيب وكرم أخلاقه.
دراسته وعمله
في المرحلة الابتدائية كان شهيدنا القسامي محمد إسماعيل طالباً مجتهداً لرعاية والديه له، فكان ينجز المطلوب منه في الدراسة ثم يذهب للعب، وخلال دراسته الابتدائية كان محبوباً من معلميه وذلك لاجتهاده وهدوءه، وكان يشارك في الإذاعات والبرامج المدرسية، خاصة تلاوة القرآن الكريم.
ظل القسامي محمد متمسكاً بأخلاقه الحميدة لذلك أحبه جميع من عرفه من زملاء ومعلمين، يشاركهم الأنشطة خارج أسوار المدرسة، وفي المرحلة الثانوية ازداد هدوءه والتزامه، فظهرت علامات تعلقه في المسجد، وظهرت ملامحه الدينية بوضوح من خلال سلوكياته وتعامله مع الآخرين.
بعد نجاح شهيدنا محمد في الثانوية العامة، التحق في الجامعة ولكنه لم يستطع الاستمرار لانشغاله في العمل العسكري، لكنه خلال الفترة التي قضاها شهيدنا في الجامعة كان عضواً فاعلاً في الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي لحركة المقاومة الإسلامية حماس.
ركب الدعوة
اعتاد شهيدنا القسامي محمد منذ طفولته سلوك دروب الصالحين، فالتزم في المسجد "البريج الكبير" وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وبدأ شهيدنا بالتعلق في المسجد مع دخوله المرحلة الإعدادية، حيث كان يقضي معظم وقته في المسجد، يشارك بفاعلية في الأنشطة الحركية والمسجدية في منطقته.
فقد كان يشارك في حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ودورات الأحكام، وحضور الدروس الدينية، والأنشطة الترفيهية، وغيرها من البرامج المختلفة، وهناك التحق شهيدنا محمد في صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس وبايع جماعة الإخوان المسلمين.
كان شهيدنا محمد صواماً قواماً، كثير الصدقة يتفقد من حوله من المحتاجين، وقد كفل عائلة يتيمة، ويحرص على الاعتكاف في شهر رمضان، يداوم دوماً على تلاوة الورد اليومي من القرآن الكريم، يقرأ الكتب الدينية.
وتميز محمد بقربه من الشباب في المسجد، وكان شعلة من النشاط، فتجده دوماً يشارك إخوانه في تنظيف وترتيب المسجد ويقدم لهم المساعدة سواء المادية أو النصية والتوجيه، كما كان مهتماً بأسرته الدعوية وكان مواظباً عليها.
مجاهد قسامي
التحق الشهيد محمد إسماعيل في صفوف كتائب القسام عام 2007م، وقد كان متلهفاً للانضمام لصفوف الكتائب للدفاع عن أرضه وعرضه، ودينه، ورفع الظلم عن إخوانه، واسترداد حقوق شعبه المهجر ظلماً من أرضه.
بعدها خاض شهيدنا محمد العديد من الدورات العسكرية القسامية، التي تؤهله لأن يكون مقاتلاً قسامياً صنديداً يهابه الأعداء إن نزل بساحتهم يوماً، وفي العام 2012م، التحق القسامي ممد بتخصص المدفعية القسامي لما فيه من صفات المجاهد المخلص.
كان محمد مميزاً ومتقناً لعمله الجهادي وخاصة مواعيد رباطه وعمله، فكان يقوم بجميع المهام الموكلة إليه بكل قبول ورضا، كما كان مثالاً للسمع والطاعة لأوامر قيادته، ورحيماً بإخوانه وأفراد مجموعته القسامية التي كان يقودها، زكان من أصحاب الهمم العالية، فقد قضى حياته في ميدان الجهاد لا يعرف الكسل.
كما تميز بصفات جهادية منها، المحافظة على الصلاة، وورد يومي من القرآن الكريم، والصمت والسرية في العمل، والثبات في الميدان، ومساعدة إخوانه في العمل، وصاحب ابتسامة مشرقة يحب الجميع، وباراً بأهله.
شارك شهيدنا القسامي محمد إسماعيل في تجهيز وتربيض الصواريخ القسامية، وتجهيز مرابض الهاون التي ستدك الأعداء، وهنا سنذكر قصة من قصص جهاده وبطولاته القسامية في معركة العصف المأكول في العام 2014م، أنه كلّف من قيادته القسامية بتفعيل رشقة من الصواريخ تجاه مدينة (عزاتا) المحتلة، وبعد خروج رشقة الصواريخ، انقطع التواصل معه، فقام المجاهدون بالبحث عنه في كل مكان، ولك لا جدوى، وبقي الحال كذلك مدة ثلاثة أيام، وبعدها عاد إلى مكان نقطة الرباط التي كان يتواجد فيها، وعندما سأل عن ما حدث، قال: "من شدة القصف لم أستطيع الخروج من المكان، وعندما أتيحت لي الفرصة للتحرك، قام بعض المجاهدين المرابطين في المنطقة بالنداء علي وتأميني حتى استطعت المعاودة بعد يومين" .
يهيئ العائلة
قبل استشهاده بأيام وبالتحديد في يوم الثلاثاء، جلس شهيدنا القسامي محمد مع عائلته وأخذ يتلكم أمامهم بمزاح أنه سيستشهد يوم الأربعاء، وأخذ يمازح شقيقته الصغرى ويوصي لها ببعض ممتلكاته، وفي يوم الأربعاء عاد للمنزل، فسألته شقيقته عن سبب عودته بعد أن قال أنه شهادته ستكون يوم الأربعاء، فقال لها :" لا تقلقي، شهادتي ستكون يوم الجمعة" وبالفعل قدر الله عز وجل لمحمد الشهادة يوم الجمعة.
بعد استشهاده أخبر أحد أصدقائه عائلته، بأن محمد ذهب للمقبرة، وقال لحارسها "هذا سيكون قبري، جهزه لي" وبالفعل قد دفن في القبر الذي اختاره، حتى أنه كان يجهز لفرح شقيقته وارتدى بدلة وأخبرهم بأن زفته وعرسه سيكون يوم الجمعة.
على موعد
يوم الجمعة الموافق 12-10-2018م، جهّز شهيدنا القسامي محمد نفسه للمشاركة مع أبناء شعبه في فعاليات مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار شرق مخيم البريج، وظهر في فيديو قبل استشهاده يكبر بأعلى صوته ويدعو الجماهير للتقدم، وقص السلك الزائل وعبور الأراضي المحتلة، وهناك ارتقى بطلق قناص صهيوني، وفاضت روحه إلى بارئها رحمه الله.
رحم الله شهيدنا وأسكنه فسيح جنانه، مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، والملتقى الجنة إن شاء الله رب العالمين