الشهيد القسامي/ طارق محمود عبد ربه
بطل صواريخ القسام في الضفة الغربية
القسام ـ خاص:
لم يكن المحتلون الصهاينة يعلمون أن انقطاع الكهرباء عن مغتصبة "نتانيا أم خالد القريبة من منطقة طولكرم الغربية قد جاء نتيجة إصابة مولد الكهرباء بصاروخ قسام " 2".
كان ذلك في البداية قبل أن يدركوا أن خلية قسامية نشطة تعمل في المكان على تزويدهم بالموت المرتقب مع كل صاروخ قسام أطلق من قلب مدينة طولكرم واستقر في المغتصبة الساحلية الصهيونية المقامة مكان القرية العربية التي دمرت عام 1948 " أم خالد" .
الشهيد القسامي البطل طارق محمود أحمد عبد ربه أحد فرسان تلك الخلية القسامية التي امتشقت السلاح وراحت تقاتل المحتلين بعد أن افترش أبطالها الأرض والتحفوا السماء في رحلة المطاردة التي انتهت بالأسر لبعضهم والبقاء على العهد لآخرين والشهادة للعدد الأكبر ومنهم شهيدنا طارق.
ميلاد بطل
ولد الشهيد البطل في مخيم طولكرم للاجئين بتاريخ 21/6/1977م، بعد أن هُجِّرت عائلته من الأراضي التي احتلت عام 48م حيث مسكنهم الأصلي في وادي الحوارث..
بقي ينتظر لحظة العودة إلى أرض الوطن الذي رسم له صورة جميلة في مخيلته.. بعدما سمع أجمل الذكريات من عائلته وهم يصفون ربوع ومساكن ذلك الحي الذي أصبح دمارا وأنقاضا بعدما دنسته أقدام الصهاينة وهم يطئونه مغتصبين.
ابن المساجد
نشأ طارق في طاعة الله وأحب المساجد منذ نعومة أظفاره.. عرف بهمته العالية وإقباله على الطاعات, وحضور الجماعة في المسجد ولم يذكر أنه تغيب يوما عن صلاة الفجر في المسجد فكان بحق أحد رجال الطاعات المسارعين في الخيرات.
أما صفاته فقد عرف بطلاقة الوجه وبشاشته وبسامة المحيا, وكثيرا ما كان يحتضن الآلام بقلبه ولا يبديها أمام إخوانه حتى لا يشغلهم بها وهو الذي يسعى دائما للحفاظ على البسمة على وجوههم.
أحبه أصحابه وأصدقاؤه الذين شعروا بمعنى الأخوة الصادقة في رفقته وهم يجدون منه الأخ الوفي والصديق المخلص الذي يؤثرهم على نفسه..
في الحركة الطلابية
طارق أحد الوجوه البارزة في العمل النقابي والاكاديمي قبل مطاردته للمحتلين مع اخوانه في الكتائب, درس في مدارس وكالة الغوث حتى أتم فيها المرحلة الابتدائية والإعدادية.. ثم انتقل بعدها إلى مدرسة طولكرم الثانوية.. فكان فاعلا ونشيطا في صفوف الحركة الطلابية الإسلامية صانعة الرجال وأبطال الجد والجهاد..
كانت تلك الفترة حافلة في الحياة الدعوية والاكاديمية لشهيدنا طارق فمن حلقات الذكر في المساجد.. إلى المهرجانات والنوادي الصيفية ومراكز تحفيظ القرآن , إلى المسابقات الثقافية والمهرجانات والأمسيات والمهرجانات الرياضية , كلها فعاليات أنضجت شخصية شهيدنا دون أن تكف عينيه عن النظر لحلمه الاسمى ببتويج جهوده بالشهادة .
التحق طارق بجامعة القدس المفتوحة في محافظة طولكرم ليتخصص في مجال الخدمة الاجتماعية.. وهناك تتلمذ على يد أمير الكتلة الإسلامية الفارس القسامي الشهيد عامر الحضيري.. ليرتقي في خدمة الإسلام والدعوة من خلال نشاطه البارز في الكتلة التي رفعت شعار "الإسلام هو الحل" فكرا ومنهجا وسلوكا.. ليخاطب أكثر فئات المجتمع وعيا وإدراكا وعلما بأسلوبه المعتاد والمعروف بحسن المعاملة وطيب القلب وبرودة الأعصاب ورباطة الجأش.
تخرج من الجامعة بتقدير جيد جدا وبمعدل مرتفع بعد أن حمل درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية ليدخل مرحلة جديدة في مقارعة الحياة العملية.. يحمل فيها هم أسرته ووطنه وأرضه التي اغتصبت ومقدساته التي دنست.
وبعد تخرجه انخرط طارق في برنامج الطوارئ التابع لوكالة الغوث كمشرف اجتماعي لفترة مؤقتة..
هذا بالإضافة إلى عمله التطوعي في بعض المؤسسات الخيرية في مجال البحث الاجتماعي وتوزيع الطرود الغذائية على الفقراء والمحتاجين والقيام بزيارات دورية للأيتام الذين ينتفعون من تلك المؤسسات للإطلاع على أوضاعهم المادية وحاجاتهم من الغذاء واللباس والتعليم.
جهاده وشهادته
وفي انتفاضة الأقصى المبارك دخل شهيدنا طارق مدرسة القسام ليصبح أحد الباحثين عن الشهادة ورواد معركة الانتقام , حتى أصبح مطلوبا لقوات الاحتلال.. وبدأت عملية المطاردة من قبل جهاز المخابرات الصهيوني الذي ما فتئ يوما يبحث عنه.
لم ير الناس طارق خلال أيام مطاردته , لكنهم ترنموا على نغمات سلاحه الرشاش وهو يطلق الرصاص على دوريات المحتلين برفقة اخوانه القساميين .. بحث جنود الاحتلال عنه في كل مكان.
نقبوا الأرض ونبشوها للوصول الى ذلك المقاتل الفذ الذي كان يخرج لهم من قلب أزقة وحارات طولكرم ومخيمها دون أن يصلوا اليه , داهموا منزله مرات ومرات .. خربوا جدرانه ونقبوا بلاطه وأتلفوا أثاثه واعتقلوا أشقاء شهيدنا واحدا اثر الاخر للمساومة ولضغط عليه , حيث يمضي شقيقه مصعب الان حكما بالسجن لعشر سنوات بتهمة إطلاق النار على المحتلين وتقديم الخدمات لمطاردي كتائب القسام في منطقة طولكرم .
واستمرت مطاردة طارق حتى كان تاريخ انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية حماس الخامسة عشر , وتحديدا في يوم 13/12/2002م طوقت قوة كبيرة من الجيش الصهيوني معززة بالدبابات والمجنزرات والجيبات المصفحة وكلاب الأثر تحت غطاء من طائرات الأباتشي القتالية منزلا في مخيم نورشمس القريب من المدينة كان يتحصن فيه الشهيد طارق.
أحكم الجنود حصارهم على البيت ودعوا من فيه للخروج فأبى شهيدنا واستمر على موقفه الرافض للاستسلام واشتبك مع جنود الاحتلال حتى فرغت ذخيرته , فحاول الانسحاب متخفيا عن الأنظار لكنهم لاحظوه , وأطلقوا رصاص حقدهم عليه , ليصاب برصاصتين أفقدتاه القدرة على الحراكة.
حضر الجنود وكلابهم ومعداتهم , وقاموا بسحب شهيدنا وجسده يقطر دما , أما لسانه فكان يردد الشهادتين حتى فاضت روحه إلى باريها وانتقل إلى أعلى عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
رحل طارق إلى حيث تمنى, وأعلنت حكاية القساميين مولد شهيد جديد رحل إلى عليين وهو يردد ( من دمي يطلع ألف نهار ) فإلى جنان الخلد أيها القسامي الشهيد.