الشهيد القسامي / بلال فايز شحادة
رافق القائد العام في رحلة جهاده
القسام ـ خاص:
بلال القسامي المجاهد الهادئ الذي اخفي خلف وجهه و براءته ، بركاناً من الغضب على الصهاينة ، الذين احتلوا أرضه وطردوا شعبه ، فسرقوا وطنه ؛ بلال القسامي العنيد الذي صمد في جهاده ، واستبسل في اقتحام ، أوكار وقلاع الصهاينة ، لا سيما ما كان يعرف بمغتصبة بنتساريم ، فأطلق لرشاشه العنان ليقتل ، ويصيب كل صهيوني تواجد على مدخل المغتصبة ، مسجلاً بذلك تفوقاَ جديداً لكتائب القسام على الآلة العسكرية الصهيونية التي انتشرت لتحرص المغتصبات ، بعتادها العسكري المتطور ، حتى أصبحت عمليته قصةً تتناقلها الأجيال القادمة ، لتكون الشعلة التي توقد نار الجهاد والمقاومة في قلوبهم ، ليحملوا الراية ، ويسروا في ركب المجاهدين ، حتى تشرق شمس الحرية والتحرير، على أرض فلسطين .
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد القسامي المجاهد بلال فايز مصطفى شحادة تسعة عشر عاماً في مدينة بيت حانون عام 1984م ونشأ في أسرة تعوذ جذورها إلى قرية يافا الفلسطينية المحتلة ، من قبل الصهاينة الإرهابيين فكان حالها كحال العائلات الفلسطينية المهجرة عنوةً من أرضها ، فاتخذت من بلدة بيت حانون موطناً ومسكناً مؤقتاً لها إلى حين أن يمن الله عليها وعلى العائلات الفلسطينية بالعودة إلى أرضها ووطنها . كما وتتكون عائلة شهيدنا من أربع أولاد ، وأربعة بنات بالإضافة إلى الأبوين ، و يحتل المركز الثالث بين إخوته .
ويشار إلى أن شهيدنا المجاهد تنقل بين جنبات بلدة بيت حانون وأمضى طفولته وريعان شبابه ، حيث خالط الناس من خلال شخصيته المؤمنة المتدينة ، والمحافظة على حدود الله ، ويقول مصعب شقيق الشهيد بلال ، مستذكراً بعض صفات شخصية الشهيد:" لاحظت في أخي منذ الصغر حبه الشديد للدين ، والصلاة جماعة في المسجد وبرغم التزامه وتدينه إلا أنه كان يتميز أيضاً بالشخصية المرحة والمحببة للآخرين ".
ويجدر بنا هنا أن لا ننسى أن نصف بعض ملامح شخصية الشهيد ، فهو كما شهد له إخوانه وأبناء بلدته كان طويل القامة ويتمتع بقوة جسمانية متفوقة عن غيره من أبناء جيله ، و كان يستخدم هذه الصفات التي وهبه الله إياها في مساعدة الآخرين والدفاع عن شرع الله .
المستوى الدراسي
لم تقهر المأساة والمعاناة قوة ، وشكيمة العائلات الفلسطينية ، التي تجرعت القهر، والطغيان على أيدي الصهاينة منذ العام 1948م ، فكانت على قدر كبير من المسؤلية والتحدي ، فأرسلت بأبنائها إلى المدارس ليكونوا رجال المستقبل المتسلحين بالعلم ليقهروا المحتل الغاصب .
كان شهيدنا أحد فرسان العلم ودرس الابتدائية في مدرسة بيت حانون الابتدائية للبنين ، والإعدادية في مدرسة بيت حانون الإعدادية للبنين أيضاً ، والثانوية في مدرسة هايل عبد الحميد ، وبعدها انتقل لحياة دراسية اكبر وأوسع ، ألا وهي الدراسة الجامعية التي درسها في جامعة الأزهر بمدينة غزة ، واختار تخصص علم النفس والاجتماع ، في دراسته الجامعية التي تواصلت حتى السنة الأولى فقط ، قبل الاستشهاد .
في حماس وذراعها العسكري
انتمنى شهيدنا إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس ، منذ دراسته الإعدادية ، حين اندمج للعمل في صفوف الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي للحركة الإسلامية المباركة ، وبدأ يتسع نشاطه خارج نطاق المدرسة ، خاصة في منطقته . وأثبت التزامه المسجدي في مسجد الشهداء داخل المدينة ، فالتزم في صلاة الجماعة ، وسار مع أبناء الحركة الإسلامية المباركة وساهم بنشر أشرعة الحركة ، من خلال تأثيره على بعض الشباب في الحي والقدوم بهم على المسجد وإلحاقهم في صفوف حركة حماس .
وواصل نشاطه الحركي والدعوي في المدينة ، حتى التحق في صفوف الجهاز العسكري للحركة ، "كتائب الشهيد عز الدين القسام ". وكانت هذه الفرصة واللحظة التي كان ينتظرها منذ سنوات ، وكانت انطلاقة عمله القسامي ، مع انطلاق انتفاضة الأقصى المباركة ، بعد أن وجد الجيل الشبابي المسلم مكانته في كتائب القسام وذلك بعد أن أعاد الشيخ صلاح القائد العام لكتائب القسام ، تأسيس الجهاز من جديد ، بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال الصهيوني . كان لشخصية الشيخ صلاح شحادة ، القائد العام لكتائب القسام "عم الشهيد" ، دوراً كبيراً في صقل شخصيته الجهادية ، بعد أن عشق العمل الدعوي والجهادي ، في حركة حماس ، فأفنى وقته وحياته في العمل الجهادي في سبيل الله .
أبرز مهماته الجهادية
شارك الشهيد القسامي بلال بالعديد من المهمات الجهادية ، ضمن عمله في كتائب القسام ، وتعدد وتنوعت تلك المهمات ، وذلك نتيجة اختلاف المناطق والأهداف التي تم تحديدها ،من خلال الحديث الخاص الذي أجراه مراسل القسام مع العديد من المجاهدين الذي رافقوا الشهيد في رحلة الجهاد ، ومن أبرزها :-
· الخروج في العديد من مهمات الرباط على الثغور ، التي كانت تقوم بها عشرات المجموعات القسامية بمدينة بيت حانون ، و مهمات صد العدوان والاجتياح الصهيوني عن البلدة .
· المشاركة في إطلاق أكثر من "14" قذيفة هاون استهدفت ما كان يوجد شمال وشرق جباليا ، من مغتصبات ومواقع عسكرية صهيونية .
· نفذ العديد من مهمات الرصد والمتابعة لتحركات الاحتلال في المناطق الحدودية ، خاصة شرق بيت حانون ، ومخيم جباليا .
قسم الانتقام
ويشار إلى أن الشهيد عاش مع أسرته لحظات اجتياح الصهاينة لبلدة بيت حانون في آخر أيام شهر رمضان المبارك للعام 2002م ، وذلك لتنفيذ عملية عسكرية تستهدف نسف منزل الشهيد الشيخ صلاح شحادة ، القائد العام لكتائب القسام، وأحكمت القوات الصهيونية سيطرتها على مداخل ومخارج المنطقة المحيطة بمنزل الشيخ صلاح ، مما حال دون خروج الشهيد مع باقي أشقائه ، فاضطروا للمكوث بالمنزل للحظات قبل اقتراب القوات الصهيونية من المنزل.
وانتقلوا إلى مكان آمن بجوار المنزل بعد أن اقتحمت القوات منزلهم و أخرجت والديه بالقوة وتحت تهديد السلاح ، وحمل الشهيد معه خنجراً وأقسم بأنه سيقتل الجندي الصهيوني الذي سيكتشف مكانه ، وبقي متحفزاً لذلك ، ولكن الله أعمى بصر الصهاينة وانسحبوا من دون أن يعتقلوا أحد بعد أن نسفوا منزل الشيخ صلاح رحمه الله .
وبعد انسحاب الصهاينة اقسم الشهيد بلال بالانتقام من الجنود الصهاينة الذي عاثوا في مدينته ومنزله فساداً ، وظل حريصاً على عهده حتى أكرمه الله بتنفيذ عمليته الاستشهادية .
أصر على نيل الشهادة
وحرص شهيدنا المجاهد أن يمضي لحظاته الأخيرة قبل انطلاقه لتنفيذ عمليته الاستشهادية مع عمه الشهيد الشيخ صلاح ، من دون أن يشعر أحد من عائلته بأنه سينفذ عملية استشهادية.
ويروي أحد المجاهدين الذين شهدوا الموقف الذي أصر فيه بلال بأن يخرج في عملية استشهادية فقال :" ألح على عمه إلحاحاً شديداً ليوافق على خروجه في عملية استشهادية، وأكثر من مرة تعلق بعمه، ليوافق له بالخروج لتنفيذ عمليته الاستشهادية في رما كان يعرف بمغتصبة نتساريم ، فكان أول الاستشهاديين لكتائب القسام في بيت حانون وقال أحد أشقائه :" لم نشعر بلال بأنه يجهز نفسه للغزو في سبيل الله ، وكنا لا نفكر في ذلك " .
ويقول مصعب أكبر إخوة الشهيد سناً:" أحب بلال عمه الشيخ صلاح ، وقضي معه معظم وقته، أصبح يلازمه وكأنه مرافقه الشخصي ، وبلغت الفترة التي التزم فيها معه أكثر من عام ونصف قبل أن يغتاله الصهاينة ". ويشار إلى أن الشهيد بلال قد استثمر مرافقته لعمل لإخفاء نشاطه في صفوف القسام ، وتنفيذ المهمات الجهادية التي كان يكلفها بها في بلدة بيت حانون وبعض المناطق في شمال غزة .
الأم سجدت لله لاصطفاء ابنها
وكما عودتنا أمهات الشهداء على أرض فلسطين المباركة ن بصلابة ثباتهن وصمودهن بعد استشهاد أبنائهن ، حيث تجسدت هذه المعاني في أم الشهيد بلال ، حيث سجدت سجدة الشكر لله سبحانه و تعالى على أن أكرم ابنها بالشهادة في سبيله ، ووقفت كالصخرة الشماء تستقبل النساء المهنئات باستشهاده ، وقال أخ الشهيد :" لم تهتز والدتي أمام استشهاد بلال وأعانها الله ، وثبتها فوقفت بكل شموخ و كبرياء تتلقى التهاني من القادمين".
وعن أخر مرة رأت فيها الأم ولدها الشهيد ، قال مصعب:" بعد أن غاب بلال عن المنزل ثلاثة أيام متواصلة قضاها عند عمه ، طلب والدته قبل يوم من استشهاده ، ليودعها فقابلها وودعها بطريقته الخاصة ، من دون أن يشعرها بأنه سيخرج في اليوم التالي لتنفيذ عمليته الاستشهادية مع الشهيد محمد حلس من الشجاعية ".
دماء زكية أثمرت النصر
وحقاً على عائلات الشهداء أن ترفع رأسها ، وتشعر بنشوة الانتصار الذي أثمرته دماء أبنائهم الشهداء التي سالت على أرض فلسطيني المباركة ، وكان لعائلة الشهيد بلال مكاناً بهذه الفرحة التي غمرت ، النفوس الفلسطينية ، والتي قهرت هذا المحتل بصمودها و تشبثها بأرضها ووطنها ، وعن هذه الفرحة حدثنا مصعب فقال:" توجهنا على الفور إلى المكان الذي استشهد فيه أخي ، على مدخل مغتصبة نتساريم ، بعد أن انسحب الاحتلال من غزة ، وانتابنا شعور لا يوصف ، حيث كانت العائلة ترقب بعينيها المنطقة وكأن روح الشهيد كان ترفف فوق رأسها ".
وكان الشهيد رحمه الله قد نفذ عملية استشهادية مشتركة مع الشهيد محمد حلس ، بعد أن تم تجهيزهم من قبل الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية ، كتائب الشهيد عز الدين القسام ، قبل أن ينفذوا عمليتهم البطولية مساء يوم الإثنين الموافق 11-3-2002م ، حيث استهدفوا موقع الحراسة على مدخل المغتصبة ، وتمكنوا من الوصول إلى الموقع والاشتباك مع الجنود الصهاينة موقعين فيهم عشرات القتلى والجرحى كما أكد شهود العيان من المنطقة ، والذين شاهدوا القتلى من الجنود الصهاينة .
ولم يقتصر الاشتباك مع جنود الحراسة ، بل امتد إلى إحدى الدوريات الصهيونية التي كانت تنصب كميناً لرجال المقاومة خارج المغتصبة حيث وواصل المجاهدان الاشتباك مع الدورية الصهيونية حتى اقتراب نفاذ ذخيرتهم قبل أن يرتقيا إلى صفوة الشهداء .
ويؤكد الكثير من سكان المنطقة وتحديداً سكان المنزل الذي تحصب بداخله المجاهدين أنهم تابعوا تنفيذ العملية الاستشهادية عن كثب ، وشاهدوا جرأة وبسالة الشهيدين في الاشتباك ، وسمعوا صراخ الجنود الصهاينة ،وهم يتنجندلون صرعى وجرحى برصاص القسام . وهذه الخسائر التي تكبدها العدو أخفاها أمام الإعلام حتى لا يكشف جبن جنوده أمام استشهاديي القسام الميامين .
احتجاز الشهداء
وبعد أن أثخن شهيدنا بلال الجراح في العدو مع أخيه الشهيد محمد حلس ، قام الصهاينة باحتجاز جثمانه الطاهر، وامتنعوا عن الإفراج عنه لمدة ثلاثة أيام ، وكان يوم 14-3-2002م ، في الساعة الحادية عشر صباحاً ، هو اليوم الذي أفرجت فيه القوات الصهيونية عن جثامين الشهداء ، حيث وصلت إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة ، وشوهدت عدة رصاصات اخترقت جسد الشهداء .
وتوافدت عائلة الشهيد على المستشفى لتقبل جبين ابنها المجاهد ، الذي انتقم من قاتلي أبناء شعبه ، وتجمعت الجماهير الفلسطينية في مستشفى الشفاء لتزف الشهيد إلى منزل عائلته في مدينة بيت حانون ، و تجوب به شوارع البلدة التي شهدت له حياته الحافلة بالعطاء والتضحية والفداء ، وشاهدت تلك الجماهير الدماء التي كانت تنزف من جسد الشهيد الذي مضى عليه ثلاثة أيام ، واشتموا رائحة المسك التي كانت تفوح من جسده وهذه كرامات من الله سبحانه و تعالى خص بها الشهيد رحمه الله واسكنه الفردوس الأعلى .
تشييع حافل بالجماهير
وسارت الجماهير من منزل الشهيد من قلب بيت حانون ، باتجاه مسجد الخلفاء الراشدين في مخيم جباليا ، مشياً على الأقدام لأكثر من 2 كيلو متر ، وهي تردد الهتافات التي تبارك عملية الشهيد النوعية ، وكتائب القسام مخرجة الاستشهاديين ، والتف جسد الشهيد بالراية الخضراء التي تتزين بعبارة التوحيد ، وأدت الجماهير صلاة على جثمانه الطاهر، بعد صلاة الظهر ، وانطلقت به إلى مقبرة الشيخ رضوان مشياً على الأقدام لمواراة جثمانه الطاهر فيها .
ومن الجدير ذكره أنه وأثناء تشييع الشهيد تقدمت الدبابات الصهيونية وتوغلت في بلدة جباليا، لاعتراض مسيرة التشيع ظناً أن جنازته ستمر عبر البلدة ، وبأن الشيخ صلاح كان فيها .
وهكذا انتقل شهيدنا المجاهد لحياة الخلود ليرافق إخوانه، ورفاق دربه في الجهاد والاستشهاد ، كالشهيد القسامي إبراهيم نزار ريان المقتحم لما كان يعرف بمغتصبة نتسانيت شمال بيت لاهيا ، والشهيد القسامي محمد عماد مقتحم ما كان يسمى مغتصبة جاني طال جنوب قطاع غزة .