الشهيد القسامي / صلاح الدين ماهر علي أبو صبحة
استشهد في ثغره مرابطاً
القسام - خاص :
طوبى لمن باع نفسه رخيصة في سبيل الله، طوبى لمن قدم كل ما يملك في سبيل قضية نبيلة عادلة، طوبى لمن اجتهد وعرف الطريق فسار فيه دور تردد أو تراجع، طوبى لمن حمل السلاح، وسار في كل ساح، وتقدم الصفوف بإقدام يصحبه الكفاح، فكتب الله له شهادة يلقى فيه الصحاب، بجنة من ريحان، أعدها الله لمن سار على درب الصلاح، في زمن الفتن والتناقضات، فيا سعد من اختصه الله بشهادة يختم بها حياته بارتياح.
وتستقبله الحياة
في بيتٍ متواضعٍ من بيوت معسكر خانيونس كان ميلاد الشهيد صلاح الدين ماهر أبو صبحة، بتاريخ 18/ 11/ 1990، حيث شهد ميلاده مواجهاتٍ حاميةً مع المحتل في ظل الانتفاضة الأولى، كما أن اللحظات التي خرج فيها للنور لم يحتفل بها والده الذي كان أسيراً لدى قوات الاحتلال، فظهرت علامات الذكاء والفطنة عليه، استعداداً لمواجهة هذه الحياة.
تميز الشهيد بعلاقةٍ طيبةٍ مع مَن حوله من الأقارب والأهل، فانشغال أبيه الدائم عنه في العمل الحكومي دفعه لتحمّل المسؤولية مبكراً، وخدمة أهله دون تذمرٍ أو ملل.
كما قدّم لإخوانه الحب والاهتمام والعطف، فكان يشرف على واجباتهم وسلوكياتهم العامة، ويقدم لهم الهدايا احتفالاً بأيام ميلادهم أو نجاحهم، وقد اشترى لإخوته حاسوباً من أول راتبٍ تقاضاه، وظلَّ سنداً لهم ولأمه، يقدم لهم من حبه ويتفقدهم في راتبه.
وتعدّت هذه الأخلاق الحميدة الأهل إلى الجيران والأصدقاء، فاتّسم طابعه العام بالأدب والتواضع ومساعدة الجميع، والإحسان لكل مَن يمتُّ له بصلةٍ قريبة أو بعيدة.
حياته العلمية والعملية
تعلّم الشهيد صلاح الدين في مدرسة مصطفى حافظ وكان من المتفوقين، حيث حصل على شهادات التفوق مع كل مرحلةٍ دراسية، واستمرّ هذا التفوق في دراسته الثانوية والجامعية.
فقد درس في جامعة الأقصى كلية التجارة، وكان ترتيبه الثاني في دفعته، ودرس في كلية فلسطين للعلوم الأمنية، وحصل على المرتبة الرابعة في دفعتها الأولى، ثم التحق ببرنامج الماجستير في الجامعة الإسلامية، وفي غمار كتابته لرسالته كانت رسالة الخلود له في الجنان قد اكتملت فالتحق بركب الشهداء قبل أن يتمها.
كما عمل صلاح الدين ملازم أول في الشرطة الفلسطينية قسم المباحث، وتميز في عمله وأبدع في إدخال البرامج المحوسبة التي تطور من عمل المباحث، وكان سبباً في كشف عدة جرائم لفطنته و ذكائه.
المسجد والشهيد
من مسجد الشافعي كانت انطلاقة الشهيد نحو العلياء، فمن صلاة الجماعة مروراً بحلقات تحفيظ القرآن، والندوات الدينية والمشاركة في أنشطةٍ دعوية، إضافةً لدوراتٍ في الأحكام التمهيدية والعليا وإنارة مسجده بالطاقة البديلة، كل هذا كان إشارة نورٍ وخطوة البداية في طريق الشهادة والجهاد.
انتمى الشهيد أبو مهند للحركة عام 2007م، وبدأت مسيرته الدعوية آنذاك، وقد كان مثالاً للالتزام والسمع والطاعة في جميع أموره، وكان كالنحلة يسعى بين مراكز ومهام عديدة في الحركة.
حرص على أن يكون مجاهداً مقاتلاً مدافعاً عن شعبه وأرضه، فانضم أخيراً إلى صفوف كتائب العز القسامية كتائب الشهيد عز الدين القسام.
مجاهد قسامي
كانت صفوف القسام هي غاية الشهيد الأولى، حيث انضم بعد إلحاحٍ شديدٍ منه على مسئولي الدعوة في مسجد خالد بن الوليد، وكان ذلك عام 2011م، ومنذ اللحظة الأولى وهو يرتقي ويتطور في هذا الجهاز، ويعمل لله لا يرجو سواه.
فقد التحق شهيدنا بإحدى المجموعات المقاتلة في منطقته سكناه وكان من المحافظين على رباطه وجميع الأنشطة التي تخص فصيله، كما تميز بالولاء والطاعة للأوامر العسكرية، إلى أن تم ترشيحه ليكون أحد عناصر وحدة الإسناد في السرية، حتى استشهد رحمه الله في كمين كان قد التحق به في معركة العصف المأكول.
كان شهيدنا رحمه الله – ونسأل الله القبول له- شعلةً من النشاط والجدّ والمثابرة والاجتهادية، وكان رحمه الله صاحب همةٍ عاليةٍ، ودائما سباقاً للخير ولميادين العمل والرباط والاستشهاد.
أما ما يخص حرصه على الرباط رحمه الله فقد كان من الحريصين جدًا على الرباط، وألّا يتغيّب عنه أبدًا، ونسأل الله أن تشهد له الأرض التي شهدت خطواته، والليالي التي شهدت سهره.
قد كان الشهيد يعمل ضمن (سلاح الدروع)، وقد تميز بهذا التخصص، وكان من المبدعين في هذا التخصص، وبشهادة إدارة التدريب التابعة للجهاز، كما تمتع أيضًا بقدراتٍ عسكريةٍ كبيرةٍ فيما يخصّ تخصصه، والعمل فيه فكان عسكريًا فذًا، وصاحب قدرة عالية.
ولم يذكر يوما أنه تخلّف عن موعدٍ جهاديٍّ أو رباط أو دورة أو عسكرة أو محاضرة فقلد كان رحمه الله صاحب عطاءٍ جهاديٍّ كبيرٍ نسأل الله القبول والسداد له.
أمارت الشهادة
كان الشهيد حريصًا على المشاركة في الحرب، حتى حان وقت خروجه استبشر والده بشهادته وأقسم عند خروجه من البيت أنه لن يعود حياً، فأحس والده من ابتسامته الواثقة أنه سيكون الشهيد القادم.
يقول شقيقه عبد الرحمن في الصف الثالث: عندما جاء الأمر لصلاح الدين بالخروج، ضحك صلاح الدين ضحكةً لم يضحكها قبل ذلك، وبانت عليه علامات السعادة.
ففي الحرب استشهدت عمته وأولادها جميعاً قبل استشهاده بتاريخ 29-7-2014م، ونظر نظرة الوداع لهم، وعاد إلى خان يونس خوفاً من أن يتواصل معه إخوانه فلا يجدونه حتى جاءت لحظة خروجه فشعر الجميع بفرحته العارمة.
وقد رآه أهل البيت يهرول في الاستعداد، لدرجة أنه أخطأ ولبس فردة حذاء أخيه اليمين بدلاً من حذائه، وتنبأ والده بما حل له، فقال وقتئذٍ: صلاح لن يعود إلا شهيداً!
وقد ذكر أحد أصدقائه أن صلاحاً رأى في منامه أن والده يقدّم له كفناً، وكان ذلك يوم شهادته.
تفاصيل استشهاده
في موقع رباطه بتاريخ 3-8-2014، انتقل من مكانه لمكانٍ آخر وعند محاولته للعودة باغتته طائرة استطلاع بصاروخ أدى لاستشهاده، وكانت هذه أقصى أمنيته في الحياة، ولم يكن هذا السعي والتميز والإيمان إلا ليصدق الله بالطلب، فيصدقه الله بالتلبية.
وابتسامته التي غطّت وجهه وروحه، كانت خير دليلٍ على صدق ولائه لله، وشهدت جنازته حضوراً مهيباً، وأعداداً غفيرةً من المصلين، وقد عقدت الهدنة يومها، وكان قد لاقى ربه، مخلفاً بعده رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ولا زال منهم من ينتظر.