الشهيد القسامي/ فادي زياد المغني
شمعة في الشجاعة و الإقدام
القسام - خاص :
لم ينفرد أهله وأحبته في بكاءه, بل شاركهم في ذلك حبات التراب البنية في حي الزيتون والشجاعية التي وطأها بقدميه وهو يحمل قذائف "الاربجية "في وجه دبابات الاحتلال الصهيونية الغازية.
لم يتصور يوما أن يموت على فراشة كالبعير, فكان إذا ما تصور ذلك صعق وقفز الشرر من عينية النورانيتين, وقال :" ابعد هذا الجهاد سأموت على فراشي كالبعير؟, ابعد تقدمي للصفوف الأولى في الاحتياجات سأموت كمرضى الأورام و الشيخوخة؟, ألا فلا نامت أعين الجبناء, ألا فلا نامت أعين الجبناء..".
صدق الله
الشهيد "فادي زياد محمد المغني" 22 عاما, أحد فرسان كتائب الشهيد عز الدين القسام, وواحد من رجالات الأمة الذين لم يتوانوا لحظة عن نداء الجهاد والاستشهاد, إلى حد تقبل معه الأهل نبا استشهاده بقلب مؤمن محتسب قائلين :" نلت ما تمنيت يا "فادي", صدقت الله فصدقك الله ..".
ولد شهيدنا القسامي عام 1981م في حي الشجاعية بمدينة غزة, ربي على حب الله والجهاد في سبيله منذ نعومة أظفاره, ورضع من ثدي الحركة الإسلامية المقاومة على ارض فلسطين, تلقن دروس المقاومة والذود عن حمى الأمة في مساجد الشجاعية, وارتشف معاني الرحمة والعطف من والديه المؤمنين.
أنهى تعليمه الابتدائي في مدرسة الشجاعية للبنين, والإعدادي في مدرسة "الفرات", والثانوي في مدرسة " جمال عبد الناصر".
المستوى المادي الضعيف لأسرته "الغزية" أثر على شخصية شهيدنا البطل "فادي", حيث عكف على العمل وكسب الرزق منذ شبابه المبكر, و تحمل مسؤولية فاقت عمره الصغير, وصارع أمواج الحياة المتلاطمة بكل إصرار ويقين بتأييد الله جل جلاله.
بوابة الاستشهاد
شكلت انتفاضة الأقصى مدخلا واسعا له و لأمثاله من عشاق الشهادة إلى كتائب "الشهيد عز الدين القسام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس".
و منذ التحاقه في "الكتائب" تميز بأقدامه الفريد, وشجاعته المثالية .. فصدق به لقبه " خطاب" نسبة إلى المجاهد "الشيشاني" خطاب الذي شهد له رفاقه بتقدم الصفوف في المعارك الطاحنة مع "الروس" مذيقا إياهم كأس العذاب والحسرة.
مرافقة شهيدنا " فادي" لرجال القسام وقادته في حي الشجاعية والأحياء المجاورة انعكس على شخصيته الجهادية, فاخذ عنهم الكثير وتلقن على أيدهم دروس مقارعة الاحتلال ومطاردته داخل مغتصباته الجاثمة على ارض قطاع غزة.
ومن المجاهدين الذين رافقهم وتأثر بهم كثيرا الشهيد القسامي محمد فرحات, وشقيقه نضال فرحات, والشهيدين وليد و إيهاب المغني, ومحمد مشتهى وطارق حميد وغيرهم.
خارج حدوده
يؤكد رفاقه في الجهاد لمراسلنا أن الشهيد "فادي" لم يحصر نفسه في حي الشجاعية فقط, بل امتد سلاحه إلى الأحياء المجاورة لحي الشجاعية التي تعرضت لاجتياح من قبل الاحتلال الصهيوني على مدار انتفاضة الأقصى, بل و شارك في مهمات عسكرية في مناطق خارج حدود مدينته, حيث شارك في رصد "جيب" عسكري صهيوني في "دير البلح" وسط قطاع غزة تم تفجيره فيما بعد على أيدي رجال كتائب القسام.
في العمر بقية
أبلى شهيدنا القسامي بلاءً حسنا في معركة حي الزيتون الأخيرة في مايو /أيار الماضي, تمكن خلال المعركة من إعطاب آلية عسكرية صهيونية بصاروخ من نوع "بتار" قسامي الصنع, كما وشهد له رفاقه في هذه المعرجة ببسالته و إقدامه الفريدين, لدرجة توقع الجميع استشهاده وعدم عودته من تلك المعركة, ولكن كان في العمر بقيه.
و أما عن معركة الوداع فكانت في حي الشجاعية ذات الحي الذي ولد فيه وتلقى دروس الجهاد والسلاح على ترابه.
ففي 27/7/2004م حاولت قوات خاصة صهيونية اختراق وحدة من المرابطين تعود لكتائب الشهيد عز الدين القسام كان شهيدنا أحد عناصرها, وما كان من فرقة المرابطين إلا وان كشفت أمرهم واشتبكت معهم لبضع ساعات, كان شهيدنا كعادته يتقدم الصفوف الأولى في القتال, فأبلى بلاءً حسنا حتى لقي ربه شهيدا كما تمنى وكما توقع له رفاقه أحبته.
كل ما فيه مميز
مراسلنا التقى والدة "أبو شادي" 55 عاما على هامش بيت العزاء الذي أقيم بجوار بيته في حي الشجاعية, يقول والده وقد اعتصر قلبه حزنا على فراق فادي:" كل شئ في فادي كان مميزا, سلوكه .. أخلاقه.. كل شئ , لدي ستة من خمسة من الأولاد غيره لا تجد أحدهم يشابهه بشئ لقد كان هدية من الله لي في حياتي ", وتابع الوالد وقد سال دمعه على وجنتيه :" ها هو تعالى يأخذ اجمل ما رزقني في حياتي , أسال الله أن يجمعني به يوم القيامة يوم ..".
وعن عشقه للشهادة يؤكد الوالد أبو شادي أن شهيدنا فادي كان يحدوه الأمل في كل لحظة في حياته أن يرزقه الله الشهادة و ألا يميته على الفراش كالبعير, ويشير أن الشهيد فادي كان يرفض مجرد الحديث في موضوع زواجه, ورده الوحيد على من يطلب منه الزواج :" أتريدون أن أتزوج واحدة من الدنيا, واترك اثنتي وسبعين في الجنة من الحور العين؟!! يا لكن من بخلاء..".
وينوه الوالد الهائم على وجهه تألما لفراق شادي إلى أن فادي لم يترك جنازة شهيد من شهداء الأحياء المجاورة إلا ويشارك فيها بالهتاف والتكبير, بل وكان يقبل على دفن بعض الشهداء بيديه ".
الأكبر قدرا
أما عن شقيقه الأكبر "شادي" 25 عاما فيقول :" كنا نرى في فادي الأخ والصديق والحبيب, هو الملاذ عند الأزمات, صحيح أنني أكبره سنا, إلا انه كان يكبرني قدرا ومكانة وجوهرا".
ويتابع شادي أن الشهيد "فادي" كان مثالا في حب الآخرين والتقرب من العالمين على اختلاف مشاربهم و اطباعهم, كان يحتوي الجميع بسياسته المحنكة, ونظراته الجاذبة, وكلماته الساحرة, فاحب الجميع واحبه الجميع.
و أما عن عبادته وتقربه من الله تعالى فقال شادي :" وفي ذلك حدث ولا حرج فهو ممن يشهد له الجميع بريادة المساجد وأماكن الصلاح والإصلاح منذ طفولته, فضلا عن عبادته البيتية الليلية والناس نيام".
من للحمام بعده
رحل "خطاب الاجتياحات" عن فلسطين ومآذنها ورحلت معه ذكريات البطولة والإقدام, رحل الشهيد القسامي وترك خلفة بصمات لن ينساها أعداءه الصهاينة المتحصنين في دباباتهم, رحل "فادي" الشاب الوديع وفقده الأهل ألاحيه ورفاق الجهاد, لم يفقد "خطاب" بني البشر فحسب بل فقده "الحمام" الذي طالما أطعمه من بيديه وغازلة بعينيه.