الشهيد القسامي/ أمجد أبو خلف
أعرف سبيلي ومبتغاي وهم التائهون
القسام ـ خاص:
لأنهم هم الشهداء الممثّل الشرعي و الوحيد لآلام وآمال شعبهم و تطلعاتهم، وهم الذين يموتون من أجل أن نحيا و يحيا الوطن، هم الذين يتسابقون لنيل رضا الله و بذل أرواحهم رخيصة من أجل يافا و غزة و القدس و جنين و رام الله و أم الفحم و عكا و تل الربيع.
ولأنهم مطاردي القسام ومساعديهم وبسببهم لازالت ضربات القسام تتوالى على أعناق المغتصبين، و ما زالت خليل الرحمن تزهر الزنابق والرياحين.
ميلاد فارس
ولد الشهيد القسامي الرقيب أمجد أبو خلف بين ثنايا أمتنا الممزقة وفي زمن قل فيه الرجال وكثر العابثون، ففي 24/8/1972م على يد إحدى القابلات وضعته والدته طفلاً بع معاناة استمرت طويلاً والجميع ينتظر ويقرأ آيات القرآن من الذكر الحكيم لتسهيل ولادتها وتمت بحمد الله.
وتناولته أمه بين يديها لتتساءل.. "هل هو يستحق كل هذه المعاناة ؟" دون أن تدري أنه يستحق ويستحق أكثر مما رأت عيناها .. فمسته أمجد .. أمجد العز والفخر.
رجل منذ الصغر
وأخذت أمه ترعاه وتعتني به ساعة بساعة وكان منذ طفولته مميزًا بكائه ونظراته البعيدة وعميقة التفكير، مميزاً بهدوئه ونشاطه وحيويته، وأسئلته كثيرة وعاطفته جياشة وحنون جداً، والرجولة تتدفق من شخصيته منذ الصغر، أحب أصدقاء الطفولة كثيراً وهم أحبوه، كان محباً للرياضة، وأكمل دراسته في الإعدادية والثانوية بتفوق مميز وكان كثير الحب للثقافة والمطالعة، موظباً على صلاته وحافظاً لآيات القرآن الكريم ومتعلقاً بالمساجد.
واعتقل أمجد لمدة (15) يومًا لدى سلطات الاحتلال دون أن يثبت أي شيء ضده وهو في الثانوية العامة لكن ذلك لم يمنعه من تفوقه وإصراره على مسيرته في العلم، وبعد نجاحه رفض الالتحاق بجامعات خارج فلسطين لارتباطه بأرض الإسراء.
وكان محبوباً من قبل الجميع وواثقاً بنفسه، ولم يكن يخلف وعداً، وزاد قبل شهادته والمطاردة تعلقاً بأسرته خاصة والدته التي كان لا يطلب منها سوى الرضا عليه، وكان يقبلها قبل وبعد العودة إلى البيت.
دراسته
التحق الشهيد بجامعة الخليل في كلية العلوم ومن ثم التحق بقسم اللغة الإنجليزية فكان له الدور البارز في العمل الطلابي إذ أنه كان عضواً فاعلاً في الكتلة الإسلامية ومع أن دراسته الجامعية تزامنت مع عمله العسكري إلا أنه وفَّق بين الإثنتين وأعطى كل واحدة حقها.
أما في الجامعة فكانت دائماً تعلو الابتسامة شفاه ولا تفارقه أبداً، ويساعد زملائه في كل شيء من شرح للمواد الدراسية والقرطاسية، ويصفه أصدقائه بأنه مدرسة بلا دروس ودون حوار فنظراته تدل على غضبه وثورته.
و تميز في جهاده للمحتل الصهيوني، فقد أزهق روحاً صهيونية ومن ثم صبح مطارِداً للاحتلال بعد أن عُرف لهم فأصبح المطلوب أمجد أبو خلف من تاريخ 16/8/1993 وقتل بعدها 5 صهاينة وأصاب 9 آخرين .
مطارٍد لا مطارد
" أنا لست مطارد .. إنما هم المطاردو ، أنا أعرف سبيلي ومبتغاي وهم التائهون"، عبارة كان وما يرددها الشهيد الرقيب عندما كان مطارداً في بطون الجبال، وعندما كان يكوي الاحتلال ومغتصبيه بنار أسلحته الرشاشة، حتى وصفه أعدائه "العبقري، الذكي، المستغول، المستفحل" لما وجدوا من دقة وجرأة وذكاء في عملياته الجهاية البطولية.
بدأت مطاردته بتاريخ 16/8/1993م، حيث كان قد أخبر والدته قبيل ذلك بأنه سيقوم بتحويل أوراقه من جامعة الخليل إلى جامعة بيرزيت حتى لا تقلق عليه وهذه هي أخر مرة كانت فيها تشاهده أمه حياً.
حيث كان الشهيد القسامي متواجد في إحدى قرى الخليل وفجأة هاجم جنود الاحتلال على المنزل الذي تواجد فيه الشهيد، لكنه تمكن من الانسحاب حاملاً لبعض القنابل اليدوية ليحمي بها نفسه من جنود الاحتلال الذين لاحقوه، وبقي يمشي طوال الليل حتى فجر اليوم التالي ليصل إلى مدينة الخليل بعد رحلة طويلة وعناء كبير حافي القدمين والدم ينزف منهما دون بأس أو تردد.
وبعد رحلة جهاد طويلة خاضها الشهيد برفقة عد كبير من مجاهدي الكتائب في خليل الرحمن، وفي ساعة متأخرة من ليلة الخميس 13/1/1994م تحول ليل مدينة الخليل إلى نهار حيث القنابل الضوئية في كل مكان وطائرات مروحية وانتشار واسع لجنود الاحتلال في أنحاء المدينة.
عرس الشهادة
وحتى ساعات الصباح الأولى من يوم الجمعة 14/1/1994م حتى أعلن عن خبر الفاجعة الذي صدم أهل الخليل وكل من عرف الشهيد، حيث ارتقى الشهيد وثلاثة من رفاقه إثر اشتباك مسلح عنيف مع قوات كبيرة من جيش الاحتلال التي حاصرت المنزل الذي تحصن فيه الشهيد ورفاقه من كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس لأكثر من اثني عشر ساعة.
وأعلن استشهاد الرقيب أمجد أبو خلف (22) عاماً وكان مطلوبًا لقوات الاحتلال لأكثر من نصف عام، والشهي القسامي أمجد شبانة (20) عامًا وهو مطلوب لجيش الاحتلال بعد تمكنه من الفرار مع أربعة مجاهدين من معتقل الظاهرية الذي كان يخضع للاحتلال سابقًا، والشهيد القسامي فريد الجعبة (23) عامًا، والشهيد القسامي محمد صالح كميل (22) عامًا من بلدة قباطية جنوب جنين.
وبدأ الاشتباك حوالي الساعة التاسعة والنصف ليلًا واستمر ساعات الصباح، وقصف المنزل بأكثر من خمسة عشر صاروخاً من طراز (لاو) المضاد للدبابات، وذكر شهود العيان أنه كان يسمع أصوات التكبير من داخل المنزل أثناء تبادل إطلاق النار، ورفض الشهداء المجاهدون الأربعة الاستسلام كما طالبهم ضابط مخابرات الاحتلال، حيث يروي أحد شهود العيان أن أحد الشبان رد على ضاب المخابرات بقوله :"أنا عبد الله من فلسطين وقد سملت أمري إلى الله ولن أستسلم لكم أبداً .. ونحن بانتظار الشهادة".
وأضاف شاهد العيان أنه شاهد أحد الشهداء الذين كانوا داخل المنزل عندما خرج متظاهراً بأنه سيسلم نفسه وهام جنود الاحتلال بقنابل يدوية واستشهد.
واستمر حصار المنزل حتى ساعات الصباح وتدميره، وأدخل جنود الاحتلال كلاب بوليسية إلى المنزل للتأكد من عدم وجود مقاومين أحياء، وبعدها قاموا باقتحام المنزل واختطاف جثث الشهداء ونقلوها إلى معهد الطب الجنائي بالقدس (أبو كبير).
وقال الاحتلال أنه عثر عل رشاش ومسدس وقنابل يدوية، وفرض منع التجول على المدينة وقراها لمدة يومين عقب استشهادهم، وأكد من وصل من المواطنين لمكان الاغتيال العثور على قدم وأصابع للشهداء ومصحفًا وكتاب للمأثورات.
وذكر أقارب الشهداء بأن رائحة المسك انبعثت من أجساد الشهداء الأربعة عندما ذهبوا للتعرف عليهم في معهد الاحتلال التشريحي، مؤكين أن وجوههم كانت تعلوها مسحة من نور وابتساماة لطيفة.
وقال أحد أشقاء الشهيد ابو خلف وشاهد جثمانه :"شعرنا بسرور عظيم وسكينة كبيرة عندما رأينا جثمان الشهيد وشعرنا كأننا في عرس.. وحزنت على أمجد رحمه الله لأني فقدت إنسانا أحببته وفرحت لأنه استطاع تحقيق ما يريد وهي الشهاة وصحبة الرسول صل الله عليه وسلم".
تاريخ حافل بالجهاد
وهنا تطل كلمات الشهيد التي قالها : "لان يعمل الصاروخ في جسدي أهون علي من أن تحكمني الرويبضة"، وبعد ذلك زفت كتائب القسام عبر بيانها الأعمال الجهادية التي نفذها وأشرف عليها الشهيد الرقيب أمجد أبو خلف، وجاء في البيان" ففي غرب الخليل أزهق روحًا خبيثة، سائق الحاخام صهيوني حقير، وجرح من كان برفقته، وبعد أسابيع يتوجه البطل إلى منطقة (عاروض فراح) بالقرب من مغتصبة "خارصينا" فيقتل مغتصبين من مغتصبة كريات أربع ويصيب ثلاثة أخرين، ثم يتوجه دون بأس أو تردد أو ملل بكل شجاعة وجرأة، شمالًا إلى رام الله ليقتل مغتصبين اثنين برصاصات القسام المغوارة، ثم يتوجه هو وإخوانه جنوبًا إلى قرية السموع في عملية جهادية بطولية أصيب فيها ثلاثة من نود الاحتلال وينسحب مجاهدنا ورفاقه بسلام".
وكتب الشهيد القسامي المغوار وصيته قبل ارتقائه بأسبوع وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الحبيب الأمين، محمد بن عبد الله وعلى آله ومن سار على دربه واهتدى بهديه، وجاهد جهاد المخلصين حتى يلقي الله مع المستشهدين، وبعد:
أيها الإخوان المسلمون.. حملة القرآن ورواد الريان.. أيها الأحباب الأبطال، السلام عليكم ورحمة الله وبركانه، السلام عليكم يا من بتربتكم ترعرعنا.. وبزادكم تغذينا ونهضنا من غفلتنا، وبهممكم العالية وبشموخكم الدائم تثبتنا.
أيها الاحباب ..
هذه هي البيعة، وهذا هو المسار، هذا طريق البناء سلكناه، ومضينا نحو ما مضى إليه مرشدنا الشهيد، مضينا وبإصرار المتيم بالشهادة، ليس لأنها هدف نبتغيه، وإن كانت من أسمى أمانيننا، بل لأن الحياة بلا موت، وخلود بلا فناء.. لأن الوصول إلى الغاية، إلى جوار الله.. ولأن في الطريق إليها تكون الكرامة، ويكون الشموخ والاستعلاء.
سنمضي إلى حيث يمضي شهداؤنا.. وسيلحق بنا من أعماق قلوبنا أحببناه، وسيكون اللقاء حيث الوطن الأصلي لمن أمن بهذا الدين.. عند ناصر المجاهدين، وبجوار سيد المرسلين، فإلى اللقاء أيها الاخوان الأحباب.. وسنلتقي تحت عرش رب العالمين، وحتى تلك الساعات أسال الله الثبات لنا جميعًا، والسلام عليكم ورحمه الله.
أبطال الحماس.. صناديد الإسلام، إخوان السنوار وأبناء الياسين.. تحية المجاهدين الذين باعوا دنياهم لأجل كرامتهم وكرامة دينهم.. تحية الأبطال الذين مضوا في درب الجهاد حتى الاستشهاد.. تحية الاسلام العظيم.. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أيها الأبطال الكرام.. يا من أبيتم العيش إلا بعزة وكرامة، ولا كرامة دون جهاد، فمضيتم على نهج القائد الأول، نهج الجهاد بلا هزيمة ونهج التضحية بلا خوف ولا مهابة، حتى أصبحتم رواد هذا الجيل، وقادة هذا العصر المليء بالرويبضات الأذلاء.. وعملتم وستعملون على تصفية هذه الزمرة الفاسدة، بفكركم وجهادكم وثباتكم، ولا حول لكم إلا معية الله وتأييده.
عمالقة الوطن المحتل.. بل عمالقة هذا العالم بأسره، كثر الأقزام وازداد تضليلهم للعامة، وليس لهم من جلاد غيركم، فلا تأخذكم بهم رأفة ولارحمة، وكونوا كما أراد الله لنا أن نكون في بداية تعاملنا مع أعدائه، "واقتلوهم حيث وجدتموهم" واعلموا أن بداية المشوار "قاتلوهم" وستكون النتيجة كما وعدنا رب العزة "يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدرو قوم مؤمنين"، اللهم اشف صدورنا بقتل بني صهيون وأعوانهم.
أيها المجاهدون.. أحببتكم في الله.. لا تنسوني من الدعاء وسامحوني، وأسأل الله أن يجمعنا حيث خلود النعيم، وأن يجعلنا ممن يغبطهم الأنبياء والشهداء.
الأبطال الأفذاذ.. الجهابذة الأفاضل.. نسور قمم.. الأحبة الرجال.. أبناء حماس.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وأسعد الله أوقاتكم، نعم استطعت الكتابة إليكم من خلال العموم.. ولكن جاء الخصوص.. وتشتت الفكر.. فكيف يكتب تلميذ لأستاذه.. يفكر كثيرًا.. ولكن كلمات تليق بكم لم تحفظ بعد.. لذلك فخطابي إليكم مستقل في رسالة أخرى، لا أدري ما الذي أقوله، أوحتى ما الذي أفعله لأجلكم، حتى أشعركم أني مازلت لكم وفقط لأجلكم؟؟!! إن كان القيام بكل ما تتمنوه طلبكم؟ فهذا واجب علي وسيكون بعون الله.
أدري أني بحقكم قد قصرت.. والعفو والسماح على ذلك منكم.. ولكني ببعدكم ، كثيراً ما قتلت.. بل قتلت وقتلت وقتلت، وكان إحيائي بمحاولة إحياء وجودكم معي، ومعانقة أرواحنا في كل لحظة وساعة.
ولربما كان ذلك كافيًا ، فحنو الروح للروح هو الحياة، وبدونه لا وجود لحياة الأخر، فسامحوني أيها العظماء.. يا رفاق درب الجهاد.. يا من أحببتهم حب العاشق المتيم باخوانه.
سامحوني أيها الأحبة وسأكون في انتظار ساعة العناق، تحت عرش الله، سأنتظركم هناك، وسأكون تواقًا لسماع أخباركم، وللحظة قدومكم، فلا تتأخروا علي ، فامضوا على الدرب، درب العزة والكرامة، درب الجهاد والشهاة، درب النصر العظيم.
لا تنسوني من الدعاء، يا قادة هذا الجيل، أنا في انتظاركم بجوار الله، والحبيب أبو صقر، فلا تنسوا الميعاد.. ولكم مني أعظم تقدير وأجمل تحية، يا من أحببتهم حبًا عظيمًا.. أبناء الإسلام.. سامحوني جميعاً، وسألتقي وإياكم عند الأحبة/ محمد وصحبه وجميع الشهداء، وسلامي الحار إلى أبناء الإخوان والحماس جميعاً، وإلى مشايخنا وقادتنا وعلمائنا أعظم السلام.
أخوكم وابنكم/ أمجد أبو خلف