الشهيد القسامي / محمد صبحي سليم عابدين
دائم الحديث عن الشهادة
القسام - خاص :
منذ وطأت أقدام الصهيونية أرضنا الشريفة وعاثوا فيها فسادا وخرابا، أوجد الله رجاله في الأرض وقد اصطفاهم الله ليقاتلوا ويكافحوا من أجل استعادة الوطن ونيل الحرية.
تتوالى قصص هؤلاء الرجال وحكاياتهم، من مجاهدي كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين سطروا بطولاتهم وجهادهم ضد الأعداء بضياء ونور.
نشأة فارس
27-11-1991 م، كان يوماً لبدء قصة الشهيد المجاهد: محمد صبحي عابدين، بعد أن كتب الله لشهيدنا أن يولد في هذا اليوم، في قلعة الشهداء مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة.
وفي خضم هذه المرحلة، كانت الحركة الإسلامية المقاومة آخذة بالنمو؛ لتحقيق أهدافها نحو التحرير، وكأن القدر بأن يولد هذا المجاهد ليكمل حلقات المقاومة مع إخوانه.
منذ أن كان شهيدنا محمد طفلاً، تعلق قلبه بمسجده (حليمة)"ويسعى إليه سعياً، يحافظ على الصلوات فيه، ثم فيما بعد أبدى رغبته بالالتحاق في حلقات التحفيظ داخل المسجد وكان له ذلك.
داوم شهيدنا محمد على حفظ القرآن حتى أتمه وهو صغير، ثم شب أبو حفص ليكون شابا محفظا داخل المسجد الذي أحبه (حليمة)، فقد وقر القرآن بقلبه وعم خيره في شخص الشهيد رحمة الله عليه، هذا القلب الذي تعلق بالقرآن أضفى على جوارحه حلاوة العمل وعلى لسانه طيب الخلق، فقد أكن لوالديه كل احترام وتقدير، برا بهما يطيعهما في كل ما يريدانه، وأبى إلا أن يكون سندا لوالده في عمله اليومي.
أما مع إخوانه فلقد كان الشهيد محمد رحمة الله عليه معروفا بعطفه وحنانه ومودته، وكان لهم بمثابة الأخ الناصح الموجه لهم، لم تشوب حياته مشاكل تذكر معهم، بل زين حياتهم وجملها.
وبعيدا عن إطار البيت، فلقد كان أبو حفص ذو سمة طيبة وصاحب ابتسامة لا تفارق محياه، اتسم برقة القلب وحرص على ألا يقصر مع أحد جيرانه إذا طلبه، ومبادرا لمن يحتاج ولا يطلب.
كانت أخلاقه وطباعه مرهونة بشخصه الملتزم بالمساجد وأنشطته، فكما ذكرنا سلفا فإن الشهيد محمد التزم الصلاة فيه منذ الصغر، إلى أن ترعرع بين أكنافه لتتشكل علاقة قوية مع أشبال المسجد ووجدوا فيه نعم الأخ الموجه الحنون، ناهيك عن نشاطه المسجدي وفعاليته في اللجان الاجتماعية والرياضية والجماهيرية، ويذكر أنه رحمه الله كان في آخر فترات حياته أميرا للجنة الرياضية.
دراسته وعمله
أما عن ذلك، فإن شهيدنا محمد كان قد التحق في مرحلته الابتدائية في مدرسة عبد الله أبو ستة، ثم أكمل مسيرته الثانوية في مدرسة كمال ناصر، وقد كان في دراسته متميزا عن أقرانه، فلقد تميز بالحلم والنفس الطويل، حريصا على الحضور المبكر.
حصل الشهيد على شهادة الثانوية العامة وأهلته للالتحاق بكلية العلوم والتكنولوجيا تخصص إدارة أعمال، ولقد أنهى دراسته الجامعية بالحصول على شهادة الدبلوم، رحمه الله.
وبالحديث عن حياته الجامعية، وبالرغم من أعباء محمد الكثيرة والتزاماته العدة التي يكلف بها من قبل الحركة والمسجد والجناح العسكري القسام، إلا أن روحه القوية وهمته الحديدية جعلت منه عضوا فعالا في العمل الطلابي للحركة (الكتلة الإسلامية) فيذكر أنه كان يحرص على الالتزام والمساهمة في أنشطتها.
أما عن عمله، فلقد كان ذراعا لوالده في محل ورشة الألمنيوم الخاصة بوالده، على الرغم من الأعباء المكلفة بها من قبل الحركة والجهاز العسكري، فلقد أتقن حرفة أبيه منذ الصغر حتى يكون رجلا، وبالفعل كان رجلا بحق.
انضمامه للحركة الإسلامية
مشاركة الشهيد محمد الفعالة، صوبت الأنظار نحوه، وشخصية محمد المهذبة الملتزمة جعلت من الإخوة بأن يغتنموا شخصه، فما كان منهم إلا أن قاموا باستيعابه في أحد الأسر الجانبية ثم بايع الحركة وعمل لها، حتى أصبح عاملا في صفوفها الأولى المعطاءة.
لم يبخل قط بوقته او مهارته لرفع الحركة والسير بها نحو الهدف، فلقد برز نشاطه التنظيمي في العمل ضمن جهاز الجماهيري، وأيضا شارك في تنظيم مخيمات الفتوة الصيفية، وهذا يدل على انتماءه القوي للحركة وأهدافها، بالإضافة لكونه أحد المنظمين لمخيمات الكشافة بالمنطقة.
حياته الجهادية
لم يكتف الشهيد بالعمل الدؤوب والمشهود له بالحركة والدعوة، بل أراد أن يقدم أكثر لدينه ووطنه، فكان منه أن يقدم طلب للانضمام لصفوف الكتائب عن طريق أميره في الدعوة ولقد كان ملحا مصرا على تجنيده، ومما يدلل على ذلك أنه قام بتقديم الطلب إلى عدة أشخاص.
نعم، شهد لشهيدنا طيلة حياته بالإقدام والبذل والتضحية والعطاء. ما إن تم قبول طلب الشهيد، حتى انخرط الشهيد أبو حفص بقوة وفعالية كبيرة، فقد تميز بأدائه ونشاطه الفعال والمبادر لذلك تم الاعتماد عليه في كثير من المهام والأعمال العسكرية الخاصة والعامة.
تسلسل عمل الشهيد الجهادي، ومن ذلك أنه عمل في أحد المجموعات القسامية ثم انتقل إلى وحدة الإسناد ثم أصبح نائب أمير وحدة الإسناد في سريته، والتحق بعدة تخصصات عسكرية مثل دورة المشاة واجتاز دورة القنص وبعد ذلك دورة الدفاع الجوي وأيضا انضم إلى وحدة الاستشهاديين لفترة من الوقت ثم أصبح مدرباً في وحدة الإعداد والتدريب في الكتيبة وذلك نظرا لمهارته العالية.
كانت حياة الشهيد الجهادية زاخرة بالجهاد والنضال، إيمانا منه بالطريق الوحيد للتحرير وهو الكفاح المسلح.
ارتقت روح الشهيد محمد بكل شيء، فلقد تميز بأخلاقه الرفيعة عن غيره فقد كان رحمة الله عليه ملتزما بأداء الأعمال الموكلة إليه على أكمل وجه وكان يحرص على إنجازها بسرعة متقنا إياها، وكان في رباطه عابدا ذاكرا يحث على إخوانه على الذكر والطاعة، ويذكرهم بالله وبفضل الرباط والجهاد في سبيله.
وبالاطلاع عن كثب على تخصصه وقدرته العسكرية، فإنه كان مجتهدا ومتميزا فيها، ويذكر هنا أن الشهيد أبو حفص حصل على دورة متقدمة في سلاح bkc لذلك تم تعيينه نائبا لأمير وحدة الإسناد في السرية، لحنكته وفطنته العسكرية المشهودة.
إيحاءات الشهادة
روح محمد التي كانت تتوق الشهادة، كانت تلمح إلى رحيله القريب، فلقد كان رحمه الله شديد التذكير والتمهيد لوالديه وأهله عن استشهاده، والحث على الصبر عند تلقي نبأ الاستشهاد، واليوم حقق ما قاله محمد، وما على أهله إلا الصبر والحمد. فلقد فاز محمد بإذن الله فوزا عظيما، فسلام لروح افتقدها المسجد بعد محمد.
كيفية الاستشهاد
أبو حفص، الرجل الذي خاض الكثير في سبيل الوطن والدين، لقد اشتاق للجنة لدرجة أنه كان يحدث بعض إخوانه المقربين عن رغبته بالشهادة والمشاركة في المهام الجهادية لنيلها.
دقت طبول الحرب، وبدأت ألسنتها تتصاعد. وقامت الغارات الصهيونية الجنونية تقتل المدنيين والأبرياء العزل، وشنت طائرات العدو هجماتها، وما كان من رجالات الوطن إلا أن يذودوا عن وطنهم وأرضهم، ويقاتلون محتلهم.
ومن هؤلاء كان الشهيد محمد أبو حفص، الذي كان منذ بداية الحرب في رباط دائم على الثغور، وفي المناطق المتقدمة من كتيبة البلد فلقد كان شهيدنا مرابطا في إحدى نقاط الرباط وأثناء عودته تم تكليفه من قبل القيادة بمهمة وأثناء تأديته للمهمة تم استهدافه بثلاث صواريخ من طائرة الاستطلاع.
ارتقى أبو حفص مدرجا بالدم على أرضه التي أحبها وقاتل من أجلها، معلنا بذلك شعلة أولى لإضاءة الطريق ألا وهو طريق التحرير بإذن الله.
أبو حفص السباق المبادر، رجل المهمات الصعبة أضحى شهيدا عند ربه، وروحه تنظر إلينا من أعلى مبتسمة لتبشرنا بأن قادم الأيام لنا، لأننا على حق وسننتصر.
فتنت روحي يا شهيد. علمتها معنى الخلود. شوقتها إلى الرحيل. أسرتني يا شهيد ...