الشهيد القسامي/ فراس سليم عبد الحق
لم يطق الحياة مفارقاً شقيقه
القسام ـ خاص:
لم يكن يعرف أصدقاء المجاهد القسامي فراس عبد الحق السبب وراء حماس فراس الكبير لعدم تأجيل عمليته التي أعد لها منذ أيام والتي تقضي بالقيام بإطلاق النار على الجيبات العسكرية على الشارع الالتفافي قرب مدينة نابلس، وبالرغم من إلحاح زملاء فراس المشاركين له في عمليته بتأجيلها إلى يوم غد بعد أن تعطلت السيارة التي تقلهم، إلا أن فراس أصر على إكمال تنفيذ الخطة المعدة بعد أن تأكد من أن العطل الموجود في السيارة لا يحتاج لأكثر من ساعة من الوقت فقط لتعود للسيارة عافيتها، ولكن القدر كان وقتها ينسج اللحظات الأخيرة من عمر المجاهد القسامي فراس سليم حلمي عبد الحق بعد أقل من ثلاثة أشهر على استشهاد شقيقه الأصغر وأحب إخوته إليه همام عبد الحق.
انطلق المجاهدون الثلاثة بقيادة فراس على الطريق الالتفافي مابين قريتي "بيت ايبا" و"زواتا" غرب مدينة نابلس عصر يوم الاحد 19/5/2001 لينشب اشتباك مسلح عنيف بين المجاهدين والدورية العسكرية الصهيونية الأمر الذي أدى إلى إصابه أحد الجنود بجراح، أما فراس الذي تقدم لدرجة كبيرة نحة الجيب الصهيونية فقد أصيب بجراح خطيرة لم يلبث أن لفظ أنفاسه الأخيرة بعد إصابة مجاهد آخر بجراح متوسطة، وكانت طائرة الاستطلاع الصهيونية التي كانت تتسلل في نسمات مدينة نابلس الهادئة تحلق في سماء مدينة نابلس، وقد كان لها دور في تحديد مكان إطلاق النار وتوجيه القوات المساندة نحو ذلك المكان.
ميلاده
في 29/11/1978 ولد المجاهد القسامي فراس سليم حلمي عبد الحق، بين ثمانية من الاخوة والاخوات خمسة منهم من الذكور، وكان ترتيب فراس خامس اخوته جميعاً، عرف عن أسرته التزامها وصلاح أخلاقها وتدينها حيث درجت خطوات فراس الأولى إلى المسجد مبكراً في مرحلته الابتدائية، وكان من أبرز براعم مسجد خالد بن الوليد في الحي، درس مرحلته الابتدائية في مدرسة أبو العلاء المعري، وتابع مرحلته الاعدادية في مدرسة ظافر المصري، ليتحول بعدها في المرحلة الثانوية الى المدرسة الصناعية، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي توجه إلى سوق العمل حيث عمل في محل لتنجيد الاثاث المنزلي.
شقيقه همام
بالرغم من كون فراس كانت له الكثير من العلاقات مع الشهداء وكان من أبرزهم الشهيد القسامي جمال الناصر، إلا أن قلب فراس لم يعرف حباً كحب شقيقه همام الذي كان يشاركه غرفته الصغيرة في منزلهم بمدينة نابلس، يتبادلون كل ليلة أطراف الحديث عما جرى لكل منهم من أحداث في نهار كل منهما، إلا أن هذا الحال لم يستمر طويلاً، فقد شهد يوم السبت 2/5/2001 تحولاً كبيراً في حياة المجاهد القسامي فراس..
فبعد أن انطلقت المسيرة التي دعت لها الحركة الاسلامية تأييداً للمقاومة الفلسطينية، وكان همام على رأسها كعادته، وبعد أن وصلت المسيرة إلى مشارف شارع القدس عند المدخل الجنوبي لمدينة نابلس باغتتهم دورية عسكرية وبدأت بإطلاق النار بكل اتجاه، وبكثافه هائلة، حتى كانت أحد تلك الرصاصات تأخذ طريقها لوجه المجاهد همام، وتخترق وجهه من أسفل العينين، ليرتقي بعدها شهيداً، كان وقع انتقال همام إلى العليا بعد خبر نقله إلى المستشفى بحالة خطرة كالقنبلة على قلب فراس، فقد أمضى بقية لياليه القليلة التي عاشها بدون همام باكي العينين وحيداً في غرفته يحتظن صورة حبيبه الصغير همام، وتقول والدته أنه كان يقرِّب سريرة من سرير همام وينام عليهما سوية، وتضيف لقد كان همام يعني له الشيء الكثير فقد كان له أي فراس أب ثانٍ.
نشاطه العسكري
بالرغم من أن فراس انتظم منذ بداية الانتفاضة في صفوف "كتائب الشهيد عز الدين القسام" إلا أنه لم يلحظ عليه حتى المقربون منه أي شيء من هذا النشاط، أو ما يدل على هذا الانتماء، ولم يظهر حقيقة انتمائه للجناح العسكري إلا بعد استشهاد شقيقه همام، فقد أصبح يعود إلى بيته في ساعات متأخرة من الليل، وأحيانا قبيل الفجر يساعد اخوانه في طلعاتهم الجهادية، وعندما يسأله ذووه عن سبب تأخره كان يخبرهم: بأنه كان يسَمرُ عند أصدقائه، ولكن في حقيقة الأمر كانت عينا فراس ممن قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله".
ويقوم بطلعات جهادية على الطرق الالتفافية لضرب دوريات العدو الصهيوني التي تنشط ليلاً لمداهمة منازل المواطنين الفلسطينيين بحثاً عن المجاهدين، وقد سجل لفراس العديد من العمليات النوعية والجرئية بضرب الدوريات الصهيونية على شارع "دير شرف" و"تل" و"عصيرة الشمالية"، ومع هذا فكان فراس يحرص على أن يبقى جميع عمله بعيداً عن تناقل الالسن، فقد شاهد مع والده في أحد المرات خبر إصابة مغتصب صهيوني بجراح خطيرة على الطريق الالتفافية، وقد أبدى الوالد إعجابه بشجاعة المنفذين أما فراس الذي كان أحدهم فلم يتكلم بكلمة واحدة عن دوره في العملية بل أثنى على مديح والده.
لقد كان فراس محبوباً من قبل المسلحين ومن جميع الفصائل على اختلاف تنظيماتهم ومشاربهم، فقد كانت جدران غرفته تتوشح بصور أكثر من أربعين شهيداً من مختلف الفصائل والتي كانت تربط فراس بهم علاقات وطيدة، كما لم يعرف عن فراس أنه أطلق يوماً ما رصاصة في أحد المسيرات والتجمعات بل كان يعتبر أن كل رصاصة يجب أن يكون ثمنها رأس صهيوني محتل.
استشهاده
في عصر يوم الاحد 2/8/2001 توجه فراس ومجموعة من المسلحين القساميين باتجاه شارع "زواتا - بيت ايبا" على أطراف مدينة نابلس الغربية للاشتباك مع الدورية العسكرية الصهيونية التي سَتمر من ذلك الشارع، بحسب التوجيهات التي أكدها المجاهد الذي قام بعملية المراقبة لتلك العملية على مدار الأيام الماضية, وكان الاشتباك قد أدى لإصابة أحد المجاهدين وإصابة آخر برصاصة قاتلة في الشريان التاجي في القلب، وكان الشهيد هو فراس عبد الحق 23 عاماً من مدينة نابلس وهو شقيق الشهيد همام عبد الحق الذي استشهد في إحدى المواجهات على مدخل نابلس الجنوبي قبل شهرين ونصف تقريباً.
وأفاد شهود عيان أن طائرة استطلاع صهيونية كانت تحلق ومنذ ساعات فجر اليوم في سماء مدينة نابلس وحسب الأهالي فإن الطائرة تحلق على مستوى عال ويبدو أنها استكشافية وبدون طيار، ويعتقد أيضاً أن نشاط الطائرات الاستطلاعية مرتبط بأعمال استخبارية لمراقبة نشطاء الانتفاضة، ومن كرامات الشهيد فراس رحمه الله أن جثته بقية ندية بالعرق باستمرار مما أثار الأطباء الذين أكدوا أن جثث الشهداء تعرق لمرة واحدة فقط وليس باستمرار، كما تؤكد والدته التي تزور قبره باستمرار أنها تشاهد الحمام الأبيض في الكثير من المرات في محيط قبر الشهيدين الذين دفنا بجانب بعضهم البعض.
تشييع الشهيد
وقد نعت حركة المقاومة الاسلامية حماس الشهيد فراس عبد الحق وأذاع نشطاء في الحركة في سرادق التأبين الجماعي بمدرسة كمال جنبلاط الثانوية حيث انضمت أسرة الشهيد إلى جانب باقي أسر الشهداء من قادة حماس، وقد وصفه بيان التأبين بأنه أحد المجاهدين العاملين في كتائب الشهيد عز الدين القسّام.
كما أذاع وصيته التي طلب فيها بأن يلف بالعلم الأخضر الموشح بكلمة التوحيد، وكان قد انطلق موكب الشهيد فراس عبد الحق من مشفى رفيديا مخترقاً شوارع المدينة مروراً بميدان الشهداء باتجاه المقبرة الشرقية لمواراته الثرى، وقد انضم آلاف المواطنين الفلسطينيين إلى موكب الشهيد وهم يرفعون الأعلام الفلسطينية والرايات الإسلامية، كما تقدم المسيرة رتل من السيارات العسكرية الفلسطينية وعشرات المسلحين الذين أطلقوا النار في الهواء تحية للشهيد.