الشهيد القسامي / أحمد فوزي حسن لبد
أصرّ على الشهادة
القسام - خاص :
عندما يرتقي الشهيد، ويسير في زفاف ملكي إلى الفوز الأكيد، وتختلط الدموع بالزغاريد، عندها لا يبقى لدينا شيءٌ لنفعله أو نقوله، لأنه قد لخّص كل قصتنا بابتسامته، فيقوم الوطن لينحني إجلالاً لأرواح أبطاله، وتغيب الشمس خجلاً من تلك الشموس.
فهم نجوم الليل التي ترشد من تاه عن الطريق، وتبقى الكلمات تحاول أن تصفهم ولكن هيهات، أعلمتم من هم هؤلاء، ببساطة هم "الشهداء".
نشأة بطل
كانت مشيئة الله تعالى بأن يعانق البطل أحمد للمواطن فوزي لبد الحياة بأمواجها المتلاطمة في الثامن عشر من ديسمبر عام 1991م، فتقر عيون أسرته بميلاده الميمون ويعلقون عليه آمالهم كما أي عائلة يولد لها طفلا، فينشأ نعم الشاب الوسيم صاحب الخلق الحسن المرتاد للمساجد والمحافظ على أداء الصلوات داخله ويعقبها بالندوات الإيمانية وحلق العلم والتفسير، وكان شاباً قلبه معلق بالمسجد بكل ما تحمله الكلمة وكان سلوكه عاديا يتصف بالهدوء والبعد عن المشاكل وعن مفتعليها، وكان يمارس هواياته المفضلة بكل هدوء التي كان من أبرزها لعبة كرة القدم وطاولة التنس.
الشاب الهادئ
كانت علاقة شهيدنا بوالديه علاقة تتصف بالبر والحب والحنان وكثرة الفكاهة خاصة مع والدته يحاول إزالة همومها وإدخال الفرح والسعادة إلى قلبها الذي يرافقه دوما لاهجا بالدعاء له ولإخوانه المجاهدين بأن يوفقهم الله ويثبتهم ويسدد رميهم ويقذف الرعب في قلوب أعدائهم.
وكان شهيدنا البطل أحمد يعامل إخوانه بحب وحنان وفي بعض الأحيان كان يتشاجر مع أحدهم كما كل الإخوة ثم لم يلبث حتى يصالحهم فقد كان طيب القلب يحب الجميع لكنه قليل الاختلاط بالجيران لبقا في حديثه معهم, وكان نادرا ما يخرج إلى الحارة وكان يرافق أبناء الجيران وأصدقائه في المسجد ممن هم في سنه وسط أجواء تسودها العلاقات الطيبة مع جميع أبناء المسجد وكان غامضا في تصرفاته لا يعلم عنه شيء وكان يلتحق بحلقات التحفيظ ودروس العلم ويواظب على الصلاة في المسجد وكان من أشبال المسجد المشهود لهم بالتقوى والصلاح منذ صغره في مسجد الإمام الشافعي ومسجد الفتح المبين.
طريق العلم
عندما أصبح شهيدنا أحمد ذا الأعوام الستة التحق بمدرسة الفلاح الابتدائية للبنين ليدرس فيها مرحلته الابتدائية التي تميز خلالها بالتفوق والنشاط الكبير وإقباله الشديد على طلب العلم وحبه وشغفه به وكان من الذين يعتلون منصات التفوق للتكريم في نهاية كل عام دراسي، وكان سلوكه في مراحله الدراسية يتصف بالحب والحنان والأمانة والإخلاص، وبعدما أنهى الابتدائية بتفوق انتقل إلى مدرسة الفلاح الإعدادية وفيها تلقى تعليمه الإعدادي فأنهاها كما سابقتها بتفوق انتقل بعد تحقيقه إلى المرحلة الثانوية في مدرسة شهداء الزيتون وكان له نصيب من اسم مدرسته وأصبح أحد شهدائها الذين سميت باسمهم، وعندها نال شهادة التفوق الكبرى حيث ظهرت نتيجته التي كتبها بدمه في معركة الفرقان التي كانت في منتصف عامه الدراسي.
مشوار الدعوة
كانت بداية التزام شهيدنا حين تعرف على الشهيد رمزي شحيبر وأحب الجلوس معه وكان يقتدي به ويفعل ما يطلبه منه بفرح ومن ثم بدأ مشواره مع مسجد الفتح المبين وبدأ التزامه به، وكان يعمل في جميع نشاطات المسجد وخاصة العمل في اللجنة الدعوية وكان يحب أن يقدم النصح والإرشاد للآخرين كما أحب إعطاء الدروس الدينية في حلقات العشاء.
كان الشهيد يتميز بالغموض التام والكتمان الشديد، ولم يكن أحد يعرف عنه شي أو ماذا يفعل لكنه انتمى إلى الحركة عن طريق المسجد وانخراطه في أنشطته المتنوعة ويرجع الفضل في ذلك بعد الله تعالى إلى الشهيد رمزي شحيبر الذي سار وإياه في طريق الدعوة إلى الله، وكان دور الشهيد فعالا فقد كان صغير السن إلا أنه يشارك في جميع أنشطة المسجد والحركة من مهرجانات ومسيرات وتميز بالعمل الدعوي والإرشادي.
جهاد واستشهاد
كان أحمد يحب العمل الجهادي ويتشجع عند ذكره ويمتلئ حمية ورغبة في الجهاد لذلك قام بالطلب من أمير المسجد بمساعدته على الالتحاق بكتائب القسام في عام 2008م، حيث عمل في بداية التحاقه بجهاز الأمن المساند ومن ثم التحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام في نهاية الصف الحادي عشر وبدأ طريقه في الرباط وهو في الثانوية العامة حيث كان نشاطه مميز ولا يحب الرياء والسمعة، وكان شديد الحرص على أوقات الرباط فقد كان لا يفوت عليه أي ليلة لرباط أو مهمة توكل إليه وكان نشاطه ممتاز فكان من المقبلين غير المدبرين لا يقول لمسئوله لا ولا يعرفها.
كان يتصف شهيدنا بالإخلاص والعمل بما يرضي الله وما يرضي دينه ونفسه وكان في الرباط صامتا لا يتكلم إلا للضرورة وعلى قدر الحاجة وكان كتوما وشجاعا لا يعرف الكلل ولا الملل، فقد كان يحب العمل في جميع التخصصات وخاصة في الدروع والقنص وكان نشيطا يمتاز بالقوة والإقدام ولعب الكاراتيه.
الشهادة موعده
أحمد إنسان فلسطيني انتمى إلى جند القسام لأنه عرف أن الجهاد الأقصر الطرق إلى الجنة فعمل في سبيل ذلك وكثر حديثه عن الجنة في معاني كلماته الندية وفكاهاته الخفيفة حتى كان له ما تمنى.
وفي ليلة الاجتياح البري كان الشهيد خارجا للرباط بعدما أصر على ذلك، وبالرغم من خطورة الوضع إلا أنه ظلّ ثابتاً حتى قام بتفجير العبوة التي كانت معه، وبقي مرابطا في ثغره، وبعد أن انقطع التواصل معه ذهب بعض المجاهدين لاستكشاف أمره فلم يروه في المكان وعلى ذلك انقطع التواصل معه لمدة ثلاثة أيام إلى أن تم التواصل مع مجموعة من القوات الخاصة للقسام والتي أكدت أنه استشهد بعدما تعرّض لقذيفة دبابة، وقاموا بإخراج جثته بصعوبة، حيث أن سيارات الإسعاف لم تستطع الوصول للمكان.
ولشهادة أحمد كرامات أنزلها الله تعالى عليه، حيث بقي مستشهدا لمدة أربعة أيام ولم يحدث لجثته أي شيء ولم تظهر لجثته رائحة سوى المسك يفوح في الأرجاء، كما لم يتغير أي معلم من معالم الجثة والتغير الذي كان بجسده هو بفعل القصف.