الشهيد القسامي . محمد فريد محمد عبد الله
لقن العدو دروساً في النزال والقتال
القسام ـ خاص:
فارسنا اليوم محمد فريد محمد عبد الله امتطى صهوة المجد وانطلق بروح وثابة إلى علا الخالدين ، واسم تسطر يحكي عن صناع البطولة وحاملي لواء الدين ، محمد سابق في ميدان الرجولة فحاز شرف السبق على طريق التمكين ، محمد حاضر في الوجدان تذكره الأذهان صامتا هادئا ، مطيعا خدوما ، مثابرا طموحا، داعية مجاهد مقدام .
محمد عاش في كنف الخفاء والإخلاص سعادة لا يصفها الواصفون ، ورحل شهيدا يرتقي إلى منازل جازت خيال العارفين .
الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا القسامي المجاهد (محمد عبد الله) –رحمه الله- في العاصمة الأردنية "عمان" في الحادي عشر من شهر نوفمبر عام 1978م، وبرغم أنه ولد بعيدا عن وطنه "فلسطين" إلا أنه كان يحمل في قلبه حبها وعشقها، ولقد علم بحالها منذ ولادته، فلقد أخبره والده بحال وطنه المسلوب، ولقد ربته أمه لكي يكون واحدا من الفرسان الذين سيعيدون لفلسطين طهرها، وسيطردون الصهاينة الغزاة الأنذال منها.
نشأ شهيدنا محمد في أحضان أسرة مجاهدة، رباه والده فيها على تعاليم الدين الحنيف، وصقل في شخصيته أخلاق وآداب الإسلام العظيم، أما أمه فقد أرضعته لبن العزة والكرامة، وأسقته حليب حب الأرض والوطن والموت من أجل الدفاع عنهما، ولقد كبر شهيدنا –رحمه الله- كما أراده والداه، رجلا عزيزا شامخا مدافعا عن أرضه ووطنه بروحه ونفسه.
تعليمه
تلقى شهيدنا المجاهد محمد –رحمه الله- تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس العاصمة الأردنية "عمان"، وبعد ذلك عادت أسرته للعيش في بلدة جباليا شمال قطاع غزة، فالتحق بالجامعة الإسلامية في غزة وتخصص في قسم "أصول الدين" حتى حصل على شهادة البكالوريوس.
وخلال فترة تعليمه سواء في الأردن الشقيق نقل شهيدنا –رحمه الله- الصورة الحسنة النقية عن أخلاق أبناء فلسطين الذين يحملون في عروقهم الدماء الفلسطينية العربية الإسلامية، فلقد كان –رحمه الله- نعم الطالب المجد المجتهد، الذي يحب زملائه الطلاب ويساعدهم، وكان خير صديق لهم، مما جعله مناط الحب والتقدير منهم لما وجدوا فيه من الصفات الحسنة والأخلاق السامية العالية.
ولما عاد شهيدنا المجاهد إلى أرض وطنه فلسطين، وسكن مع أسرته في بلدتهم جباليا شمال غزة، أجاد محمد –رحمه الله- التعامل مع الناس كما أوصى ديننا الحنيف، فتراه يلقي السلام على جاره، ويحترم الكبير ويوقره وينصت إليه، ويعطف على الصغير ويداعبه ويمازحه، حتى أصبح جميع سكان الحي والعائلة شديدو الحب له والتعلق به لما وجدوا فيه من صفات وخصال مفقودة عند كثير من الناس، ولما لمسوا فيه من صفاء القلب ونقاء السريرة، ولقد استغل هو هذا الحب والاحترام في دعوة الناس إلى الخير وحضهم على فعل الخير، ونهيهم عن المنكر والشر، مما زاد من حب أهل الحي له.
البار بوالديه
امتاز شهيدنا المجاهد محمد –رحمه الله- بعلاقته القوية المتينة مع والديه، فلقد كان بارا بهما أشد البر وحنونا عليهما أشد الحنان، يبحث عن رضاهما، وكان يقول لإخوته وأخواته :"لنا نوفيهما حقهما علينا مهما فعلنا، فلقد عاشا في الغربة من أجلنا وتعبا وسهرا الليالي من أجلنا، وأعظم من هذا علمونا حب وطننا فلسطين برغم أننا ولدنا غرباء عنه"، ولما عادت والدته من عمان قبل استشهاده بفترة وجيزة قبل قدميها من شدة شوقه وحبه لها، واضعا نصب عينيه قول الله تعالى :" وبالوالدين إحسانا"، ويبحث فقط عن رضاهما لأنه يعلم أن رضاهما من رضى الله عز وجل.
ولم يقتصر هذا الحب والعطف والحنان الذي صنعه شهيدنا محمد –رحمه الله- على والديه، بل امتد وطال زوجته التي كان لها نعم الصاحب الوفي والزوج الحنون العطوف، وطالت أيضا بقية إخوته وأخواته وأفراد عائلته، حيث أنه كان محبوبا من الجميع لأخلاقه العالية، وأدب الجم الكبير، وكان هو لا يتأخر في تقديم أي مساعدة أو خدمة يحتاجها منه أحد منهم، وكان يشاركهم في كل مناسباتهم من أفراح أو أتراح.
فارس الحماس
التحق شهيدنا المجاهد (محمد عبد الله) –رحمه الله- بصفوف حركة المقاومة الإسلامية –حماس- في عام 1996م وذلك بعد التزامه في مسجد أبو الخير، ولقد بدأ يتلقى على يد دعاة الحركة ومشايخها العديد من الدروس والدورات الدينية إلى أن أصبح أحد أبناء جماعة الإخوان المسلمين.
كان لشهيدنا المجاهد محمد –رحمه الله- دورا دعويا بارزا في مسجد أبو الخير، حيث كان يقوم بالناس خطيبا يعظهم ويرشدهم إلى طريق ربهم ودينهم، يحثهم على الخير والصلاح والبر والإحسان، وينهاهم عن كل ما يغضب الرحمن، كذلك كان يشارك إخوانه في المسجد في جميع نشاطاتهم، وكان على تواصل شديد وقوي جدا معهم يتبادلون الزيارات الودية الأخوية، ويتذاكرون ويتناصحون فيما بينهم.
شارك شهيدنا في جميع نشاطات وفعاليات الحركة من مسيرات ومهرجانات ولقاءات وندوات، حيث كان –رحمه الله- حاله في هذا كحال بقية أبناء حماس الذين يشهد لهم الناس بصدق انتمائهم وحسن أخلاقهم.
حياته الجهادية
كان لشهيدنا المجاهد (محمد عبد الله) –رحمه الله- شرف السبق بالانضمام لصفوف مجاهدي كتائب الشهيد عز الدين القسام في بلدة جباليا، حيث ساعده على ذلك انضمامه لحماس منذ عام 1996م، حيث قام بإرسال العديد من الرسائل وأجرى العديد من الاتصالات بقادة القسام القلائل آنذاك راجيا منهم أن يضموه ضمن صفوف مجاهديهم، وأن يكون معهم في النواة الأولى لكتائب القسام في بلدة جباليا، وكان له –بفضل الله- ما أراد وسعى.
ما أن انضم شهيدنا محمد –رحمه الله- إلى صفوف القسام، حتى انطلق برفقة إخوانه المجاهدين، يذيقون العدو الموت الويل في كل الميادين، ويقفون في وجهه حصنا منيعا صعب عليه تجاوزه أو تخطيه، وبرغم قلة عددهم وعدتهم أمام ما يمتلكه عدوهم من عدد وعدة وسلاح متطورة جدا، إلا أنهم كانوا يحملون في صدورهم ما هو أعظم وأقوى من كل سلاح، كانوا يحملون عقيدة يقاتلون بها، وإيمانا رسخ في قلوبهم أن نصر الله لهم قريب، وأن الله معهم وسيمكنهم من عدوهم، ولذلك كانوا يتقدمون إلى ساحات الجهاد والقتال لا يخافون ولا يهابون شيئا، فإما نصر وتمكين، وإما شهادة وجنات نعيم.
تدرج شهيدنا في رتبته الجهادية، فبعد أن كان جنديا مجاهدا أصبح نائب أمير مجموعة من المجاهدين ثم أمير مجموعة، وبعد أن وجد فيه إخوانه الشجاعة والإقدام والحكمة العسكرية تم ترشيحه وتكليفه ليصبح أميرا لفصيل كامل من فصائل مجاهدي القسام في بلدة جباليا في لواء شمال قطاع غزة.
وخلال الفترة الجهادية التي قضاها شهيدنا –رحمه الله- في صفوف المجاهدين، خاض محمد العديد من الأعمال والمهمات الجهادية والتي كان أبرزها :
• الرباط الدوري على الحدود والثغور المتقدمة لبلدة جباليا، يحمي الناس من غدر الصهاينة الجبناء.
• شارك في صد جميع الاجتياحات التي كانت تعرض لها المنطقة الواقعة شرق بلدة جباليا.
• كان أحد أبطال معركة "أيام الغضب القسامية" والتي خاضت فيها كتائب القسام معركة شرسة من جنود الاحتلال الصهيوني الذين حاولوا اقتحام مخيم وبلدة جباليا، واستمر القتال فيها مدة 17 يوما متتاليا.
• شارك في إعداد وتجهيز ونصب العبوات التي كانت تستهدف الدبابات والآليات والجنود الصهاينة.
• شارك في حفر وتجهيز الأنفاق.
• قام بقصف العديد من المدن والبلدات والمواقع الصهيونية بقذائف الهاون وصواريخ القسام.
• كان ضمن "وحدة التصنيع" التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام.
كان شهيدنا محمد –رحمه الله- كما يصفه إخوانه المجاهدون يتمتع بروح أخوية وأخلاق عالية، محبا لعمله الجهادي، سريا جدا في كل ما يتعلق بالجهاد والمجاهدين، يحرص على حياة جنوده المجاهدين، ويقف إلى جوارهم كالأب الحنون، فكان بحق نعم القائد المجاهد.
زفافه للحور العين
في يوم السبت الموافق 27/12/2008م وبعد أن قرر الكيان الصهيوني الغاصب شن حربه "الشاملة" على قطاع غزة، صدرت التعليمات من قيادة القسام إلى المجاهدين بالانتشار في ساحة المعارك كل حسب تخصصه ووفق الخطط التي تم وضعها، وصدرت الأوامر بالتأهب الجيد لمواجهة هذا العدو الغازي.
أما جنود القسام أنفسهم، فقد قطعوا العهد والقسم على أن لا يعودوا إلا بالنصر مهما كلف من ثمن، وهم يعلمون أن للنصر ثمنا باهظا، فودع كل منهم أهله وأحبابه، ثم انطلق لساحة القتال سلاحه الإيمان بالله والثقة بنصره عز وجل، كيف لا وهو يحفظ قول الله تعالي:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم"، وقوله تعالي : "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".
ومن بين هؤلاء المجاهدين الأبطال، كان شهيدنا المقدام (محمد عبد الله) –رحمه الله- الذي خرج في يوم السبت 3/1/2009م متجها لمساندة إخوانه المجاهدين في شرق جباليا، حيث ذهب برفقة إخوانه الشهداء (محمد عبيد و إياد عبيد)، وأثناء توجههم شرق بلدة جباليا نصبوا عبواتهم وجهزوها لاستقبال الجنود الصهاينة الغزاة.
وبعد ذلك قامت قوة صهيونية خاصة بالتقدم نحو جباليا –عرين القسام- وهم يظنون -لما يمتلكونه من عدة وعتاد- أنهم سيدخلونها بسهولة، لكنهم ما علموا أن هناك عيونا ترصدهم وتتلهف لقاءهم لتعلمهم فنون القتال والمواجهة، إنها عيون أسود القسام التي رصدتهم ورصدت تحركهم وقامت على الفور –وفق تخطيط مسبق دقيق- بإعداد كمين لاستقبال هذه القوة الغازية، وتمكنوا بفضل الله من إيقاع القوة في كمينهم وخاضوا معهم اشتباكا عنيفا أفضي إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف الوحدة الصهيونية الخاصة، وفر الجنود من أمامهم كالنعاج مذعورين تاركين جرحاهم وراءهم وهم يهيمون على وجوههم لا يعرفون أين يفرون.
حينها وقع أحد الجنود الصهاينة في قبضة أسود القسام "أسيرا"، فقام شهيدنا محمد عبد الله ورفيقاه (محمد عبيد وإياد عبيد) بالانسحاب بالجندي الأسير والتحصن داخل أحد المباني، والذي تم محاصرته على الفور بعشرات الجنود الصهاينة وطائرات الاستطلاع والأباتشي والF16 الحربية الصهيونية وقطع كل طرق الإمداد عن المنزل، وقاموا بإرسال أحد المواطنين المدنيين الذين تم اعتقالهم ليفاوض المجاهدين على أن يطلقوا سراح الجندي الأسير فرفض المجاهدون رفضا تاما وبقوا على حالهم مدة ثلاث أيام كاملة يشتبكون الصهاينة معهم فترات متقطعة ويفاوضونهم فترات كثيرة، وأمام إصرار المجاهدين ورفضهم أن يسلموا الجندي الصهيوني قامت طائرة أباتشي صهيونية بقصف أحد المنازل المجاورة لهم وتسويته بالأرض من أجل إخافة المجاهدين، لكن شهيدنا محمد ورفيقيه ازدادوا إصرارا وعزما على عدم التفريط والموت في سبيل الله دون أن يعطوا الدنية في دينهم، فقامت الطائرات الصهيونية بقصف المنزل بطائرات الF16 الحربية على رؤوس المجاهدين وعلى رأس جنديهم الصهيوني الأسير، الأمر الذي أدي سقوطه صريعا قتيلا، وارتقاء محمد عبد الله ومحمد عبيد وإياد عبيد شهداء إلى الله عز وجل...
ونال شهيدنا محمد ما كان يتمنى ... نال الشهادة في سبيل الله مقبلا غير مدبر .. منكلا في أعداء الله اليهود، بعد أن علمهم وعلم جنودهم درسا في النزال والقتال، وكيف هم أبناء القسام فرسان الإسلام العظيم..
وطارت روح شهيدنا محمد –رحمه الله- تسرح وتمرح في حواصل الطير الخضر في جنان النعيم بإذن الله رب العالمين...
كرامة الشهيد
في آخر أيام حياته، كان يحب الخلوة، وكان كثيرا ما يجلس معاتبا نفسه، ولقد قال لكل من كان يراه سامحنا واغفر لي، وكان يرجوا أمه أن تهبه لله وأن تدعو له بالشهادة في سبيله، وكان له ما أراد.
نحسبه شهيدا عند الله ولا نزكي على الله أحدا..
...رحم الله شهيدنا وأسكنه فسيح جناته...
...وإنا على دربه الذي قضى فيه شهيدا، درب الجهاد والمقاومة لسائرون بإذن الله...
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة الفرقان .. شامة فخر في غرة الزمان
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة ..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة ..
وكانت "معركة الفرقان" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها بشائر النصر وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة تعيد الأمة إلى ذاكرة أمجاد الأوائل وبطولات الماضي..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة الفرقان" التي بدأت بتاريخ 27-12-2008م وانتهت بتاريخ 18-01-2009م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركــة الفرقــان