القائد الميداني / خضر محمد بدوي الحصري
وأجمل العطاء هو الذي يكون في سبيل الله
القسام - خاص :
عندما يرتقي الشهيد، ويسير في زفاف ملكي إلى الفوز الأكيد، وتختلط الدموع بالزغاريد، عندها لا يبقى لدينا شيءٌ لنفعله أو نقوله، لأنه قد لخّص كل قصتنا بابتسامته، فيقوم الوطن لينحني إجلالاً لأرواح أبطاله، وتغيب الشمس خجلاً من تلك الشموس.
فهم نجوم الليل التي ترشد من تاه عن الطريق، وتبقى الكلمات تحاول أن تصفهم ولكن هيهات، أعلمتم من هم هؤلاء، ببساطة هم "الشهداء".
نشأة فارس
في أسرة متواضعة الحال، وصابرة على قدر الله، ولد شهيدنا خضر محمد بدوي الحصري في حي الشجاعية عام 1963م، ليتربى الأصغر بين ستة من الأخوة أكبر منه، ثم انتقل بعد فترة مع أسرته للعيش في معسكر الشاطئ، وهناك تربى وترعرع بين أحضان أسرته، ليكبر طفلاً محباً ومحبوباً من الجميع، كان كثير الحركة واللعب مع الأطفال، وذكياً نجيباً منذ صغره، وبدت عليه ملامح الشخصية القيادية منذ الطفولة، كما أحبه والديه لأنه كان الابن البار بهما، المطيع لهما، توفي والده في صغره، فتكفلت والدته بتربيته، فتعلق بها كثيرا، وكان ملازماً لها ومطيعاً لأوامرها، يسعى إلى نيل رضاها، وكسب دعواتها، حتى أصبح شاباً قوياً تولى أمور البيت بعد والده، فكان الصدر الحنون لإخوانه، يعتبره الجميع هو الملجأ لهم بعد الله في حال حدوث أي مشكلة معهم، وكان يعاملهم معاملة طيبة، ويحثهم على الالتزام الديني والمحافظة على الصلوات، كما كان يحث جميع الجيران والأقارب الذين يعرفهم، على هذا الأمر، فكان الرجل الحنون طيب القلب، الذي تعلق بالمسجد منذ صغره، فحافظ على الصلوات وعلى حفظ كتاب الله تعالى، لينشأ إنسانا ملتزما محافظاً على دينه.
نجاح يقهر الظروف
بدأ شهيدنا بالدراسة منذ التحاقه بمدارس معسكر الشاطئ لدراسة المرحلة الابتدائية، وكان خلالها طفلا متفوقا، يحب المدرسين والطلاب، وهم يحبونه، فكانت علاقته مع الأصحاب والأصدقاء علاقة أخوية، وصداقة حميمة، فلم تعرف أنه توانى عن مساعدة
أحدهم، أو قصر معه، وبعد إنهائه للمرحلة الابتدائية من دراسته ترك المدرسة مرغما على ذلك، نظرا لظروف أهله الصعبة، وذهابه للعمل من أجل إعالة أسرته، والمساعدة في كسب لقمة العيش، وعمل في عدة مجالات متنوعة، ثم عمل داخل الخط الأخضر في الأراضي المحتلة، لينتهي به المطاف بعد ذلك للعمل كسائق باص، فكان يؤدي عمله بكل إتقان وإخلاص.
مجاهد منذ الانتفاضة
كانت بدايات شهيدنا مع الالتزام في المسجد منذ الصغر، فتعلق قلبه بالمسجد، وحافظ على الصلوات، وعلى حفظ كتاب الله تعالى، لكن بداياته مع جماعة الإخوان المسلمين كانت عام 2002م، عندما بايع أحد قيادات الإخوان في منطقة الشجاعية، فبدأ بنشاطه مع الحركة، وكان يشارك في الفعاليات والنشاطات جميعها إن توفرت له الظروف لذلك، حيث كان من أفراد وحدة التصنيع، ومن المطاردين لقوات الاحتلال، فلم يكن يجد الوقت الكافي والفرص المناسبة لمتابعة جميع الفعاليات في المسجد وخارجه، لكنه مع قلة تواجده عُرف بين إخوانه بحبه لهم، وكان بمثابة الأخ الكبير، والأب الحنون، حيث كان يشجعهم، ويقوم بمشاركتهم في أنشطتهم، كما كان محباً للحركة مشاركاً في فعالياتها عند الانتفاضة الأولى، وظل يعمل بسرية، ويشارك في الكتابة على الجدران، ورشق الجنود بالحجارة، ومعظم فعاليات الانتفاضة، كما كان يعمل على خدمة المجاهدين بسيارته التي سخرها لخدمتهم، ثم عُرف عن عمله في الحركة بعد ملاحقته من قبل أجهزة أمن السلطة، ليبايع بعدها جماعة الإخوان المسلمين ويستمر في عمله ضمن صفوف الحركة الإسلامية.
حياة عنوانها العطاء
التحق الشهيد خضر بكتائب القسام في العام 1998م، بعد تعرفه على عدد من المطاردين قوات الاحتلال، حيث كان يلازمهم ويجعل بيته مأوىً لهم، وكان منهم الشهيد وائل نصار، والشهيد ياسر طه، والقائد العام محمد الضيف، ثم بدأ العمل معهم، مسخراً كل إمكانياته في سبيل مساعدتهم في خدمة الجهاد والمقاومة، فكان ينقلهم من مكان إلى آخر، ويقوم بتوزيع الذخيرة والسلاح على المجاهدين في جميع مناطق قطاع غزة، برفقة الشهيد ياسر طه، وبعد ذلك بدأ بالخروج في مهمات جهادية، وبدأ بالمشاركة في الرباط والاجتياحات.
انتقل خضر بعد ذلك للعمل في جهاز التصنيع العسكري في الكتائب، ومع ذلك لم يكن بعيداً عن صد الاجتياحات والاشتباكات مع القوات الصهيونية، حيث شارك في اجتياح الزيتون واجتياح الشجاعية، وقام خلاله باستهداف دبابة صهيونية بقذيفة آر بي جي، كما قام بمشاركة الشهيد ياسر طه، بتفجير إحدى الآليات في بلدة بيت حانون، كما كان من أوائل من أطلقوا صواريخ باتجاه المغتصبات الصهيونية، التي كانت في جنوب قطاع غزة، بمشاركة الشهيد وائل نصار، ومع كل هذه الأعمال والنشاطات العسكرية، إلا انه كان متواضعا مع المجاهدين، وكان يساعدهم في كل الأمور، ويشاركهم في مهماتهم وعملياتهم.
تميز خضر بالصمت والسرية، فكان لا يتحدث عن عمله ولا أحد يعرف عن عمله شيئا، لذلك كان ناجحاً في كل المجالات التي شارك بها، لكنه كان مميزا في تخصصه في مجال التصنيع، على الرغم من عدم إكمال تعليمه، لكنه كان ذكياً، وفي إحدى المرات مازحه أحد إخوانه، قائلاً له: يبدو أنك تكمل تعليمك دون علمنا، فضحك الجميع، وهذا كان من شدة إعجابهم بذكائه ونشاطه، ومشاركته في العمليات المختلفة، حيث كان من الذين رافقوا الشهيد وائل نصار، والشهيد ياسر طه، وحتى القائد العام محمد الضيف، والعديد من الشهداء الذين تمنى أن يكون مثلهم.
الموعد الأغلى
قام خضر قبل يومين من استشهاده بزيارة أقاربه وتوصيتهم بالعبادة والجهاد، كما أوصى زوجته وأولاده ليلة استشهاده وجلس معهم وودعهم صباحاً، وخرج من المنزل وهو يرتدي ملابس جديدة، وكأنه يستعد لملاقاة ربه شهيدا، وفي يوم الاثنين 1–9–2003 م، خرج مع اثنين من رفاقه في سيارة، وكانوا يسيرون في شارع الوحدة متوجهين إلى سجن السرايا لإخراج أحد الشباب من السجن، وفي الطريق أثناء سيرهم، تم استهدافهم بأربعة صواريخ من الطائرات الصهيونية، فنجا الاثنين الذين معه، وأصيب خضر إصابة بالغة، ليقوم بنطق الشهادة عدة مرات، بصوت سمعه بعض من تواجد حول السيارة المقصوفة، وما لبث إلا واستشهد بعد ذلك على الفور، ليرتقي شهيداً إلى ربه، ويحقق ما تمنى خلال مشوار طويل حافل بالعطاء والجهاد ضد الاحتلال.
(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
بيان عسكري صادر عن كتائب الشهيد عز الدين القسام
وتستمر الغطرسة الصهيونية، ولا يزال العالم غارق في سباته
يا جماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد ... يا أمتنا العربية والإسلامية /
إن ما أقدمت عليه قوات البغي الصهيوني من تواصل سلسلة الإجرام الوحشية ضد خيرة أبناء شعبنا الصامد قبل وبعد انتهاء الهدنة، ليوحي بهوان وخلخلة صف العدو الداخلي، والذي ما فتئ يضرب ويقصف بجنود ورموز الحركة الإسلامية تبريراً لفشله الداخلي، ليلحق اليوم الاثنين 1 / 9 / 2003م الموافق 4 رجب 1424هـ بركب الشهداء
الشهيد القائد / خضر بدوي الحصري
34 عاماً من منطقة الشجاعية
نحتسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا
وذلك بعدما تم قصف السيارة التي يستقلها الشهيد ومجموعة من إخوانه المجاهدين في مدينة غزة، والتي أصيب خلالها العديد من أبناء شعبنا الصامد، بعضهم في حالة الخطر.
إن كتائب الشهيد عز الدين القسام إذ تقدم الشهيد تلو الشهيد، لتؤكد أن ردها سيكون في القريب بإذنه سبحانه وتعالى، وأن مسيرة جهادها مستمرة حتى زوال البغي الصهيوني عن أرضنا ومقدساتنا بإذن الله تعالى.
وإنه لجهاد ... نصر أو استشهاد
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الاثنين 1/9/2003م الموافق 4 رجب 1424هـ