النمروطي

ياسر النمروطي هو رجل القرآن الذي إمتلأ صدره بآياته، رجل القوة الذي ربى بدنه على الرياضة، رجل المساجد، والعمليات البطولية التي يشهد بها العدو، حتى أن قادة العدو قالوا:"إنا لنحترم هذا الرجل على ما فعله بنا".
رجل متميز، إنه من مدرسة القسام، ومن مدرسة الإخوان المسلمين، تربى على أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم، تعلم القران وتمثله حياة، بطلٌ وقف ليدافع عن وطنه وعن عقيدته، بطلٌ يأبى إلا أن يموت في سبيل الله، دون أن يسلم نفسه أو سلاحه أبدا.

القائد المُضحي

كان الشهيد القائد ياسر النمروطي المُكنى بـ”أبي معاذ” من أولئك القلائل الذين إرتفعت بهم راية الجهاد على أرض فلسطين، ومن أحد الفرسان العظماء الذين إمتطوا صهوة خيل المقاومة ورجال الرعيل الأول لكتائب القسام، فهو القائد المُضحي، والبطل الذي وهبَ حياته من أجل كرامة شعبه وأمته.
 أخذ على عاتقه تنظيم الجناح العسكري لحركة "حماس" وبناءه ليكون قادراً على مواجهة العدو، متحملاً في سبيل ذلك كل الصعاب، ومستعداً في الوقت ذاته بالتضحية ليظفر بشرف الشهادة في سبيل الله تلك الأمنية التي طالما عبر عن عشقه لها في خطاباته التي ورثها لنا.

 في ظلال المساجد

“أبو معاذ” الذي ولد قبيل النكسة بثلاثة أعوام في مخيم خانيونس للاجئين، كان شاهداً على إجرام المحتلين وسياساتهم تجاه شعبنا، الأمر الذي جعله يتوق إلى ذلك اليوم الذي يشتد فيه عوده ليصبح قادراً على حمل السلاح، ويحارب العدو الذي هجر أجداده عام النكبة، ونكّل بهم بعد النكسة.
وكعادة الأبطال الذين مروا على فلسطين واحتفت بهم الملائكة في عليين، فقد بدأت علاقة أبي معاذ بالمسجد منذ صغره، فهو من كان يذهب لأداء الصلوات الخمس جماعة وخاصة صلاة الفجر في مسجد الإمام الشافعي بخانيونس حيث بدأت مسيرة العمل الدعوي، كما شارك إخوانه في جميع أنشطة المسجد الدعوية والأعمال التطوعية وكذلك الأنشطة الرياضية والثقافية  ومسابقات حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية .
ثم مضى في معاهد التعليم المهني ينشر رسالة حركة حماس وينظر لها .

محرك الإنتفاضة

لم يلبث كثيراً القائد أبو معاذ في عمله الدعوي حتى إنخرط في العمل الأمني لحماس مع بداية تأسيس الجهاز الأمني لها “ مجد” قبيل الإنتفاضة، فكان أحب الأيام إليه ذاك اليوم الذي كلفه فيه المجاهد يحيى السنوار مؤسس منظمة الجهاد والدعوة (مجد) بتشكيل خلية أمنية في معسكر خان يونس لتؤدي واجبها في ملاحقة العملاء ، وقد أُختير للعمل في مهمات خاصة ضد العملاء وضد العدو.
تعرض أكثر من مرة للإعتقال، لكنه وفي كل مرة كان يخرج أشد وأصلب عوداً وأكثر إصراراً على التحدي والمواجهة، وقد صقلت التجربة الأمنية شخصيته وجعلته قادراً على حمل مسؤولية القيادة والقيام بأعبائها.
ومع إندلاع الإنتفاضة عام 1987م التي أشرق معها ظهور إسم حركة (حماس) برز إسم ياسر النمروطي كأحد قادة العمل الميداني في بداياتها، فقد كان ينظم المظاهرات والمسيرات ويقود الشباب لإلقاء الحجارة والعبوات الحارقة على دوريات العدو وتنظيم الإضرابات.

مدرسة الفنون القتالية

حلّق الشهيد أبو معاذ كنسر بجناحَيْن أحدهما العقيدة والآخر الحرية يطوف على أجهزة حركة حماس المتعددة، فعمل في الجهاز الدعوي، والطلابي، والأمني، وآخرها الجناح العسكري الذي كان يعتبره أرقى درجات العمل في الحركة الإسلامية.
بنا  نظريته في العمل العسكري على مسلمات إستقاها من الآية القرآنية “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” ومن أهمها الإهتمام بإعداد الجندي المسلم من الناحية التربوية الإيمانية والبدنية، ووجد في المساجد الأرض التي تنبت الشباب المتسلح بالعقيدة القوية .
 ولغرض الإعداد البدني أسس ما يشبه المدرسة لتعليم فنون القتال وألعاب القوى، إيماناً منه بأن قوة العقيدة وإلى جانبها قوة الساعد والسلاح، هما المنطلق الحقيقي لبناء الجيل القادر على طرد الإحتلال .

رجل الخفاء

عرف عن القائد حسه الأمني العالي، فقد كان من أوائل الذين إنضموا إلى العمل العسكري لحماس عام 1989م، وقد شارك في عملية تجنيد المجاهدين، وتوفير الدعم اللوجستي لهم، وكان له دورٌ في محاربة العملاء، ورصد الأهداف، وحماية المطاردين، وببراعته الأمنية ظل بعيداً عن أعين الإحتلال، إلى أن تم إعتقال أحد المجاهدين، الذي إعترف تحت قسوة التحقيق على أن الشهيد هو من قدم خدمات الدعم للمطاردين وأنه يقود إحدى المجموعات العسكرية.
شعرت أجهزة العدو حينئذ بالخيبة، لأن القائد أبو معاذ نجح في خداعهم عندما كان معتقلاً لديهم بأن لا علاقة له بالعمل العسكري، وعلى الفور باشرت قوات العدو ومخابراته بالبحث عنه، وسلمت عائلته تبليغاً تطلب فيه تسليم نفسه.
وما إن بلغه رحمه الله الخبر، حتى قرر عدم تسليم نفسه وقال عبارته: “لن أسلم نفسي للمحتلين، وسأموت ألف مرة قبل أن ينالوا مني”.
لقد فضل ياسر النمروطي السبيل الأصعب بكل مشاقه وتبعاته على دخول السجن، ومنذ تاريخ السابع من يناير عام 1992م أصبح مطلوبا لقوات العدو ليعيش مطاردا داخل وطنه.

 القائد العام للقسام

تابع أبو معاذ مع بداية مرحلة المطاردة عمل مجموعة القسام في خانيونس متحدياً ملاحقة العدو له، إلى أن جاء يوم 17/1/1992م حيث كلف بمسئولية قيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، ليبدأ عملا من نوع آخر، وليتطور الفكر المجاهد.
وبعدما كان أبو معاذ مجاهدا في الميدان، أصبح يوجه المجاهدين ويخطط لهم العمليات النوعية التي هزت كيان المحتل، وحطمت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، وكان الفضل لله ثم لشهيدنا أبو معاذ رحمه الله في توفير الإمكانات اللازمة للمجاهدين.
كان رحمه الله يشرف شخصيا على عمليات شراء الأسلحة، وإعداد مواقع الاختفاء، وعلى الرغم من صعوبة المطاردة مع المحتل إلا أن أبا معاذ كان يجتمع بأفراد الخلايا المجاهدة ويناقش معهم خطط العمل العسكري ليضمن التنفيذ المبدع والمبتكر.

النمروطي والقائد محمد الضيف

بدأ أبو معاذ بحنكة ودقة بتوسيع دائرة العمل العسكري، فضم مجاهدين جدد إلى مجموعات الكتائب، كما حرص على دعم الجهاز العسكري بالكفاءات التنظيمية، وعمل مع رفيق دربه القائد محمد الضيف، بعدما أفرج عنه عقب إعتقاله على خلفية عمله في مجاهدي فلسطين الجناح العسكري لإخوان فلسطين في حينه، على تنظيم عمل الجناح العسكري ليواصل مشواره الجهادي ويبقى إلى يومنا هذا قائداً عاما لكتائب القسام.
لم يكن يعرف أبو معاذ منذ أن تولى مسئولية الجهاز سوى العمل بأقصى قدر من التفاني والإخلاص والشجاعة من أجل قضية شعبه وأمته، فمن اللحظة الأولى لتوليه قيادة الكتائب المظفرة بادر بالعمل على التخطيط للكثير من العمليات الهجومية النوعية ضد العدو الصهيوني .
ورغم أنه هجر بيته وأهله إلا أنه كان القائد الصابر المحتسب الذي لم تلن عزيمته، فقد أعد خطة الهجوم على موقع الشرطة الصهيونية في غزة، كما خطط لعملية مصنع كارلو قرب ناحل عوز والتي قتل فيها جنديان صهيونيان، وهو من خطط أيضا لعملية قتل المغتصب كوهين قرب بيت لاهيا.
يُحسب للقائد النمروطي أنه أول من نظم صفوف مجموعات كتائب القسام الممتدة على طول محافظات القطاع، حيث كانت المجموعات العسكرية تتواصل مع أكثر من خط إتصال عن طريق “النقطة الميتة”، فبعد توليه المنصب كوّن جسماً قيادياً للإشراف على العمل العسكري فأصبح هناك قيادة معروفة حتى وإن كانت مطاردة تعمل في ظروف أمنية معقدة.

تأسيس المدرسة الإعلامية

ويُعد الشهيد أبو معاذ أول قادة القسام الذين اهتموا بالجانب الإعلامي فخرج في خطاب تعبوي يشحذ فيه همم أبناء شعبه وخاصةً الشباب، كما أسس لمدرسة الإعلام القسامية من خلال لباسه الكوفية التي لبسها من بعده القائد عماد عقل، والقائد العام محمد الضيف، وحتى يومنا هذا أصبح يرتديها الناطق العسكري في كل خطاب أو مؤتمر يظهر به لينقل رسالة كتائب القسام للرأي العام.
كما وضع الأسس لخصائص المادة الإعلامية القسامية والتي من أبرزها دقة المعلومة، ومراعاة الجانب الأمني، وإرجاع الفضل لله في أي نجاح يتحقق أثناء العمليات، وتعزيز ثقة الأمة والشعب بخيار المقاومة كسبيل وحيد لتحرير الأرض.

وهبت نسائم الجنة

بقي أبو معاذ مطارداً للعدو، وقائدا لكتائب القسام حتى استشهاده في الخامس عشر من يوليو 1992م، في تلك الليلة التي تقدمت فيها قوة كبيرة من جنود العدو لمجابهة ذلك القائد الذي لا يحمل سوى إيمان عميق بربه ثم بقضيته وقدر يسير من العدة والعتاد.
وقتها فرض جنود العدو حصاراً شاملاً على حي الزيتون بأكمله، ثم قاموا بتجميع الرجال والنساء في ساحات المدارس في الحي وبدأوا بعملية تفتيش دقيق للمنازل باحثين عن القائد الذي دب الرعب في قلوبهم.
انتبه القائد أبو معاذ لما يجري حوله، فتخندق في موقعه وامتشق سلاحه بيمينه وحمل مصحفه بقلبه وجلس ينتظر اللحظة الحاسمة التي سيفاجئ بها المحتل، وعندما فشلت استخبارات العدو في الوصول إليه وأدرك المحتل أن هزيمة جديدة ستلحق بصفوفه، عندها لجأ إلى استخدام مكبرات الصوت عله يوهن من عزيمته فيدفعه لتسليم نفسه، لكن النفس الحرة الطاهرة لا ترتضي إلا أن تكون في  جوار رب الأرباب الذي هو خير وأكرم من أي جوار.
إنتهى المحتل من عملية التفتيش وهم بالانسحاب وهو يجر أذيال الخيبة، لكن القائد الكامن في عرينه أبا معاذ خرج من مكمنه وتعرض لقوات الاحتلال واشتبك معهم بمسدسه من نقطة صفر، حتى استشهد وفاضت الروح إلى الرفيق الأعلى لتلتقي بأرواح من سبقوه في عليين.
لم يكتف العدو بقتل المجاهد أبي معاذ بل نكلوا بجثمانه الطاهر من خلال إفراغ مئات الرصاصات في جسده ومن ثم احتجاز جثمانه لمدة تزيد عن سبعة أيام، ثم قاموا بتسليم جثمانه لأهله وذويه الذين قاموا بمواراته الثرى.
وهكذا رحل أبو معاذ العابد الزاهد الحافظ لكتاب الله، الدائم الترديد لآياته، وما زالت سيرته العظيمة تشد من عضد المجاهدين، وتنير الطريق لآلاف المجاهدين الذين مضوا في أثره وساروا على دربه، فإلى اللقاء في جنات النعيم .

  • العنـوان : كلمة القائد العام الأول / ياسر النمروطي
  • التـاريـخ : 2018-01-08
تحميل

من قال أوراق الشهادة ...قد طوتها الريح في زمن الخراب ؟ من قال ان حكاية الشهداء قد صدئت وواراها التراب ؟ من قال إن أشرعة البطولة قد طواها الموج في بحر الغياب ؟ من قال إن جحافل القسام قد فقدن صهيل خيولها في يوم (يعبد ) عندما نعق الغراب ؟ من أين يأتي هؤلاء إذن ... ومن أي المآذن يطلعون؟ فتحتفي بنشيدهم هذه الهضاب... ومع اشتعال دمائهم لا بد ينقشع الضباب ....

جبل شامخ في الافاق

جبل شامخ في الأفاق ... لا يمكنه إن يتوقف عن مد يديه للشمس نحو النجوم الساطعة في السماء ... تتلألأ النجوم وتزداد سطوعا ولمعانا من شعاعه الذي يمنحه للآخرين في صمت .... فهو صخرة الأقدار التي تتحطم عليه صرخات الأحزان ... وزند قوي أشع من وسط الظلام ليبدد عتمة الليل ... ويجلي الصبح بالنهار انه الشهيد ياسر احمد يوسف النمروطي (أبو معاذ) .

في عرس شهادته

في ذكرى رحيلك ا ... صورتك انتشرت على ثياب التلاميذ... واحلامك تتجسد في صباهم ... وتقاطيع وجهك تلازمهم في احلامهم ... ومقاطع شعرية يكتبونها لاجلك في كراريسهم المدرسية ... وريح روحك ترفرف على المكان وتزيح عنهم الظلام وتذر الرماد على العتبات.... اصطف أبو معاذ حذو الظل ... واشتم السكون ... ووهج عن ومض انحدر في خلاء الكون ... ورفرف في السماء ... وهيأ نفسه للافق ... وامتزج بدمائه ... فكان امتدادا للفضاء ... ونسج فينا ذاكرة وحلم.
وكان على موعد مع الشهادة حين تقدمت قوات عسكرية بأعداد هائلة في مساء الثلاثاء 14/07/1992م ... وحاصرت المكان الموجود فيه وهو المنطقة الجنوبية من حي الزيتون ... واستمرت حملة تفتيش واسعة النطاق حتى قرب ظهيرة اليوم التالي 15/07/1992م ... حتى خرج أبو معاذ من موقعه وهو يحمل مسدسه الشخصي أطلق منه رصاصات على قوات الاحتلال ... وحاول القفز بين المنازل حيث كسرت ( الزاوية ) التي كان يستند عليها فأطلق الجنود أكثر من ثلاثمائة رصاصة على جسده الطاهر ليرتقي الى الله شهيدا ويجمع في راحتيه وميض النجوم وتتذكره ضوء المصابيح في طرقات المخيم وينفث اريجه عبر النوافذ منتثرا وازقة المخيم ملء خطاه وبشموخ ابو معاذ كون بعض ملامح المخيم والتي لن تغيب ملامحه عنا ابدا .

رمحا مشرعا في وجه الاعداء

يا رمحا مشرعا خلف الأسوار ... يا شجرة من نار تكوى الأعداء ... لم يتجرأ الجنود المدججون بأسلحتهم ان يتقدموا صوب جسدك المسجى .... ليتم نقله وسط إجراءاتهم في البحث داخل الجسد حول أي أثر لمعنى المقاومة والصمود ... وتعلن الإذاعة الصهيونية نبأ استشهاد ياسر النمروطي أخطر المطاردين في قطاع غزة .... وأعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن يوم 15/07/1992م إضراباً شاملاً حداداً على روح الشهيد الرقيب ياسر النمروطي قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام في قطاع غزة .... ولمع ضياء ابو معاذ على الشجر المتكاثف جنب الطرقات .... وظهر لمعانه في السكون على عتبات البيوت ... واعمدة النور عندما امتزج البياض بحمرة الشفق ... ونقش اسمه على قلوبنا ... ونما فيها حين انشق عن صمت الوجود ...

محطات المقاومة والصمود

خطط ابو معاذ... وتأمل نحر الأعداء بصخر الشطان... وقوى الأفق المفتوح على الظلمة ... وجبال الطور المجدولة في سدف الليل... وتلال غزة التي صادرها المحتل .. وقرر ان يكون شوكة في حلق المحتل ..... وبدا خطواته الاولى .... ففي شهر مايو 1989م كانت أجهزه المخابرات الصهيونية في القطاع عزة توجه ضربة شاملة (لحركة المقاومة الإسلامية _حماس )اثر قيامها باختطاف جنديين من قلب الكيان الصهيوني .... وطالت هذه الهجمة قيادات الحركة... وأجهزتها المختلفة .... وكان ابو معاذ أحد أولئك الأبرار الذين طالهم الاعتقال بتهمة ترؤس خلية من المجاهدين الفلسطينيين في منطقة خان يونس ... وقد حكم على أبو معاذ حينها بالسجن عامين .... وغرامة مالية قدرها (7000 شيكل ) .... وقد قضاها في سراديب التحقيق في سجن غزة المركزي ... وفي معتقل النقب الصحراوي بين آيات الله عز وجل حافظا وتاليا ...

ميلاد النور

لك المعاطر التي توقدت في التراب.... يا اول المجد ... فلقد كانت اللحظات القليلة التي يخلو فيها أبو معاذ بنفسه تذهب به الذاكرة إلى الأيام الخوالي من حياته الحافلة حيث الطفولة وبراءتها... فقد حاز بذلك إضافة إلى جماله الرائق محبة والديه خاصة انه قدم إلى الدنيا بعد وفاة شقيقه تيسير الذي يكبره مباشرة... مما دفع والدته إلى ضمه إلى حضنها تحدثه قصص بطولات الفرسان .... وأحاديث بلدته وسقط رأسه والده (ياسر) والحياة الجميلة فيها وقصة الهجرة الكبيرة وأماني العودة الملازمة للعائلة المتواضعة وكل أبناء فلسطين.... وتذكر له بشيء من السعادة يوم ولادته (السابع والعشرين من شهر سبتمبر من عام 1964 م حيث كان قطاع غزة تحت الاحتلال المصري ... وان قدومها فتح قلبها مجددًا إلى الدنيا رغم إن الله رزقها قبله بذرية كثيرة....

حياة خلاصة

يا من تخيرت بعض امتداد الفضاء .... وكونت أفقا ... وشكلت التماعا للنجوم باخرة الليل .... ورسمت وجهك على تلال خان يونس ... حيث تواصل البراءة واللعب مع رفقاء الطفولة ، وصيد العصافير ، والرحلات الدائمة إلى شاطئ بحر خان يونس .... حيث يمكث ساعات بين مياه البحر وأمواجه ورماله دون كلل أو ملل …. وأيام الدراسة ، تحت سقف مدارس خان يونس للاجئين ، وما بها من متعة وبراءة …… ومن تفوق وذكاء ، (حيث كان ياسر من المتفوقين بين أقرانه ) ، والتزم صغيراً في مسجد الشافعي ) حيث شعر ومنذ نعومة أظفاره بمعنى الولاء.... وحقيقة الانتماء ... ونهل من نبع الإسلام الصافي ما شاء الله ... وكان أحب أيامه يوم ينطلق مع إخوانه إلى الخلاء يلعبون ويتسامرون ... وفي هذا الموقع تعلم الشدة والبأس على كل ما يخلف منهج الله تعالى .... وباشر في بناء جسده العملاق حيث مارس بشكل متواصل ألعاب القوى وفن الكاراتيه ... وكان من الأوائل الذين حصلوا على الحزام الأسود.... وكانت نعمة الله عليه عظيمة بجسد قوي على البلاء صابراً... وبالتأكيد كان التزاوج بين الإيمان النقي والجسد القوي مصدر إرهاب متواصل لأعداء الله ...

التزام وتدين

بصرخات من عمق الصدر وتجمع ملء يديه صراخ تخرجه من باطنها الأرض .... فأبصر نجمة داود على الخوذات ... ورفض الذل ... والتحق ( بجماعة الإخوان المسلمين ) ونما وصفا ذهنه وفق الإسلام ومنهجه ، ومنح بيعة عالية لله تعالى ، ثم تعود به الذاكرة حيث ( الجامعة الإسلامية) في غزة وأيام العمل الجميلة فيها، حيث الحراسة الدائمة لهذا الصرح من أي عبث كانت إحدى مهام ياسر الذي يملك كل المؤهلات البدنية والنفسية لهذا العمل ..
وبدأ يفكر الشاب الناضج في الاستقرار الأسري بعد اكتمال شخصيته والاعتماد المطلق على نفسه، تزوج ياسر ورزقه الله بمعاذ قرة عين له ولزوجه..

عرف الطريق

صوب رصاصك ... ان الرصاص خلاصك .... ضمد جراحك ... واشهر صباحك .... وارفع على زحفهم سلاحك .... وكان أحب الأيام إليه ذاك اليوم الذي تقدم فيه المجاهد ( يحي السنوار ) مؤسس منظمة الجهاد والدعوة ( مجد ) ( جهاز الأمن ) التابع لحركة حماس كي يشكل خلية جهادية في مدينة ( خان يونس ) تؤدي واجبها في مواجهة الخارجين عن إطار الدين والوطن .. وتحركت الخلية قبل ومع بداية الانتفاضة ضد أهداف تشكل خطراً على مجتمعنا وقضيتنا ، حيث شكلت هذه الأهداف مراكز لإسقاط أبناء شعبنا في براثن المخابرات.
انتبه أبو معاذ الراقد في خيمته على أثر سقوط مسبحته من يده، هذه المسبحة الغالية التي صنعها بيده من نوى حبات زيتون بلادنا كي يبقى من خلالها على اتصال دائم مع الله تعالى في هذه الخلوة الدائمة التي أراد منها العدو كيداً ( لياسر) وإخوانه ، فإذا هي نعمة عظمية يشعر فيها بمدى قربه من الله تعالى.

ترسخت المفاهيم

ولما كان ياسر بين أحضان إخوانه رفقاء المحنة والصبر يودعهم في اليوم العشرين من شهر مايو 1991م، بعد قضاء محكوميته كاملة .. كأنه في بريق أعينهم يلمح مضاء العزيمة فوق أكتافهم شارة النصر ، وفي حنايا قلوبهم التي لامست قلبه دفء العطاء والنصيحة ، فخرج ياسر وهو يعرف الطريق جيداً ... وقد ثبتت به خطاء بشكل كبير ... وترسخت لديه القناعات ( أن الجهاد هو السبيل ) ... وبدأ بريق الإصرار والمضاء أكثر لمعاناً في عيني ياسر المقدام كي يمضي في هذا الطريق الشائك ... والتطور النوعي في شخصية ( أبي معاذ ) بعد خوض هذه المدرسة المتكاملة وحفظ كتاب الله تعالى ونيته الصادقة على مواصلة الطريق كان كفيلاً بأن يصبح أحد الرقباء لحركة الإخوان المسلمين في مدينة خان يونس.ما كاد ( أبو معاذ ) يحط الرحال بعد هذا السفر الطويل في بحر الغربة عن الأهل والزوج والولد ، وذلك استجابة للهيب المستعر في قلبه الذي يدفعه للعمل والعطاء حتى بادر إلى تشكيل خلية عسكرة من خلايا كتائب الشهيد عز الدين القسام في منطقة خان يونس وقف على رأسها.

قائدا قساميا

ولما يبدأ العمل العسكري ، كان قد خطط لذلك حتى اعتقلت مجموعة قسامية في شهر ديسمبر 1991م ، وأثر ذلك في السابع من يناير من العام التالي داهمت قوات عسكرية معززة منزل ياسر فما كان من المجاهد إلا اتخاذ قراره الحاسم وإعلان التحدي الصعب بقوله الصارم " لن أسلم نفسي لليهود وسأموت ألف مرة قبل أن ينالوا مني " ليصبح بعدها ( أبو معاذ ) مطارداً لقوات الاحتلال والمغتصبين في كافة الخنادق الأمامية للمواجهة وليستعر لهيب المعركة بشكل أكثر بروزاً في كافة أرجاء القطاع الصامد، وليكون أبو معاذ من أولئك النفر الأوائل القلائل الذين بهم ارتفعت راية الجهاد وأصبح اسم القسام رمزاً أصيلاً لكل جهاد صادق وتضحية كاملة ..

حياة المطاردة

كان رجل الساعة يفهم دوره جيداً وينفذ المطلوب منه بشكل كامل ، فانطلق منذ اللحظة الأولى للمطاردة في مدينة غزة وأحيائها ( والتي لم يغادرها مطلقاً حتى استشهاده ) يرفع بنيان القسام ويثبت أركانه في الأرض ليصبح كالشم الرواسي، حيث تولى ( أبو معاذ ) قيادة ( كتائب الشهيد عز الدين القسام ) في قطاع غزة .. وهذه المهمة الثقيلة لم يكن ياسر ليضن بها أو يتقاعس في آداءها رغم المشقة البالغة التعقيد .. حتى لم يتوقف المطارد البطل عن العمل من أجل توفير الإمكانات اللازمة للمجاهدين ، حيث قام بشراء السلاح وإعداد مواقع الاختفاء ، وبدأ يوسع قاعدة العمل العسكري، فانضم إلى القافلة مجاهدون جدد وغدت الخلايا القسامية في شتى المواقع .. وبدأت موجة من الهجمات التي شارك بفاعلية التخطيط لها أمير الكتائب ( أبو معاذ ) ومنها الهجوم على مركز الشرطة في غزة ، وعملية ( مصنع كارلو ) قرب ناحل العوز حيث قتل يهوديان ، وعملية قتل المغتصب ( كوهين ) قرب بيت لاهيا.

اخلاص وتفاني

وكان الإصرار والتفاني والإخلاص معلماً بارزاً في شخصية القائد ( أبي معاذ ) حيث تراه في كافة المواقع رجلاً إيمانياً معطاءاً لا يبخل على دينه وحركته بالجهد والوقت والمال والدم القاني الذي روى التراب الطهور الذي عشقه ياسر ، كان أكبر شاهداً على هذه الحقيقة الناصعة وفي كل هذه الأوقات الصعبة والتحدي العنيف كان دوماً يردد " راية الجهاد ارتفعت ولن تخفض بإذن الله تعالى وسنظل نضرب اليهود في كل مكان ما دام فينا عرق ينبض .. ؟

الشهادة عنوان

ولم يكن ياسر التواق يضع نصب عينيه سوى نهاية واحدة ( الشهادة ، الجنان ) فكان يرفض الخروج من الأرض المقدسة كما يرفض تسليم نفسه لأيدي السجان القاهر، فكان يسعى للشهادة بكل قوة وعنفوان وينتظرها كأمنية غالية طالما رسخت في عقله الباطن أن الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، لذلك لم يذخر أبو معاذ جهداً لتحقيق هذه الأمنية، لذلك كان دعاؤه الدائم " اللهم ارزقنا الشهادة مقبلين غير مدبرين ".

لن ننساك

وما كان لكتائب الرحمن من جند الحماس والقسام أن تنسى أحد أبرز خريجي مدرسة الجهاد والاستشهاد.... حيث حضرت في اليوم الثالث للعزاء خلية قسامية مسلحة ....أطلقت الرصاص في الهواء تحية لقائدهم القسامي .... وهم يرفعون ولده معاذ فوق أكتافهم .... وفي حفل تأبين الشهيد الرقيب المهيب اثنى الجميع على أبي معاذ القائد الجندي ، وقال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ( نودع اليوم بطلاً لم أشهد له مثيلاً في هذا الزمان ) ، ففعلا هذا زمان الرجال يا ابا معاذ .... هذا الزمان التي تتهاوى فيه هامات الرجال .... وانت مع الفجر تمضي ... مضيت وتركتنا خلفك نلعق جراح الغربة... يا من تعاهدت على الشهادة ... وانطلقت بسورة العصر .... لن تنساك الجدران التي بحناء الحماس خضبتها .... ولا الاعلام التي بلا اله الا الله وشحتها .... ولن تنساك صلاة الفجر يا خير من ارتادها .... ستبقى الجندي الذي مضى على العهد حتى قضى .... هنيئا يا ابا معاذ اللقاء بالاحباب في السماء .... وستظل في القلب مع العماد وابو الهنود والعياش والباقين نجما فوق الجبين ....

  • العنـوان : القائد القسامي / ياسر النمروطي
  • التـاريـخ : 2018-07-14
تحميل
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2019