الشهيد القسامي / عمار سلامة المصري
نطق بالشهادتين وهو في رمقه الأخير قبل الشهادة
القسام ـ خاص:
عمار المصري أسم يتلألأ في سماء مدينة نابلس جبل النار، فهو الشهيد صديق الشهيد تلميذ الشهيد، عشق الشهادة حتى أصبح بها متيماً، وأصر على اللحاق بمن أحب وبمن تتلمذ على يديه الشهيد القائد صلاح الدين دروزة تاركاً خلفه أهله وطفلته وزوجته التي كانت حاملاً في شهرها الثامن عند استشهاده.. رحل بعد مسيرة طويلة من الجهاد في سبيل الله أبلى خلالها بلاءً حسناً إلى أن حانت لحظة الشهادة..
الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا عمار سلامة سليمان المصري في السادس عشر من شهر آب/أغسطس لعام 1970 في "خلة الإيمان" بمدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، وعاش يتيماً بعد أن توفي والده وهو في الثانية عشرة من عمره، وأنهى دراسة المرحلة الابتدائية في مدرسة شريف صبوح في المدينة، ثم المرحلة الإعدادية في مدرسة عمرو بن العاص، وأخيراً المرحلة الثانوية في مدرسة نابلس الصناعية
التحق شهيدنا منذ نعومة أظافره بالمساجد وكان قلبه معلق بها لا تفوته صلاة الجماعة إلا في حالات نادرة، لينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم "ورجل قلبه معلق بالمساجد" وقد تربى في مسجد عبد الرحمن بن عوف في مكان سكناه (خلة الإيمان).. وكان مسؤولا عن جميع النشاطات الرياضية في المسجد ، حيث تميّز بحبه للعبة كرة القدم، كما اتصف بأخلاقه الكريمة وهدوئه واتزانه وجرأته وتحديه للصعاب وتفانيه وتضحيته في خدمته لإخوانه.
وقد تزوج عمار في العام 1998 من فتاة ملتزمة ومتدينة وأنجب منها طفلته التي أسماها "عائدة" في دلالة واضحة على حبه لوطنه.. وحنينه إلى بلاده التي عمل الصهاينة على تهجير سكانها الأصليين منها عند احتلالها، ليؤكد شهيدنا بذلك أنه إن ذهب الآباء فإن الأبناء والأحفاد لن ينسوا أبداً حيفا ويافا وعكا وتل الربيع وأم خالد..
أحد فرسان الحماس
أما انضمامه لحركة المقاومة الإسلامية حماس فكان ذلك على يدي الشهيد القائد صلاح الدين دروزة في بداية الانتفاضة الأولى عام 1987-أي أنه كان من أوائل الذين انضموا إلى هذه الحركة المعطاءة الثابتة كثبات الجبال الرواسي- وشارك شهيدنا في فعاليات الانتفاضة من مظاهرات وعمليات تصعيد وإضراب، حتى أنه تميز بطاقة غير طبيعية في مقارعة الاحتلال الصهيوني..
ولا شك أن من يخوض غمار العزة والمقاومة وهذه الطريق المحفوفة بالأشواك، لا بدّ وأن يُلاحق ويتعرض للإيذاء والاعتقال، وهو ما كان عليه الحال مع الشهيد عمار الذي تعرض للاعتقال في سجون الاحتلال الصهيوني عدة مرات، حيث كانت المرة الأولى على يد قوات صهيونية مستعربة اعتقلته من إحدى المظاهرات خلال الانتفاضة الأولى ومكث في الاعتقال شهرين، ثم جاءت المرة الثانية في العام 1993 وكانت ثلاثة شهور، أما المرة الثالثة والأخيرة فكانت في العام 1996 وقد تم اعتقاله مع الشهيد القائد صلاح الدين دروزة على قضية عسكرية ومكث في سجن مجدو 6 أشهر.
ورغم هذه الاعتقالات وما صاحبها من جولات تحقيق مختلفة، إلا أن شهيدنا صمد أمام المحققين دون أن تلين له قناة، ودون أن تثبت بحقه أي تهمة تدينه رغم انخراطه بقوة في فعاليات الانتفاضة وبالمقاومة، كما أن هذه الاعتقالات لم تثن عمار عن مواصلة الطريق الذي اختاره..طريق الجهاد والمقاومة..طريق العزة والفخار..طريق كنس الاحتلال..طريق الشهادة والجنان.
المرافق الأمين
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة عام 2000 وانتفاض الشعب الفلسطيني بكافة أبنائه لنصرة الأقصى المبارك ورفضاً لمخططات التسوية الفاشلة، انخرط الشهيد عمار في فعالياتها بكل قوة، ونظراً لقوة شكيمته وسرعة بديهته وإخلاصه وتفانيه في خدمة دعوته وقادته، اختارته حركة حماس ليكون حارساً ومرافقاً شخصياً للشهيد القائد صلاح دروزة أثناء عمل الشهيد بفعاليات الانتفاضة والمسيرات.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشهيد عمار تأثر كثيراً لاستشهاد مربيه وأستاذه صلاح الدين دروزة في قصف صهيوني لسيارته عام 2001، كما أن شهيدنا عمار كان كثيراً ما يذكر رفيق دربه وجهاده ومسجده الشهيد مراد صلاح أحد نشطاء حركة حماس والذي استشهد في العام 1993 في مواجهات مع الاحتلال وسط نابلس.
اشتياق للأحبة
ولهذا.. فإن حب الجهاد والشهادة، وحرقته للدفاع عن مدينته، واشتياقه للأحبة..كل ذلك دفع شهيدنا عمار لأن يكون من أول المبادرين للتصدي لقوات الاحتلال الصهيونية التي اجتاحت مدينة نابلس ضمن عملية السور الواقي التي نفذتها في شهر نيسان عام 2002 وطالت جميع مدن الضفة الغربية المحتلة التي خرّجت الاستشهاديين العظام الواحد تلو الآخر ليذيقوا المحتل أصناف العذاب.
وفور إعلان الصهاينة قرارهم باجتياح مدن الضفة الغربية عقب عملية فندق بارك في نتانيا والتي نفذها القسامي عبد الباسط عودة وأسفرت عن مصرع 36 صهيونيا وأكثر من 200 جريح، أخذت فصائل المقاومة بما فيها كتائب الشهيد عز الدين القسام تستعد لمواجهة القوات الصهيونية والتصدي لها بكل الإمكانيات المتوفرة، حيث انضم الشهيد عمار لمجموعات المقاتلين الذين تحصنوا داخل البلدة القديمة استعدادا للمعركة الحاسمة.
وبالفعل استبسل المقاومون وهم يدافعون ويتصدون بأسلحة خفيفة أمام آلة البطش الصهيونية التي أخذت تصب نيران حممها من الدبابات والطائرات، ووقعت مجزرة راح ضحيتها في غضون 3 أيام أكثر من سبعين شهيداً ومئات الجرحى والمعتقلين، أما المقاومين فقد بذلوا أقصى ما يستطيعون في الصمود والتصدي، إلى أن أخذ الحصار يضيق عليهم رويدا رويداً وتحديداً في حي "الياسمينة" الذي تجمعت داخله معظم مجموعات المقاتلين.
موعد مع الشهادة
وبعد فشل الاحتلال باقتحام الحي طوال 5 أيام وتخوفهم من الدخول إله مشاة، بدأ جنود الاحتلال ينادون بالسماعات مطالبين المقاومين تسليم أنفسهم وإلا سيتم قصف المنقطة بطائرات (الاف 16)، إلا أن المقاومين أصروا على المواجهة ورفضوا تسليم أنفسهم مفضلين الموت على الاستسلام، وبالفعل وما هي إلا ساعات قليلة حتى قصفت الطائرات الصهيونية إحدى الصبّانات المحيطة بالحي فدمرتها تدميرا كاملاً، كما قصفت منزل عائلة الشعبي المكونة من 11 فردا حيث قضت العائلة بأكملها، وعندها قرر المقاومون الخروج لتسليم أنفسهم، وذلك بعد نفاذ ذخيرتهم ولتفادي تدمير المنطقة ووقوع مجازر في صفوف السكان المدنيين.
أما شهيدنا عمار فقد صمم ألا يسلم نفسه للاحتلال مهما كلف ذلك من ثمن، إذ كيف به يفعل ذلك وهو الذي ما أتى إلى البلدة القديمة إلا لكي يلقى ربه شهيداً، وقرر الانسحاب من الحي عبر الزقاق الضيقة المنتشرة، حيث خرج من مخبئه وقفز إلى أحد الأسوار، فإذ بقناصة الاحتلال يلاحظونه ويصيبونه بقدميه، لكن شهيدنا المغوار واصل انسحابه رغم إصابته والدماء تنزف من قدميه، فلاحقه جنود الاحتلال بنيران رشاشاتهم الثقيلة إلى أن لقي ربه شهيداً، حيث سمع أهالي الحي صوت عمار وهو ينطق بالشهادتين وكان ذلك بتاريخ 7/4/2002.
وبعد رفع نظام منع التجول الذي فرضته القوات الصهيونية الغازية احتشد الآلاف من أهالي مدينة نابلس لتشييع عشرات الشهداء الذين كان من بينهم الشهيد عمار، حيث ووري الثرى رحمه الله بجوار قبر رفيقه وصديقه الحميم الشهيد مراد صلاح في المقبرة الشرقية للمدينة.