الشهيد القسامي/ عبد الرحمن ناظم خليل النجار
على درب الجهاد تحلو الحياة
القسام - خاص:
كم هي عظيمة منازل الشهداء حين يرتقوا على ثرى فلسطين الحبيبة، كيف لا وثمن التضحية هو النفس، ففي كل يوم يرتقي شهيد يطوف بروحه حول المسجد الأقصى ليرفع عمله خالصاً لله، فهم نجوم تتلألأ في سماء الوطن المحتل، ينيرون لمن بعدهم دروب النصر بأخاديد نقبوها بأظافرهم ليعبر خلالها المجاهدون طريق التحرير وجوس الديار المحتلة.
النشأة
ولد الشهيد عبد الرحمن في مدينة خانيونس، وذلك بتاريخ 21/3/1994م، ويوجد لتسمية شهيدنا بهذا الاسم قصة، فقد أصرت والدته على تسميته باسم عبد الرحمن، وتمنت ذلك؛ لأنه بالنسبة إليها أجمل الأسماء وأفضلها، ولكن رفض والد عبد الرحمن ذلك، وعندما ذهب لتسجيله، سأله الموظف: ما اسمه؟ توقف عن الكلام ولم يستطع الإجابة، وحينها قال له الموظف: أتعلم إن اسم عبد الرحمن من أجمل الأسماء وأحسنها، فقرر الأب بعد ذلك أن يسميه عبد الرحمن.
نشأ شهيدنا عبد الرحمن بين أحضان عائلة مجاهدةٍ، ملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ربت أولادها على الجهاد في سبيل الله ومقارعة أعداء الأمة، وفي المسجدِ كانت له صولات وجولات، فكان محافظًا على الصلاة في المسجد، داعيًا إلى الخيرِ، كما كان متميزًا بالهدوء، فكسب قلوب جميع من حوله من الأهل والأحباب والأصدقاء، كما كان بارًا بوالديه حنونًا عليهما محبوباً عندهما.
حياة مجاهد
كان شهيدنا رفيع الأخلاق، مهذب في الحديث مع عامة الناس، ، كما أنه كان من بين الملتزمين في المساجد المحافظين على الصلوات وخاصة صلاة الفجر، وكان محبا لجميع أهله، فيمزح مع أخوته واخواته يحبهم ويحبونه، وكان عطوفا رحيما يساعد الفقراء بما استطاع ويشارك الجميع في الأفراح والأحزان.
عرف عن القسامي عبد الرحمن بأنه شديد التسامح والصفاء والنقاء، ويؤثر غيره على نفسه، وكان يلقب في بيته بـ (جوكر البيت) فكان يساعد والديه وإخوانه حتى أن أخاه قال بعد استشهاده: (من سيساعدنا بعدك يا عبد الرحمن) كان واصلا لرحمه حتى آخر نفس، وكان يحب الأطفال بشدة، ولا يتردد في فعل الخيرات، ويذكر له أنه مكث مع أحد أقربائه من مصابي مسيرات العودة أكثر من ثلاثة أسابيع دون شكوى أو ملل.
تلقى شهيدنا تعليمه في مدارس منطقة معن، ولم يكمل شهيدنا دراسته، لكنه حصل على عدة دورات في المجال المهني في عدة أعمال منها: الحلاقة، والألمنيوم، وميكانيكا الدراجات النارية، وحصل في دورة الحلاقة على الامتياز، وأتقن كل هذه الأعمال، ولكنه لم يمارسها من أجل كسب المال، بل لمساعدة أهله وجيرانه بدون مقابل، ويشهد له الناس أنه كان يقوم بالحلاقة لهم مجاناً.
ركب الدعوة والجهاد
كان شهيدنا ملتزما بالمسجد منذ صغره؛ نظرا لأنه من أسرة ملتزمة، فقد تربى في المسجد، ويذكر أنه كان بين الحين والآخر يطلب مفتاح المسجد من المؤذن، وكان يجلس فيه هو وأصحابه حتى الفجر، وكان ملتزما في مسجد أبي عبيدة بن الجراح، وذات يوم أرادوا فرش المسجد، فكان من أوائل المبادرين ولم يغادر مسجد أبي عبيدة حتى انتهى فرشه.
ونظرا لالتزام شهيدنا المسبق بالمسجد، كان سهلا على إخوانه في الدعوة استقطابه، وقد انتظم في الجلسات الدعوية حتى بايع الإخوان المسلمين عام 2015م، وكان أخا فاعلا، ومتواجدا دوما حين يُنادى لأي أمر دعوي أو أي عمل في خدمة دين الله، وكان دوما حاضرا في جنازات الشهداء وتأبينهم، فكان لا يترك ميدان خير إلا ويتواجد فيه.
بعد أن كان في مرحلة الإعداد الدعوي، وبعد أن بايع الإخوان المسلمين، كان شديد الإلحاح على الالتحاق بكتائب عز الدين القسام، وكان دوما يسأل عن ذلك، وكانت لديه رغبة حثيثة في الانضمام، وكان يقول أنه يطمع في أجر الرباط والجهاد، حتى رأى إخوانه الوقت المناسب لالتحاقه، فالتحق في صفوف القسام عام 2016.
وكان شهيدنا ذو بنية قصيرة، ورغم ذلك تميز بقوة الجسم وشدته حتى أنه تميز في عمل الأنفاق وحفرها وبنائها، وكان يمازحه إخوانه المجاهدين بأنه كان يجري في الأنفاق دون خفض رأسه، وكان يحمل عمل إخوانه عند تعبهم، وكان أيضاً جندياً في وحدة النخبة القسامية، فقد التحق بعدة دورات أهلته لذلك، منها، دورة إعداد مقاتل ودورة تأهيل وابتداء، دورة مشاة مستوى ثاني، دورة مغلقة مستوى أول، دورة مغلقة المستوى الثالث، وكانت آخر دوراته في الإعلام العسكري، كما حصل على دورة في تخصص القنص وحصل فيها على الامتياز.
شارك شهيدنا القسامي عبد الرحمن في العديد من الأنشطة في وحدة النخبة القسامية وشارك في عدة كمائن متقدمة، ونظرا لأنه كان كتوما جدا، وما تميز به من قوة الجسد، فقد تم اختياره لعدة مهام، أبرزها المهمة التي استشهد فيها وإلى جانب ذلك تم اختياره للرباط في كمائن متقدمة جدا حتى استشهاده.
استشهاده
كان شهيدنا يرغب بالزواج لكنه في آخر فترة من حياته كان يرد على الناس بقوله: سأتزوج من الحور العين، وكان قد أخبر أحد أصدقائه أنه سيخطب بعد العيد وكان استشهاده، ويروي والده أنه رأه قبل استشهاده بيوم واحد وكان نيّر الوجه وناداه "أبي" فيستكمل الأب حديثه قائلا: لم أسمع منه أحن من هذه الكلمة، ويقول إنه من نور وجهه لم ينتبه لحديثه.
وأيضا قام بإعطاء أخيه عدية أمه وأخواته قائلا: قد لا أعود مرة أخرى، وقد ساعد أخاه واشترى له عدة أغراض من السوق، وطلب منه أخوه أن يفطر معهم، ولكنه رفض قائلا: ليس هناك وقت، وخرج لمهمته في الأنفاق، وفي اليوم الحادي عشر من شهر مايو لعام 2021م، وذلك في يوم الثلاثاء الموافق 29 رمضان لعام 1442هـ، خرج مع ثلة من رفاقه لأداء مهمة كلف بها وإخوانه وذلك مع بداية معركة سيف القدس التي هب فيها المجاهدون لنصرة المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف، وخلال تواجده مع رفاقه في نفق للمقاومة شرق منطقة الفخاري تم استهدافه من طائرات الغدر الصهيونية، فارتقى إلى ربه شهيدا مع رفاقه.
كرامات الشهيد
يذكر لنا والد الشهيد أنه ذات مرة في حياته، جاءه ابنه الشهيد وكان فرحا، وقال لوالده: لقد اشتريت كفنا، وهذا كفني عند استشهادي، وبعد استهدافهم وانقطاع التواصل معهم، رأى أحد أقرباء الشهيد في المنام عبد الرحمن وإخوانه الثمانية، فقال لهم متعجبا: أين أنتم؟ نحن نبحث عنكم منذ مدة بسبب فقدانكم، فقال له الشهيد عبد الرحمن وهو يضحك: لا تقلقوا علينا، نحن سعيدون وفرحون وفي أحسن حال، وكان ذلك قبل انتشالهم بعد استشهادهم.
يذكر أن والده عندنا أحضروا له صورا كثيرا لابنه في فترة العزاء، وعندما سمع أعمال ابنه ومهامه الجهادي، قام بأداء سلام (تعظيم سلام) للصورة لا إراديا؛ تقديرا لولده وجهده وجهاده ونيله للشهادة.