الشهيد القائد/ محسن عبد الله شحادة
المؤسس السادس لكتائب القسام في وحدة التصنيع العسكري
القسام - خاص :
كم هي عظيمةٌ صفاتهم، وكم هي رائعةٌ ثمرة جهادهم، عندما تتعرف على سيرهم، يلتهب القلب محبةً وشوقاً لهم، وكم تصبح متلهفاً للسعي في طريقهم، وللتمثل في صفاتهم. سيرتهم هي بمثابة علامات على الطريق، وأنوار تضيء طريق السائرين في درب المجاهدين.
في مقام الأب
ولد محسن في السابع والعشرين من فبراير لعام 1968م، كانت أسرته قد نزحت إلى قطاع غزة من قرية حمامة بعد أن احتلتها العصابات الصهيونية عام 1948م، لتستقر بعد ذلك في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين.
محسن "أبو صهيب" رغم مهامه الكبرى ومشاغله الجمة، إلا أنه كان يقوم على شؤون البيت ويعامل أخوته وأخواته كأنه والدهم، فكان محسن نعم الداعية ونعم المربي، وكان يمارس الدعوة في كل مكان، وفي كل زمان: في بيته، وفي عمله ومع إخوانه.
تزوج محسن عام 1993م ورزقه الله بابنة واحدة، ولقد آمن منذ نعومة أظفاره بأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التفريط بذرة منها، وأنها قضية إسلامية يجب على كل المسلمين العمل لتحريرها، وأن الجهاد في سبيل الله هو الوسيلة الوحيدة للتحرير وإزالة الكيان الصهيوني الغاصب من الوجود.
عرف الطريق منذ الصغر
انضم منذ شبابه المبكر إلى صفوف الحركة الإسلامية وبايع الشيخ أحمد ياسين على الجهاد في سبيل الله، وانضم فيما بعد إلى الجناح العسكري الأمني "جهاز الأحداث".
قاد محسن جهاز الأحداث والذي أصبح وبمعاونة إخوانه له فيه يقاتلون من خلاله قوات الاحتلال، وتمكنوا أيضاً من خلال هذا الجهاز من تحقيق اختراق أمني للعدو الصهيوني من خلال اعتقال بعض العملاء والتحقيق معهم، كما تمكنوا من اكتشاف بعض الشبكات الصهيونية التجسسية، وصولاً إلى إعدام هؤلاء العملاء والخونة.
يكسر الظروف الصعبة
علم محسن رفاقه الاخلاص وعزز لديهم الحس الأمني والذكاء الذي تميز به، كما كان صاحب عزيمة جبارة وطموح عالٍ، وكانت لديه الرغبة في الابتكار والتنوع، فإحدى الابتكارات التي كانت لديه توفير السلاح للمجاهدين حين كان السلاح قليلاً جداً في قطاع غزة.
بدأ في تصنيع السلاح وقطع شوطاً كبيراً في ظل الظروف القاسية وفي ظل الاحتلال الصهيوني، فاستطاع أن ينجز 50% من المسدسات، بدأ بتصنيع قطعة "العوزا"، لتحدث ظروف قاسية جداً في عهد السلطة وتقوم باعتقال المجاهدين وتسليم السلاح، فكان محسن حريصاً على الاختفاء والتمويه منهم، وتم اعتقاله ومجموعات قسامية معه، ورغم التعذيب القاسي إلا أنه لم يعترف بأي شيء، ولم يترك القائد إخوانه المجاهدين رغم الصعاب التي مر بها، فكان معهم في كل لحظة وكان دائماً يحذر إخوانه المجاهدين من المنافقين والعملاء المتربصين بهم.
في سجون الظلم
لم يكن حال شهيدنا بأفضل كثيراً من أحوال إخوانه المجاهدين، فقد طورد ولوحق من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، واعتقله جهاز الاستخبارات العسكرية ثلاث مرات ليلاقي خلال هذه الاعتقالات أشد ألوان التعذيب، ولكن على الرغم من ذلك فهامته مرفوعة رغم التعذيب، فما كان منه إلا أن واجههم بكل صمود.
كما اعتقل عند جهاز الأمن الوقائي مرتين في أواخر عام 1996م، وبعدها وبفعل هذه الملاحقات والمطاردات تفككت وحدة التصنيع العسكري لكتائب القسام وبدأت الأمور تتكشف وخيانة الأجهزة الأمنية باتت واضحة وضوح الشمس، فلم يصمت طويلاً، وفي ظل مطاردته خلال تلك الفترة توجه "محسن" إلى القيادة السياسية لحماس يدعوها للخروج من هذه الأزمة، والحد من الاعتقالات ورفض تسليم المجاهدين لجهاز ما يسمى "الأمن الوقائي".
شهادة القادة للقائد
كان أبو صهيب رائداً لفكرة الجهاد والتصنيع في كتائب العز القسامية، وقال عنه الشهيد د. إبراهيم المقادمة: "محسن شحادة، هو الذي يقنعنا في التصنيع العسكري، وهو من بدايات المجاهدين الذين شاركوا في الأحداث للانتفاضة الأولى وكان مسئولاً عن معسكر الشاطئ في جهاز الأحداث".
وبعد وقت قليل من تأسيس جهاز الأحداث مع نخبة من القادة العسكريين الذي كان أحدهم محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، توجه "أبو صهيب" إلى عمله العسكري مع كتائب القسام، وقال وقتها الضيف عن أبي صهيب: "سجلوا.. إن كان لأحد فضل على تأسيس جهاز التصنيع، فمحسن شحادة هو المؤسس الحقيقي لهذا الجهاز".
مع قدوم السلطة إلى قطاع غزة استطاع محسن أن يصنع سلاح "عوزا حماس" وجاءت صناعة هذا السلاح في الوقت الذي تعرضت فيه الحركة الإسلامية لظروف قاسية جداً من حملات الاعتقالات والملاحقات على أيدي أجهزة أمن السلطة.
الشهادة التي تمناها
لما تمّ تأكيد كتائب القسام استشهاد المؤسس نتيجة حادث طرقٍ على شارع البحر غرب مدينة غزة في يوم السبت الموافق 5-8-2000م، راحت الدموع تنهمر، وراح القلب يخفق، وانطلق اللسان بالحوقلة والاسترجاع، وتذكروا قول الفاروق عمر رضي الله عنه حين بلغه خبر وفاة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضوان الله عليه: "أعقمت النساء أن تلد مثل خالد!".
كانت نفسه تتوق للشهادة ولقاء الله والجنة، وداعاً يعلم أنه لا لقاء بعده في الدنيا، وأوصى بتقوى الله والثبات عند اللقاء وفاضت دموعه، وصيته كانت مدرسة في الإيمان والاخلاص، فإما حياةٌ تســرّ الصديق، وإما مماتٌ يغيظ العدا.