الشهيد القائد/ ممدوح عمر موسى الجمال "أبو زكريا"
المفكر العنيد ورجل العمليات الخاصة
القسام - خاص:
عندما أصيب فارسنا في المرة الثانية وأجريت له عملية جراحية، وبعد خروجه من العملية حيث كان تحت تأثير المخدر أخذ الطبيب الذي أجرى عمليته يسأل عنه:" ما هذا الرجل.. لم يمر علي مريض مثله منذ عملت في مجال الطب، فقد كان يقرأ القرآن وهو تحت تأثير المخدر، كان يقرأ سورة الملك ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ويدعو دعاء ليس بالغريب عني، ويقول فيه: اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئا أعلمه، وأستغفرك مما لا أعلمه، وأعوذ بك من الهم والغم ومن غلبة الدين وقهر الرجال".
ويضيف الدكتور:" رجل تحت تأثير المخدر يقرأ القرآن!! هذا أغرب ما مر علي"، ورفض الطبيب يومها أن يأخذ أجرة هذه العملية.
وعندما كان يقوم الأطباء في مستشفى الشفاء بالتغيير على جرحه عقب إصابته، كان الشهيد ممدوح الجمال يقوم بقرائة القرآن عند بداية عمل الأطباء حتى لا يشعر بالألم، فكان الله يخفف عنه ساعة الغيار الصعبة من شدة الجراح التي كانت في جسده، هذا بعضا من الذي كان عليه أبو زكريا قائد كتائب القسام في حي "تل الإسلام" بغزة.
حكاية بطل قهر الصعاب
بدأت تفاصيل الحكاية في حي الشجاعية شرق مدينة غزة لأسرة متوسطة الحال حيث بزوغ قمر من أقمار التاريخ الفلسطيني؛ في السابع من شهر ديسمبر من العام 1972م، إنه ميلاد المجاهد الكبير والبطل المغوار ابن الإسلام والحماس ممدوح عمر موسى الجمال "أبو زكريا" حيث نشأ منذ ولادته في منزل والده ملتزما دينيا ومحافظا على شرائع الإسلام، وهو الثالث بين أفراد أسرته الأحد عشر عدا والديه، حيث كان الابن الثاني لوالديه وتبعه خمسة أشقاء وخمس شقيقات.
توفي والد ممدوح قبل استشهاده بعدة سنوات، واقتصرت علاقته داخل عائلته في هذه الدنيا مع والدته وباقي إخوانه، وما أجملها من حياة عندما يكون بطل قصتها الأساسي شهيدنا ممدوح، حيث تقول والدته بعد استشهاده عن تلك العلاقة: "كان أبو زكريا أحب إخوته إلى قلبي, لأنه اتسم بالرجولة منذ صغره، وقد كان بارا بي وبوالده رحمه الله، وكان لا ينام إلا إذا جاء ليطمئن علي وعلى والده ولا يخرج إلى العمل حتى يأتي إلي ويسلم علي ويخرج، فكنت أحبه من شدة صدقه وحنانه علينا وعلى أخواته رحمه الله، لقد افتقدناه، رحل عنا ولكني راضية عنه وعن كل إخوته الشهداء والأحياء.
ممدوح.. الطالب المجتهد
تلقى ممدوح دراسته للمرحلة الابتدائية في مدرسة حطين الابتدائية في حي الشجاعية وكان من المتفوقين في دراسته، وخلال دراسته الابتدائية كان قدره أن يمرض مرضا شديدا يلزمه الفراش وعجز الأطباء عن معرفة طبيعة هذا المرض وعلاجه، فكان لا يذهب إلى مدرسته خلال أيام مرضه، ومن شدة حب المدرسين له كانوا يقومون بزيارته في بيته، وفي إحدى المرات بكى مدرسه شفقة على حاله، وقال لوالده: "والله إني أفكر في هذا الولد ليل نهار ولا أعرف ما أصابه، وأسأل الله أن يشفيه"
تخطى مراحله التعليمية الواحدة تلو الأخرى فقد كان متفوقا جدا، وتلقى دراسته الإعدادية في مدرسة الهاشمية في حي الشجاعية، وكانت علاقته بزملائه جيدة ووثيقة، وأكمل دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين، وكانت علاقته بطلاب مدرسته وثيقة جدا حتى أنه كان يستطيع أن يستقطب الشباب في ذلك الوقت من شدة احترامه وتقديره لهم، وبذلك فقد كان الطلبة يحبونه بشكل كبير، وفي هذه المرحلة بدأ رحلة عمله وجهاده في سبيل الله، وعلى الرغم من ذلك فقد حصل في هذه المرحلة على معدل 85% في القسم العلمي, وعند انتهائه من دراسة المرحلة الثانوية أراد أن يكمل دراسته الجامعية في الخارج وكان أحد أقاربه الموجودين خارج الأراضي الفلسطينية يدعوه للسفر عنده للتعليم، فرفض والد أبو زكريا هذه الفكرة وقال له: "سوف تكمل الدراسة هنا في بلدك" فدرس في جامعة الأزهر، كلية الحقوق، وأنهى دراسته في وقت قياسي حيث حصل على ليسانس الحقوق من الجامعة خلال ثلاثة أعوام ونصف فقط.
الزوج المخلص والأب الحاني
عمل ممدوح منذ صغره في مهنة البناء، وعند قدوم السلطة الفلسطينية إلى أرض الوطن عمل في صفوف الشرطة الفلسطينية آنذاك، وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة استقال من عمله في الشرطة واقتصر عمله في صفوف كتائب القسام, وقرر شهيدنا ممدوح أن يكمل شطر دينه الثاني فتزوج، وكان نعم الزوج لزوجة صابرة ومحتسبة أمرها في سبيل الله, لأنها تعلم أن زوجها سيكون مصيره الشهادة في سبيل الله طال الزمن أم قصر، وتمضي السنوات حتى يرزق الله شهيدنا بتسعة من الأبناء أربعة منهم من الذكور وخمسة من الإناث وعمل كل ما في وسعه لتربيتهم على التربية الإيمانية والإسلامية الصحيحة.
تربية المساجد
التزم ممدوح منذ صغره في مسجد الهواشمي وكان من أكثر الناس والشباب التزاما بصلوات الجماعة في المسجد، ويعرف عنه أنه كان محبوبا من كل شباب المسجد الذين كان يتعامل معهم لأنه كان على علاقة جيدة مع الجميع، ولعل تواضعه وصدقه مع الجميع كان السبب وراء هذه المحبة له، وبرع وهو في المسجد في مجال التخطيط وكتابة البوسترات المختلفة في المسجد، وتدرج في المسجد حتى أصبح أحد أعضاء الهيئة الإدارية في مسجده في تلك الفترة، وعمل في تلك الأوقات مع الشيخ المجاهد الأسير روحي مشتهى والذي كان قائما على مسجد الهواشمي.
ابن حماس وقائد في الإخوان
انضم شهيدنا إلى صفوف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الثمانينات وتحديدا في العام ألف وتسعمائة وثمان وثمانين, وذلك عندما كان يذهب مع والده إلى مسجد الهواشمي، حيث التزم في هذا المسجد ولاحظ القائمين على أمر المسجد وتم بعد ذلك استقطابه من قبل القائمين على المسجد، وبايع أبو زكريا جماعة الإخوان المسلمين في العام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين, فكان أحد أبناء الجماعة المخلصين، وتقدم شهيدنا أبو زكريا في السلم التنظيمي لحماس وجماعة الإخوان المسلمين حتى أصبح برتبة "نقيب" في الدعوة وكان ذلك في العام ألفين وثلاثة, وأخذ ترقية حتى أصبح برتبة رقيب في دعوة الإخوان في العام ألفين وثمانية.
ومنذ التزامه في صفوف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" كان صاحب نشاط كبير ومميز في صفوفها في المجالات المختلفة، سواء كانت الدعوية أو غيرها، وأبرز ما جعله من المقربين أنه كان شديد السرية والكتمان وهذا ما ميزه عن غيره من أبناء جيله، وفي بداية انتمائه للحركة نشط فيما يعرف باسم لجان الأحداث المسئولة عن تفعيل أحداث الانتفاضة مثل الكتابة على الجدران والمواجهات بالحجارة لقوات العدو الصهيوني، ونجاحه في تخطي هذه المرحلة أهله للانخراط في صفوف الجناح العسكري لحركة حماس في تلك الفترة.
القسامي والمفكر عنيد
انتمى ممدوح إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام في العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين, وقام بالعديد من الأنشطة الجهادية والعسكرية التي لم يفصح عنها نتيجة كتمانه الشديد، ومن أبرز الأمور التي دعته للانضمام إلى مجاهدي القسام هو اندلاع الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة" في العام سبع وثمانين بعد التسعمائة وألف, حيث عمل بداية في صفوف "الصاعقة الإسلامية" كما عمل في صفوف جهاز "الأمن العام" التابع لحركة حماس، ومن ثم أصبح عضوا في كتائب القسام، وعرف عنه حبه الشديد للجهاد في سبيل الله حتى قبل انتمائه للكتائب لأنه أدرك أن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الأقصر لاسترداد كامل التراب الفلسطيني المغتصب.
وخلال مسيرته العسكرية كان أبو زكريا مدربا للمجاهدين في صفوف كتائب القسام لأنه تلقى عدداً من الدورات خلال عمله في صفوف الشرطة الفلسطينية القديمة، ولكنه وعلى الرغم من ذلك تلقى دورة أمنية ودورات عسكرية إلى جانب دورات في إطلاق الصواريخ على مواقع العدو الصهيوني، وإلى جانب ذلك فقد كان صاحب نظرة ثاقبة وفكر بارز في هذه العلوم العسكرية وتلقى دورة مكثفة في فنون التصنيع العسكري خلال حياته.
تخصص أبو زكريا في مجال صناعة وتطوير الصواريخ وكانت قيادة القسام ترفض أن يتولى أي شيء غير هذا المجال وذلك نظرا لما كان له من بصمة واضحة في هذا العمل وخبرة متميزة، وتدرج في هذه الوحدة القسامية حتى أصبح مسئولا وقائدا لوحدة التصنيع بعد أن كان نائبا لمسئولها عندما كان قائدها الشهيد مهدي مشتهى، وبقي أبو زكريا مسئولا عن وحدة التطوير لصاروخ القسام حتى العام ألفين وثمانية, ومن ثم أصدرت قيادة كتائب القسام أمرا بتكليفه قائدا لكتائب القسام في حي تل الإسلام مع بداية العام، وتولى أبو زكريا المسئولية الجديدة حتى استشهاده.
سجل حافل بالتضحية والجهاد
وخلال مسيرته الجهادية تمكن المحيطون به من رصد بعض العمليات والمهمات الجهادية الناجحة التي نفذها الشهيد القائد ممدوح الجمال في حياته، ومن هذه المهمات:
الضربة التي لا تميتنا تزيدنا قوة
هكذا كان حال شهيدنا البطل حينما تعرض للإصابات المتكررة, حيث تعرض ممدوح للإصابة خلال مسيرته الجهادية في حياته ثلاث مرات، وكانت المرة الأولى في أحداث الانتفاضة الأولى في اليوم الذي اندلعت فيه مواجهات مع قوات الاحتلال الصهيوني عقب استشهاد المجاهد القسامي زكريا الشوربجي، حيث سمى شهيدنا ابنه زكريا تيمنا باسمه وأصيب أبو زكريا في هذه المواجهات برصاصة في ساقه.
في العام ألفين واثنين, أصيب أبو زكريا في محاولة اغتيال حدثت في محيط مقبرة الشهداء شرق غزة وهو عائد من مهمة إطلاق لصواريخ القسام، حيث أصيب بجراح متوسطة في ساقه الأيمن وظهره, وفي العام ألفين وأربعة تعرض لمحاولة اغتيال جبانة في شمال قطاع غزة، حيث كان يوجه بعض المجاهدين في التعامل مع قوات العدو الصهيوني، فاستهدفته طائرة استطلاع بصاروخين، حيث أصيب إصابات متوسطة بشظايا في كافة أنحاء جسمه وخاصة في ساقه اليسرى.
في سجل الخالدين
عندما بدأت الحرب العدوانية على قطاع غزة أعلن أبو زكريا حالة الطوارئ القصوى في صفوف كتيبة تل الإسلام التي كان يقودها، وأخذ يتفقد صفوف المجاهدين ويعيد ترتيب أماكنهم، تجده يتفقد أماكن رباط المجاهدين حتى يشد من أزرهم، وبقي على هذه الحالة على مدار ستة أيام متواصلة، لا يغادر المرابطين ولم يقم بزيارة أهل بيته، وفي الثالث من يناير من العام ألفين وتسعة, وخلال تفقد شهيدنا أبو زكريا ليلا لمواقع الرباط، وبعد مغادرته مسرعا لغرفة عمليات القسام في تلك المنطقة عقب ورود معلومات عن عمليات إنزال تقوم بها قوات العدو الصهيوني على شاطئ البحر، وبينما كان سائرا على أقدامه أطلقت عليه طائرات الاستطلاع صاروخين مزقت جسده الطاهر على الفور، وتلقى شقيقه "أبو حمزة" خبر استشهاده الساعة الثانية ليلا غير أنه حجب الخبر حتى طلوع النهار.
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة الفرقان .. شامة فخر في غرة الزمان
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة ..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة ..
وكانت "معركة الفرقان" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها بشائر النصر وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة تعيد الأمة إلى ذاكرة أمجاد الأوائل وبطولات الماضي..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة الفرقان" التي بدأت بتاريخ 27-12-2008م وانتهت بتاريخ 18-01-2009م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركــة الفرقــان