القائد الميداني / محمود محمد البورنو
المجاهد الصامت الذي قتل غدراً
القسام - خاص :
كان من المفترض أن يزف إلى الحور العين بعد قصف طائرات الأباتشي الصهيونية لحي الدرج واستشهاد القائد العام لكتائب القسام الشيخ صلاح شحادة ومساعده القائد زاهر نصار، إلا أن القدر شاء له أن يغادرهم قبيل القصف بلحظات برفقة الشهيد القسامي القائد ياسين نصار لينالا الشهادة كل على حدة في مكانين آخرين، القائد ياسين أثناء اجتياح حيي الزيتون والشجاعية برصاص الصهاينة، أما هو فكانت شهادته برصاص ميليشيات لحد "البائدة" التي كانت تمارس التعذيب ضد المجاهدين وتقوم باعتقالهم، لتصعد روحه إلى بارئها تشكو له ظلم الظالمين ولسان حاله يقول:
"وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند"
حي الزيتون يستقبل البطل
ثاني أيام شهر أغسطس من العام 1969م كان حي الزيتون في مدينة غزة على موعد مع استقبال ميلاد بطل فلسطيني, الذي ما إن ولد حتى غمر قلب والديه فرحا وسرورا مذ أبصرت عيناه النور, فتعهداه بالتربية في ظل أسرة مسلمة مجاهدة ملتزمة بكتاب الله وسنة رسوله, حرصت في تربيته على أن تجعل منه إنسانا متواضعا خلوقاً يحرص على الالتزام في حلقات العلم وتعلم حب التضحية والجهاد، وتربي على معاني الرجولة والشجاعة منذ صغره والجرأة في الدفاع عن الحق, وعوده والداه على ارتياد المساجد منذ صغره.
تلقى محمود تعليمه في مدارس حي الزيتون فبدأها بمدرسة صفد الابتدائية وكان في جميع مراحل دراسته الطالب المتميز خلقيا، المحبوب من قبل مدرسيه وزملائه، لكنه لم يكمل دراسته الجامعية بل انتقل إلى العمل في مجال سمكرة السيارات ليصبح متقنا ومخلصا لتلك المهنة.
في ركب الدعوة..
حظيَ محمود باحترام الجميع من كل من عرفه وتعامل معه، ويتعاون مع كل من طلب منه المساعدة خاصة فيما يخدم الإسلام والمسلمين وإخوانه في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ويعتبر أحد الشباب العاملين في خدمة الحركة الإسلامية في منطقة الزيتون وامتاز بالنشاط الملحوظ في كافة مجالات الحياة والأنشطة التي يكلف بها, فبعد أن بايع الإخوان وسار على نهجهم ترأس جلسة إخوانية داخل مسجده "خليل الرحمن" لتدارس القرآن الكريم وتفسيره مع السنة النبوية الشريفة، كما ترأس جهاز الأحداث في المنطقة وأصبح أحد أفراد وحدة التصنيع القسامية، وعندما أصبح محمود شابا يافعا تزوج من إحدى الأخوات الفاضلات وأنجب منها ثلاثة أبناء من الذكور.
شعلة من النشاط
بعد مشواره الدعوي والاخواني، أصبح محمود عضواً نشطاً فعالاً في كتائب الشهيد عز الدين القسام، التي طالما سعى إليها فكانت له الثقة والجندية، كان شهيدنا القسامي "محمود البورنو" حقاً عند حسن ظن قيادة الكتائب وتقديرهم له فقد أبدى حماساً وجرأة والتزاماً مميزاً في مهامه الجهادية كمرابط يقظ ومقاتل جسور وفارس كل ميدان بلا كلل أو ملل، فلم يترك مجالاً في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام إلا وقد عمل به، فقد أطلق صواريخ القسام على المغتصبات الصهيونية، وأطلق قذائف الهاون و(RPG).
شهدت له بالتميز والإخلاص معظم الاجتياحات لحي الزيتون والشجاعية ومناطق مختلفة في قطاع غزة حيث كان مشاركا جسورا في صدها وكان يقوم بتفجير العبوات شديدة الانفجار في الدبابات الصهيونية وإطلاق قذائف الـ (RPG) على الجرافات الصهيونية التي كانت تقوم بتجريف مساحات واسعة من أراضي المواطنين الفلسطينيين.
المجاهد المجهول
يعتبر محمود البورنو أحد العناصر المجهولة في صفوف كتائب القسام، حيث إنه لا تتوافر معلومات كثيرة عن طبيعة دوره الجهادي في صفوف الكتائب وما عرف عنه فقط أنه عمل مساعداً ومرافقاً خاصاً للشهيد القائد القسامي زاهر نصار ضمن صفوف كتائب القسام، والقائد القسامي ياسين نصار.
كما أنه أوصل الشهيد القائد زاهر نصار إلى المنزل الذي تواجد فيه برفقة القائد العام الشيخ الشهيد صلاح شحادة ليلة قصفهم وما إن غادرهم حتى كانت المذبحة التي ارتكبها الصهاينة في حي الدرج، فحزن حزناً شديداً على فراقهما، وواصل عمله بإشراف القائد القسامي ياسين نصار حتى لحظة استشهاده خلال اجتياح حي الشجاعية والزيتون.
تأثّر رفاق درب الشهيد عندما سمعوا خبر استشهاده خاصةً أنه قتِل على يد ذوي القربى من سلطة الحكم الذاتي فحزِنوا حزناً شديداً, ويذكر أن الشهيد قد تعرض لعملية اعتقال في سجون السلطة البائدة عام 1996م.
رصاصات غدر وخيانة
ظهر الاثنين السابع من أكتوبر عام 2002م، وبينما شهيدنا محمود متواجداً في ميدان فلسطين حاصرت مجموعة من شرطة السلطة الفلسطينية التابعة للرئيس ياسر عرفات آنذاك وعناصر من فرقة الموت، حاصروا عناصر من كتائب القسام في محاولة لاعتقالهم بعد أن سأل الناس ما الذي يجري؟ لترد عناصر الأمن بأنهم مشبوهون، ورد الناس إنهم من كتائب القسام ألا ترون وجوههم وإشاراتهم.
تصدت الجماهير الفلسطينية الوفية لعناصر الأمن ليمنعوهم من اعتقال المجاهدين ورشقوا عناصر الأمن بالحجارة وردت الشرطة والوقائي بالرصاص فقتلوا الشهيد البطل محمد فخري حجازي بعيار ناري في الصدر، أما الشهيد "محمود محمد البورنو" فقد انتقد ما شاهد من إطلاق الأمن للنار بصورة عشوائية على الناس ووقوع عشرات الجرحى فرد عليه أحد أفراد سلطة الحكم الذاتي بالقول: "توقف وإلا سأقتلك" فرد عليه البورنو بهدوء لم يتوقع: "اقتل" فأخرج الأخير سلاحه وأطلق النار على البورنو مباشرة أمام عشرات الفلسطينيين من مسافة لا تتجاوز الثلاثة أمتار فارتقى محمود شهيداً لترتفع روحه إلى بارئها.
استشهد البورنو وأطفاله الثلاثة لا يزالون بانتظاره لا يدرون أن ذوي القربى قتلوه لأنه يسكن صدره حرقة وشرفا وعزة وكرامة.