الأسير القسامي/ أحمد محمد عبد اللطيف جيوسي
الرجل الكتوم وسط قلاع السجون
القسام - خاص:
وسط عتمة الزنزانة، وتحت وطأة القيود، يخرج صوت الحياة الدافق ليعيد الأمل لرجال ما انفكوا يحملون هم الوطن، ونفوسهم تواقة ليروه حرا ينعم بالأمن، وينعم أبناءه بالحرية والأمان.
أحمد محمد عبد اللطيف جيوسي هذا الرجل الكاتم لسر عظيم، هو سر هذا الوطن وهمه الكبير، عاش كأقرانه في الضيق والاضطهاد والحصار، ولكنه يأبى الاستسلام لظلمة الليل، ويواصل مشواره مكافحاً في حياته ومقاوما لأعدائه.
الميلاد والنشأة
ولد أحمد في أواخر عام 1979م في مدينة طولكرم وترعرع فيها، ومنذ أن أشرقت عليه الحياة تعلق قلبه بالمساجد وتلقى فيه الإيمان وعلوم القران، ولتصقل شخصيته الملتزمة بتعاليم هذا الدين ولترتقي الروح الإيمانية لديه، فكان ملازماً لصلاة الفجر في المسجد وصيام الاثنين والخميس.
وفي لقاء مع الوالدة الصابرة على فراق ولدها في قلاع الأسر تقول أم عبد اللطيف: "إن ابني أحمد كان باراً بوالديه كان صاحب شخصية قوية، كان متسامحاً يصفح عن من خاصمه، أحبه الجميع، وكان كتوماً ومكافحاً في هذه الحياة".
وتضيف أم العبد: "التحق أحمد بالمدرسة الصناعية الثانوية بعد إتمام المرحلة الأساسية في تخصص فني الكهرباء وباشر احمد بالعمل في مشغل للخياطة، وفني في أحد المصانع ولم يكمل تعليمه حتى يساعد أهله في مصاعب الحياة الجمة وتكاليفها الباهظة، ونجح في عمله كثيراً بعد كفاح وجهد كبير، ويسر الله له خطبة إحدى فتيات المدينة، وأصر أن يتم تكاليف زفافه من عمله وتعبه ورفض أي مساعدة من أهله وهكذا هو دائماً".
صاحب الخلق الرفيع
وعن سلوك أحمد وأخلاقه تؤكد الوالدة الصابرة المجاهدة أن ابنها كان حنانياً عليّ وعلى والده وإخوته بشكل مثالي وهي لا تبالغ في كلامها عنه لأنها والدته، لأن حقه علينا وهو يستحق أكثر من ذلك".
وتواصل الأم والدموع تردف من عيونها شوقا له وألما عليه، "كان أحمد دائم الشفقة على الفقراء والمساكين، وكان حريصاً على أن لا يعلم أحد بما يفعل حتى أهله تواضعاً لله تعالى، ولينال الثواب العظيم، كان دائم قيام الليل رغم تعبه في عمله وكان يحسن التعامل مع الآخرين ويكره المغيبة والنميمة وأكل لحوم الناس والخوض بإعراضهم".
ترك عروسه من أجل الجهاد
حياة المجاهد أحمد لم تكن كحياة أقرانه من الشباب، فقد كانت مليئة بالغموض، وكان كتوماً جداً في مقاومة الاحتلال، حتى عن أهله الذين تفاجؤوا عندما علموا أن أحمد هو أحد أفراد كتائب القسام، فلا شيء يدل على ذلك، فكان يجهز لعرسه وفي الوقت نفس يشارك إخوانه في مقارعة العدو الصهيوني ليرسم لهم الطريق لينال الوطن حريته.
تقول الوالدة وهي تتذكر يوم اعتقاله - ذلك اليوم المشئوم-، كما وصفته أم عبد اللطيف يوم السابع من آذار 2002م، حيث خرج أحمد كعادته من المنزل للعمل، وكان قد تبقى على موعد زفافه أسبوعاً واحداً، وقد أتم معظم مستلزمات المنزل، وفي ذلك اليوم كانت المفاجئة والصدمة لنا عندما ذهب إلى مخيم طولكرم، حيث كانت فتره من الاجتياحات تقوم بها قوات العدو الصهيوني للمخيم، فاختطفته قوة صهيونية خاصة ولم يعلم أحد حتى الآن كيف تم ذلك.
وتصف الأم تلك اللحظات "تأخر أحمد كثيراً عن المنزل، وانتظرناه ساعات كثيرة وأبلغنا الشرطة والمستشفيات والارتباط المدني وأصدقائه ولكن الجميع لا يعرفون عنه شيئا، إلى أن نشرت الإذاعة الصهيونية خبراً بعد أسبوع بأن الاحتلال ألقى القبض على ناشط كبير من كتائب الشهيد عز الدين القسام في مدينة طولكرم يدعى أحمد جيوسي ومسؤول عن العديد من العمليات الاستشهادية.
حكم قاسي
ليخوض بعدها ثلاثة شهور من التحقيق القاسي في مركز تحقيق الجلمة لانتزاع اعتراف منه، ولكنه تحت الضغط الكبير اضطر للاعتراف على نفسه فقط، وبعد التحقيق المر قدم للمحاكمة، وتلا وكيل النيابة الصهيوني في محكمة سالم التهم عليه بأنه يقف وراء مقتل 35 صهيونيا وإصابة المئات في عمليتي الشهيد محمود مرمش في نتانيا، والتي أسفرت عن مقتل خمسة صهاينة، وعملية الشهيد عبد الباسط عوده في فندق بارك، والتي أسفرت عن مقتل ثلاثين صهيونيا وإصابة المئات، وكذلك وصفه بأنه المساعد الأيمن لكل من الأسير القائد عباس السيد والشهيد فواز بدران الناشط في كتائب القسام.
ليتنقل بعدها في سجون الاحتلال من هداريم إلى عسقلان إلى الرملة وغيرها، وقدم أحمد للمحاكمة العسكرية في محكمة سالم ليحكم عليه بالسجن 35 مؤبداً، ليبتسم أحمد مكبراً حامداً الله تعالى، ووصل به المقام إلى سجن هداريم، وهو مصراً على الصمود، متحدياً جلاديه، كما تصفه والدته، فهو يلهمها الصبر والأمل، وتتمنى لقياه وتحريره من الأسر على أيدي المجاهدين.