ملخص الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة هو سؤال المليون الذي يطرحه قادة الاحتلال خلال الأيام الأخيرة وهو كيف قررت حماس الذهاب إلى حيفا عبر قصفها المتواصل بالصواريخ ل تل أبيب واستهداف…
ملخص الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة هو سؤال المليون الذي يطرحه قادة الاحتلال خلال الأيام الأخيرة، وهو: كيف قررت حماس الذهاب إلى حيفا عبر قصفها المتواصل بالصواريخ لـ"تل أبيب" واستهداف حيفا، النقطة الأبعد عن غزة، والذي يفتح الشهية أمام الأسئلة الثلاثة المهمة استخباراتياً، وهي: هل حماس من بادر بالحرب؟، وهل كانت مستعدة لها؟، والأهم في الحالتين يبقى السؤال الثالث الأكثر أهمية للداخل والخارج: كيف صمدت 51 يوماً؟ بنية حماس الداخلية خلال السنوات الأخيرة مثلت صمام الأمان أمام الضربات التي تعرضت لها، بدءًا من فرض الحصار بعد الانتخابات، وبعد ذلك أحكام السيطرة على قطاع غزة، ومواجهة الحرب عام 2008-2009، والخروج منها أكثر صلابة، وكذلك الحرب عام 2012، وبعدها اشتداد الحصار، وختامها الحرب الأخيرة على غزة.
وإذا ما اقتربنا أكثر من الأسباب التي ساهمت في صمود حركة حماس لمدة 51 يوماً أمام حرب شرسة نجد أن البنية التنظيمية لها أصبحت أكثر قوة وصلابة وتناسقاً، وفق نظام هيكلي محكم السيطرة عبر المؤسسات الشورية وامتثال كامل للمؤسسات التنفيذية بأذرعها المختلفة وساحاتها المتعددة، مما لعب دوراً في تماسك القيادة وتحكمها بإدارتها عبر تسلسل هرمي وأفقي تقتضيه المصلحة، وهنا بتناغم كامل بين السياسي والاجتماعي والعسكري، وفق عمل سري محكم، تحت قاعدة اعرف ما يجب أن تعرف.
هذا التناسق أعطى قوة كبيرة لبناء جهاز عسكري قوي متماسك يحظى بالدعم الكامل من الهيئات المختلفة، عبر توفير وتجنيد كل الإمكانيات البشرية والمادية لبناء قوة عسكرية منظمة ، لديه قيادة عسكرية متينة متمرسة تمتلك قدرات حربية وقتالية يتعانق فيها التجديد والتحديث والتدريب مع الروح القتالية العالية.
استغلت حماس السنوات الأخيرة في إيجاد ما يمكن أن يسمى مزاوجة الحكم والمقاومة، بل أكثر من ذلك جندت الحكم لصالح المقاومة وجعلته طوعاً لمشروعها المقاوم عسكرياً وأمنياً بحيث ساهم وجودها في الحكم بإيجاد البيئة المناسبة للعمل العسكري والأمني للمقاومة، من خلال بناء المنظومة العسكرية التي ظهرت خلال الحرب الأخيرة، وأن تنازلها عن الحكم في قطاع غزة جاء بعد أن اطمأنت أن المقاومة أتمت مشروعها وبنيتها إلى حد أنه لن يستطيع أحد مهما كان الاقتراب منها.
الطريق إلى موقع "ناحل عوز" الإسرائيلي على حدود غزة تم بعد أن أعد الجناح العسكري خطته البرية بشكل محكم، تقوم على بناء أنفاق هجومية إلى جانب أنفاقه الدفاعية والتي تسببت في إصابة الاحتلال بالصدمة في اليوم الخامس عشر من الحرب الجوية التي اعتقد أنه حقق أهدافه باستهداف بنك الأهداف الذي وضعه، لتظهر فجأة عملية صوفا التي كشفت للاحتلال هول الإعداد الذي كان في ذلك النفق.
صدمة الاحتلال كانت أقسى في عملية "ناحل عوز" عندما تمكنت نخبة القسام من الدخول لموقع عسكري وقتل الجنود من نقطة صفر دون أن يصاب أحد من المهاجمين، مما كشف عن أن لدى القسام تشكيلا جديدا سمع عنه قبل الهجوم فقط، وتمت مشاهدته في الفيديو المشهور وهم يطلقون النار على الجنود، وهم "وحدات النخبة" التي تمتلك قدرات ومهارات قتالية تفوق ما لدى الاحتلال الإسرائيلي الذي فشلت وحدات النخبة لديه في العمل على حدود غزة، ويظهر أن "وحدات النخبة" أعدها القسام لقتال طويل يقوم على مبدأ النفس الطويل والبقاء بعيداً عن أعين العدو لمدة تتجاوز خمسين يوما والانقضاض وفق توجيهات القيادة، واختيار التوقيت المناسب.
التنظيم السابق بنى لحماس قوة تضم العديد من التشكيلات وهي "الوحدات الصاروخية" وهي ذات التنظيم المؤهل المدرب المجهز المنضبط المنتشر ليتمكن من توجيه الضربة الأقوى للاحتلال في توسيع دائرة النار باستهداف حيفا، بل بالطريقة والتوقيت المناسبين وتعطيل المطارات والموانئ.
حماس التي ذهبت من غزة إلى "تل أبيب" وحيفا على مدار خمسين يوماً هي اليوم أكثر قوة وصلابة وقد يعجز العدو ومحللوه عن الوصول إلى الأسباب الحقيقية لهذا الصمود، فبعضها بعلمي يبقى في الأدراج السرية للعسكريين وللسياسيين، وليس أدل على ذلك طريقة التعامل مع نتائج الحرب وبينها الجنود المفقودون في غزة من ناحية العدد أو المص
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع