مع حلول ذكرى عمليات "الثأر المقدس" التي جاءت ردا على اغتيال الكيان لقائد كتائب الشهيد عز الدين القسام المهندس يحيى عياش في 5-1-1996، تعود الذاكرة بالكثيرين لتلك الأيام المباركة. حينما أذاقت الأيادي المتوضئة الاحتلال الويلات، وجعلته يسبح في بحر من دماء جنوده ومغتصبيه، كما دفعته للتفكير ألف مرة قبل الإقدام على خطوات مشابهة.
ففي مثل هذه الأيام كانت مدينتي القدس وعسقلان المحتلة على موعد مع عمليتين استشهاديتين هزت أركان الكيان الصهيوني وأحالت شوارعه إلى رعب وخوف، أوقعت عشرات القتلى والجرحى ، وجاءت ضمن عمليات الثأر المقدس لاغتيال المهندس يحيى عياش 1و2 .
فكان شهر فبراير من عام 1996 الشرارة حينما فجر الاستشهادي القسامي الأول مجدي أبو وردة جسده الطاهر داخل حافلة صهيونية بالقدس المحتلة ،وبعد 30 دقيقة فجر الاستشهادي القسامي الثاني إبراهيم السراحنة جسده الطاهر عند مفترق الطرق في مدينة عسقلان المحتلة فقتلا أكثر من 28 صهيونياً وأصابا أكثر من 80 آخرين بينهم الكثير من الحالات الخطيرة .

عملية القدس

و بتاريخ 25/2/1996م وضمن (عمليات الثأر المقدس لاغتيال المهندس يحيى عياش-1) فجَّر الاستشهادي القسامي مجدي محمد محمود أبو وردة (19) عاماً من مخيم الفوار بمدينة الخليل نفسه داخل حافلة صهيونية تابعة لشركة "ايجد" تعمل على خط رقم (18) المؤدي لمقر القيادة العامة لكل من الشرطة الصهيونية وجهاز المخابرات العامة (الشاباك) داخل الأراضي المحتلة عام 1948م.
وقد أدت العملية حسب اعترافات العدو عن مقتل (24) صهيونياً بينهم (13) جندياً وعدداً من ضباط وكوادر الشاباك الذين كانوا في طريقهم إلى مقر عملهم بالإضافة إلى إصابة أكثر من (50) صهيونياً بجروح وحروق مختلفة وإعاقات دائمة .
وقال العدو الصهيوني حينها أن من بين المصابين ثلاثة من مواطني الولايات المتحدة, وجميعهم لقوا حتفهم لاحقا متأثرين بجراحهم.

عملية عسقلان

وفي نفس اليوم الذي وقعت فيه عملية الاستشهادي القسامي أبو وردة وبعد 30 دقيقة فجر الاستشهادي القسامي إبراهيم أحمد حسن السراحنة (25) عاماً من مخيم الفوار بمدينة الخليل جسده الطاهر في حافلة صهيونية عند مفترق الطرق في مدينة عسقلان المحتلة .
وقالت إذاعة العدو الصهيوني أن الاستشهادي صعد إلى الحافلة في عسقلان متنكرا بزي الجيش الصهيوني فقتل ثلاثة جنود من وأصاب أكثر من 30 آخرين حسب اعترافات العدو .
وقد جاءت عملية الاستشهادي السراحنة (ضمن عمليات الثأر المقدس لاغتيال المهندس يحيى عياش-2) .

مهندس الثأر

وبعد سلسلة من العمليات جن جنون الاحتلال وقادته السياسيين والعسكريين، وقد شكلوا من أجل ذلك لجنة أمنية تضم خيرة قادة الجيش والشاباك بدعم مطلق من الحكومة الصهيونية آنذاك، بتنسيق كامل مع أجهزة أمن السلطة وتحديداً جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي.
حيث شنا حملات اعتقال غير مسبوقة في الضفة وغزة، وتحولت سجون السلطة إلى مسالخ، وبعد جهد مضن تم التعرف إلى المسئول الأول عن التخطيط لتلك العمليات النوعية ألا وهو القائد القسامي الأسير حسن سلامة .
يذكر أنَّ القائد القسامي الأسير حسن سلامة هو الذي قاد عمليات “الثأر المقدس” بعد اغتيال العدو الصهيوني للمهندس الشهيد يحيى عياش، حيث انتقل القائد البطل حسن سلامة من قطاع غزة إلى الضفة لتنفيذ المهمة الموكلة له من القائد محمد الضيف.
وقد بدأت عمليات الرد القسامي بعد استشهاد المهندس بأربعين يوماً في سلسلة عمليات استشهادية، كانت باكورة الرد عملية الاستشهادي مجدي أبو وردة، إلى جانب الاستشهادي إبراهيم السراحنة في نفس اليوم، ولحقه الاستشهادي رائد الشغنوبي بتاريخ 3/3/1996م أدّت هذه العمليات الثلاث إلى مقتل نحو (46) صهيونياً وجرح نحو (163)آخرين.

بمداد من نور تروى حكاية البطولة والفداء، وبين ثنايا سطور الرواية المعطرة بمجد المجاهدين الأوائل نبحر في ثنايا جهادٍ قساميٍ أصيل، ومع التقدم في صفحاتها نتعرف على شهداء واستشهاديين من زمن آخر، وعندما تقرأ عنهم ستشعر وكأنك تجالسهم، وتشاهد الآن أفعالهم على الرغم من مرور السنين.
وخلال هذه الرواية المختصرة، سيتحدث إليكم الأسير القسامي القائد حسن سلامة عن حكاية القسام في سلسلة عمليات الثأر المقدس، عندما صدرت الإشارة من القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف "أبو خالد" بالرد على اغتيال المهندس القائد يحيى عياش.
نترككم لتبحروا في عباب المجد القسامي التليد، وقصة ثأرٍ من أمجاد القساميين الأوائل، وحكاية عشقٍ للشهادة من قساميين عرفوا الطريق فلزموه، فأورثوا لمن بعدهم جهاداً لا زال مستمراً في كل ميدانٍ وساح، وتبعهم جيلٌ قساميٌ زلزل أمن الكيان وطارد جنودهم يسحقهم تحت أقدامه، وتعود عجلة الأمجاد للدوران ... ويتحدث الأسير حسن سلامة بلسانه وقلمه بهذه الكلمات ...

سلامة يتحدث

سأتحدث في هذه السطور عن أكبر وأعظم حدث في حياتي كمجاهد، وحديثي هذا بمناسبة أننا نعيش ذكرى هذه العمليات الكبيرة التي حدثت وهزت الكيان، ومازال صداها يتردد رغم مرور كل هذه السنوات.
الشهيد المهندس الكبير يحيى عياش هو من خطط لهذه العمليات التي ارتبطت باسمه، وأصبح اسمها عمليات الثأر المقدس للمهندس ولكل شهيد ولكل فلسطين، فهي الأساس وهي القضية التي نجاهد ونقاوم من أجلها، ومن أجل تحريرها.
هذه العمليات التي نعيش في هذه الأيام ذكراها وذكرى أبطالها الحقيقين، وهم الشهداء الذين اختارهم الله عنده بعدما وقع عليهم شرف القيام بهذه العمليات الكبرى، فقد بدأ العمل حثيثاً لعمليات الثأر، لأن الأمر جللٌ وخطير، وأصبحت الحركة وكتائبها القسامية على المحك، وكأنه اختبار حقيقي لقوة هذه الحركة وصلابتها وصدق توجهها، ولكن ما العمل؟ والإمكانيات قليلة، وحصار سلطة أوسلو كبير، والتنسيق الأمني مع الاحتلال في أعلى مستوياته، وهنا يأتي دور الإرادة التي إن توفرت قهرت كل الصعوبات وحققت المعجزات..

إشارة قيادة الكتائب

سريعاً صدرت الأوامر من القائد العام لكتائب القسام "أبو خالد" محمد الضيف بالرد على تغول الاحتلال واغتيال الشهيد المهندس يحيى عياش، وحددت العناصر التي ستشارك في هذا العمل الكبير، ودار الحوار التالي بيني وبين القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف "أبو خالد":
حسن سلامة: "يا أبو خالد لا نملك المال"
أبو خالد: "لا عليكم سأتدبر الأمر"
حسن سلامة: "كيف؟ ديون جديدة؟"
أبو خالد: "المهم أن نسرع، عندنا مجموعة تم تنظيمها في القدس منذُ فترة سنعيد الاتصال معهم وننتظر الرد"
 مجموعة القدس التي تتكون من الأسير المجاهد أكرم القواسمي، والأسير المحرر المجاهد أيمن الرازم، أرسلت برقيتها بأنهم جاهزون للعمل وأنهم ينتظرون، وبعد أن حلت مشكلة رد المجموعة، تمت كل الترتيبات مع المجموعة وتم إعطاؤهم كلمة سر لمن سيلتقي بهم، وهناك خط آمن للتواصل معهم، والحمد لله استطعنا توفير مبلغٍ من المال وهو جيد للبدء بالعمل، حيث كنا في تلك الفترة لا نملك المال، ولا حتى مصروف أنفسنا وأهلنا والحمد لله على ذلك.
إذاً من سيخرج للضفة ويتولى مهمة التجهيز هناك؟ حيث السفر للمجهول بعيداً عن أي تواصل تنظيمي مع تنظيم الضفة؟ من سيذهب سيعتمد بعد الله على نفسه وعلى تنظيم غزة، وقد تم اختياري لذلك العمل.
جلسنا جلساتٍ كثيرة مع "أبو خالد" محمد الضيف، تحدثنا فيها عن كل شيء، سواء عن العمل الذي سيتم تنفيذه، أو بعده، أو ما سيتم تجهيزه وبناؤه هناك، فالضفة هي الساحة الحقيقية للعمل، وهناك المواجهة المباشرة مع الاحتلال، قلت: "ماشي موافق، وعلى بركة الله".

التجهيز للخروج للضفة

مجموعة رصد حدود القطاع كانت جاهزةً وتعمل باستمرار على الحدود للرصد والمراقبة لتسهيل مهمة الخروج، وهي تحت مسئولية وإشراف الأخ المجاهد "محمد السنوار" ومعه عدد من إخوانه المجاهدين الذين واصلوا عملهم حتى يتم تجهيز باقي الأمور، فانقسم فريق العمل إلى مجموعتين.
المجموعة الأولى ستخرج حتى تؤمن لنا الطريق، وتجهّز لنا مكان انتظار داخل أراضينا المحتلة في منطقة (أسدود) وستقوم بتأمين سيارة، ومكان للانطلاق منه، وعند جهوزيتهم ستصلنا الإشارة؛ لكي تخرج المجموعة الثانية.
المجموعة الأولى التي أسست لهذا العمل ومهدت له، وكانت شرارة الانطلاقة، تكونت من المجاهدين (عرفات أبو الحصين - يوسف أبو هين - رأفت عبيد) يرافقهم الشهيد سهيل أبو نحل أحد حراس الشيخ القائد المؤسس "أحمد ياسين" وأحد جنود كتائب القسام.
خرجت المجموعة واجتازت الحدود، وبقينا ننتظر على الحدود حتى اطمأننا على دخولهم، وكان ذلك عبر جهاز (بيلفون) من النوع الكبير، وقتها وصلتنا إشارة منه، وكان الاتفاق أن ننتظر منهم إشارة، وأن يطلبوا منّا الدخول بعد أسبوع، بعد أن يكونوا قد جهّزوا مكاناً لنا للاختفاء فيه داخل أراضينا المحتلة.
وهنا يأتي دور المجموعة الثانية والتي كانت تحت مسئوليتي، وسيقع عليها مهمة إدخال المتفجرات لتنفيذ العمل، والتأسيس لعملٍ جديدٍ هناك في الضفة، كانت خططنا جاهزة، وكان الاتفاق أنه بعد دخولنا سيتم إدخال خمسة أخوة من داخل غزة وهم الإخوة الاستشهاديون.
انتظارهم سيكون في الداخل حتى يتم تجهيزهم، ثم مراجعة كل شيء مع الأخ القائد محمد الضيف وبإشراف الأخ المجاهد الشهيد "أبو بلال" عدنان الغول، صاحب الخبرة الكبيرة في المتفجرات والتعامل مع التوصيلات الكهربائية، أو ما يسمى جهاز التفجير، وأصبحت طريقته هذه معروفة لدى العدو خاصةً بعد عملية شارع (ديزنكوف) التي نفذها إخواننا في الجهاد الإسلامي بمساعدة الشهيد عدنان الغول، فهو الذي وفّر الصواعق وجهاز التفجير لهذه العملية.
أما أبو بلال الغول، فهو صديقٌ قديمٌ تعرفت عليه في سوريا خارج فلسطين، وتدربت على يديه على موضوع كاتم الصوت، وكان أول العائدين من الخارج لغزة، والتقيت به بعد عودته، وتشاركنا في هذا العمل وغيره في تلك الفترة، وكان بيته مأوىً لنا، وهو صاحب خبرةٍ كبيرة، وله الفضل في تطوير عمل المقاومة خاصة في مجال التصنيع.

الاختبار الأول

جاء الوقت لدخول المجموعة الثانية بالمعدات بعدما وصلتنا الإشارة من المجموعة الأولى، كانت أمورنا جاهزة وتم تحديد يوم الدخول، كان ذلك في شهر رمضان، ولم يمضِ على زواجي سوى أسبوعين يومها، فذهبت للبيت وأفطرت عند الأهل وتجنبت النظر في عيون الوالدة، فقد كانت تشعر بأن هناك شيئاً سيحدث.
جلسنا أنا والوالدة قبل الإفطار وطأطأتُ رأسي على قدميها وبدأت يدها الطاهرة تداعب شعر رأسي، وما زلت أذكر هذه اللحظة التي أحن لها وأتمناها بعد هذه السنوات.
ودّعت الجميع بعيوني وانسحبت بهدوء وهم يفطرون، دخلت غرفتي التي كان لها باب خارجي وتركت ساعتي وبعض الأمور الخاصة في هذه الغرفة وخرجت من بابها الثاني، وكان أحد الإخوة ينتظرني، وكانت هذه لحظاتي الأخيرة مع الأهل.
بعدها توجهت إلى بيت المجاهد "أبو بلال" عدنان الغول، وهناك كان اللقاء الأخير مع هؤلاء الإخوة، فجهزنا مُعداتنا، وأسلحتنا، وأخذنا ما نحتاجه من متفجرات ومستلزمات وانطلقنا، وكان معي أحد الإخوة وهو خبير في قص الأثر ومجاهدون آخرون، سيدخل بعضهم ليساعدني في حمل المعدات ثم سيعودون في نفس الوقت، وسأبقى أنا وحدي مع أغراضي، لتستلمني المجموعة الأولى داخل الحدود، عند نقطة الالتقاء المحددة مسبقاً.
وفعلاً وبعد مراقبة الحدود الشرقية في منطقة البريج وسط قطاع غزة، بدء العمل السريع، فنصبت السلالم من قبل الإخوة المساعدين تحت مسئولية المجاهد محمد السنوار، وصعدنا من خلال الجسر الذي صُنع، وما هي إلا لحظاتٌ حتى أصبحنا في الطرف الثاني داخل الأراضي المحتلة، وكنا نسير على خطوات أخينا قصاص الأثر، الذي كان يضع أقمشة على الأرض ليزيل أثر خطواتنا، حتى تجاوزنا المنطقة التي تسمى (الرشم).
 جلسنا قريباً من الحدود خلف الأشجار ننتظر قدوم جيش الاحتلال، وبعد مرورهم وعدم شعورهم بشيءٍ بدأ سيرنا طويلاً للوصول إلى نقطة الالتقاء مع المجموعة الأولى، وكنّا بعد اعتمادنا على الله معتمدين على خبرة قصاص الأثر، وصاحب الخبرة بالطريق وهو الأخ سالم المهموم الذي ينتظرنا بالداخل، وبعد مشي استمر أكثر من ثلاث ساعاتٍ وصلنا إلى النقطة المحددة، وتواصلنا مع المجموعة الأولى، وخلال دقائق كانوا بسيارتهم أمامنا.
كانت لحظاتٌ صعبة وأنا أودّع من كان معي من الإخوة وهم أصدقاء لا داعي لذكر أسمائهم، وانطلقت في طريقي فيما انطلقوا هم عائدين إلى غزة، وكان أمامهم مسيرٌ طويل، داخل السيارة كنت برفقة الأخ سالم المهموم والأخ الشهيد سهيل أبو نحل ومعنا معداتنا.
إلى منطقة أسدود المحتلة انطلقنا وفي إحدى بيارتها الكبيرة، مكثنا وخبّأنا أغراضنا وجلسنا ننتظر قدوم الإخوة الاستشهادين من غزة، وننتظر أيضاً وصول مجموعة القدس التي جهزنا معها كل شيء، وهم أكرم القواسمي وأيمن الرازم.
 طال انتظارنا في البيارة التي كنا نعيش تحت أشجارها في زاوية من زواياها وكأننا عمّال، ومعنا سيارة مخبأة بين الأشجار، وفي الليل نخرج بالسيارة، وكان معنا (البيلفون) وسيلة التواصل نشحنه ببطارية إحدى السيارات، وعندما طال انتظارنا تواصلنا مع غزة وكان الخبر الصعب بعدم تمكنهم من إخراج أحد؛ لأن الطريق قد كشفت، أي أنني سأعتمد على نفسي في تجنيد الاستشهادين.

دخول الضفة

مجموعة القدس لم تصل، ولم نتمكن من التواصل معهم، ولم نستطع البقاء أكثر من ذلك، والإخوة الذين معي مهمتهم انتهت وعليهم العودة إلى غزة بعد طول هذا الانتظار؛ لذلك طلبت من الأخ سالم المهموم إمهالي يومين وتوفير وسيلة لانتقالي للضفة، على أن ينتظروني لمدة 48 ساعة، فإن لم أتواصل معهم فليغادروا المكان فوراً.
 وفعلاً تم ذلك، وخرجت في سيارة للعمال ووصلت إلى الظاهرية ومنها إلى مدينة الخليل، وكنت على علاقة مع إخوة وأصدقاء هناك، تعرفت عليهم سابقاً من خلال السجن وفي الابعاد إلى مرج الزهور، فذهبت زائراً لهم ومكثت عندهم شهر، أخيراً تمكنت من العثور على أحد الإخوة بعدما تفاجأت باستشهاد بعضهم، وعلمت أن البعض مازالوا في السجن، وعن طريق سليمان القواسمي تمكنت من الوصول إلى رام الله، وفوراً تواصلت مع الأخ سالم المهموم حتى يطمئن وأخبرته أنني خلال يوم سأكون عنده.
كنت أعمل في أكثر من اتجاه، فكنت أبحث عن الشهيد عادل عوض الله، الذي أعرفه من خلال السجن، وفي نفس الوقت كنت أعمل جاهداً للاتصال بمجموعة القدس، لذلك سافرت إلى أبوديس وكان معي مسدس وهوية مزورة، وهناك تواصلت مع المجموعة، والتقيت معهم بجانب جامعة أبو ديس، وتعرفت عليهم من خلال كلمة السر، وكنت قد رأيت صورهم في غزة قبل الخروج للمهمة.
تحدثنا وتعاتبنا، وتم الاتفاق على موعد للذهاب لأسدود للالتقاء مع سالم المهموم، ومعه الشهيد سهيل أبو نحل، وفعلاً انطلقنا إلى هناك، فكنت قد خبِرت الطريق جيداً، ووصلنا إلى هناك ودخلنا إلى البيارة وأخرجنا أغراضنا ووضعناها في السيارة، وودعت الإخوة سالم المهموم والشهيد سهيل أبو نحل، واتفقنا على عدة أمور، وأرسلتُ رسالة شفوية للأخ "محمد الضيف" وانطلقوا الإخوة عائدين إلى غزة، ونحن انطلقنا عائدين إلى القدس بأغراضنا ومعداتنا، لنبدأ العمل.
مجموعة القدس كان لهم الفضل الكبير بعد الله عز وجل في نجاح هذا العمل، فهم من استقبلوني عندهم، ومعاً خططنا لكل شيء، وكان العمل بيننا قائم على التفاهم التام، فقمنا بتقسيم العمل، فكان عليهم رصد الأهداف وتوصيل الشهداء إلى أهدافهم بعد تجهيزهم بكل ما يحتاجونه لتنفيذ مهامهم، وكنت أتواصل مع "الضيف" عبر رسائل تصلني من خلالهم عن طريق طرف ثالث.

في الحلقة الثانية لتفاصيل عمليات الثأر المقدس، يواصل موقع القسام الالكتروني نشر معلوماتٍ جديدةٍ سمح بنشرها، يرويها الأسير القسامي القائد حسن سلامة في الذكرى الـ22 للعمليات.
وفيما يلي الحلقة الثانية والتي تبدأ بعد تواصل القائد حسن سلامة مع مجموعة القدس وإرسال رسالة شفوية للقائد العام "أبو خالد"، ومن ثم نقل معدات العمليات من أسدود إلى القدس المحتلة للبدء بالعمل.

أول الغيث

تعرفت على الأسير محمد أبو وردة صاحب الفضل الكبير في هذا العمل ونجاحه، والتعرف عليه كان بداية الخير، فهو الذي استعد للعمل عندما طلب منه ذلك، وكان وقتها أمير الكتلة الإسلامية في معهد رام الله، وهو من نظم الشهداء وأحضرهم، وكان دائم الاستعداد لكل شيء.

مجدي أبو وردة، وإبراهيم السراحنة، كانوا طليعة استشهاديي كتائب القسام في عمليات الثأر المقدس، وأصحاب العمل المزدوج، انطلق الاستشهاديان بلباس صحفي، وقصة شعر تناسب عملهما.
كانت مهمة الاستشهادي القسامي مجدي أبو وردة الصعود للحافلة رقم 18 وهو يضع على ظهره حقيبة صحفي بداخلها عبوة من مادة (TNT) بوزن 13 كيلو جرام، جاهزة بين يديه، تم تركيبها وتجهيزها أمامه، وتلقى تدريباً عليها.
كذلك الاستشهادي القسامي إبراهيم السراحنة، كان هدفه تجمعٌ كبيرٌ للجنود في موقف لهم بالقرب من سجن عسقلان، وكان يحمل حقيبة جندي بداخلها عبوة بوزن 13 كيلو جرام، يعرف كل شيء عنها، وتلقى تدريباً عليها.
تلقوا التدريبات معاً والتوصيات المطلوبة، وتم إعطاؤهم مبلغاً مالياً ليستخدموه إن حدث معهم طارئٌ لا قدّر الله، وكان عليهم التسلل بصمتٍ وعدم إحداث أي أمر ملفت للانتباه، هناك التقطت الصور الأخيرة معهم، وكنا مجتمعين في أحد البيوت في أبو ديس بالقرب من القدس ومعي أكرم القواسمي وأيمن الرازم والاستشهاديان، تناولنا الطعام معاً وقضينا آخر اللحظات، وبعد تجهيز كل شيءٍ لهما، كان يجب عليّ العودة ليلاً قبل تنفيذ العمل، وقام الإخوة أكرم وأيمن بتوصيلي إلى رام الله.
في يوم الأحد 28/2 صباحاً انطلق المجاهد أيمن الرازم بالشهيد مجدي أبو وردة، سيكون الاستشهادي مجدي داخل الباص الساعة 6:30 صباحاً، وهذا ما تم بالفعل، ولم يغادر أيمن إلا بعدما تأكد من صعود مجدي للباص.
 أما المجاهد أكرم القواسمي فقام بتوصيل الاستشهادي إبراهيم السراحنة لهدفه في عسقلان، لكي تتم العمليتان في نفس الوقت ولبُعد المسافة، انطلق أكرم إلى هدفه قبل أيمن، وفي طريقه وقبل الوصول لموقف الجنود، سمعوا في الأخبار بحدوث الانفجار الأول فكانت ردة فعل الشهيد إبراهيم بالقول "أسرع يا أكرم فقد سبقني مجدي إلى الجنة"، أسرع أكرم وأوصل إبراهيم إلى هدفه وترجّل من السيارة، ودخل إلى وسط جنود الاحتلال وفجر نفسه بعد صديقه مجدي.
عشر دقائق كانت الفرق بينهما في دخول الجنة إن شاء الله، فكُنت في رام الله أسمع الأخبار وأترقب ما الذي سيحدث، حتى بدأ بث إذاعة العدو في الساعة السادسة والنصف صباحاً، وبعد 5 دقائق تم بث خبر الانفجار الأول، وبعدها الانفجار الثاني وكان هذا الرد الأول الذي جاء بعد خمسين يوماً من استشهاد المهندس، وفوراً تواصلت مع غزة وتحدثت مع الأخ/ سالم المهموم باثاً إليه خبراً مشفراً بأنه "قد تم زراعة نصف الأرض بنجاح والنصف الآخر سيكون قريباً" وهذه عبارة مشفرة تعني أنه تم تنفيذ الجزء الأول من العمل بنجاحٍ وباقي نصف الثاني قريباً، ووصل الخبر للأخ القائد العام "أبو خالد الضيف".

عودة للعمل

رغم ما حدث من إغلاق وتشديد واعتقال من قبل الاحتلال وأجهزة السلطة تواصلنا مجدداً للعمل واستكمال الانتقام، حيث تمكن الأخوان أكرم وأيمن من اختراق الحصار المفروض على القدس وبقينا في رام الله، وتحدثنا في أحد المطاعم عمّا حدث، وعن المهمة القادمة، وكان عليهم مسئولية تحديد هدفٍ جديد، واتفقنا على أن يكون الهدف الجديد ذات الباص رقم 18 كتحدٍ للأجهزة الأمنية الصهيونية، وللسخرية منهم، واعتقاداً منا أنهم لن يتوقعوا العودة إلى نفس الهدف.
كان هذا اقتراح أكرم وأيمن، واتفقنا على ذلك، وتوافقنا على لقاءٍ لاستلام الاستشهادي الثالث الذي لم يكن معروفاً حتى هذه اللحظة، فوراً تواصلت مع الأخ محمد أبو وردة وتقابلنا وتحادثنا، وباركنا له باستشهاد قريبه مجدي، وطلبت منه أخذ الحيطة والحذر، وعدم مغادرة المعهد، وطلبت منه استشهادياً ثالثاً، فأخبرني عن الشهيد "رائد الشغنوبي" صديقه في المعهد الذي يثق فيه، ويعرفه جيداً، ودائم الحديث عن الشهادة.
وفعلاً أحضر لي محمد الشهيد رائد، وكان كما أخبرني، فتحدثت معه، وتم تجهيزه، وعشت معه أياماً معدودة في البيت، وقبل استشهاده بيومٍ كان صائماً طوال هذه الأيام، وفي يوم السبت جهزت له إفطاراً (معكرونة دجاج)، وأيقظته ليأكل ويجهز نفسه لصلاة المغرب، فإذا به يبكي بحرارة، انزعجت وخطر في بالي أنه قد يكون تراجع في اللحظات الأخيرة، وبعدما هدأ سألته ما الخبر؟ ماذا حدث؟ فإذا أنا أمام شخصٍ غير عادي، جاء في منامه أن السماء قد فتحت له، وغمره نور، وانطلق صاعداً إلى السماء، هناك حيث الجنان، استيقظ يبكي فرحاً مستبشراً، وراجياً أن يكون هدفه كبيراً.
كُنت أمام نموذجٍ غير طبيعي، استبشرت به خيراً، انطلقنا معاً، وكنا على موعد مع مجموعة القدس لكي يبيت عندهم، ثم يوصلوه في الصباح إلى هدفه، وعاش أكرم وأيمن معه لحظاته الأخيرة، وفي الصباح انطلق الاستشهادي القسامي رائد الشغنوبي إلى هدفه، وكان عمله من أكبر الأعمال وأشدها على كيان الاحتلال، فقد خرج كبيرهم لأول مرة ليقول "هذا اليوم حزين بل من أشد الأيام حزناً على دولتنا منذُ أن تأسست فنحن أمام عمل لا يوجد فيه إصابات، جميع من في الباص قتلى" فقد أعطى الله شهيدنا على قدر إخلاصه.
هؤلاء هم أبطال هذا العمل الكبير، رحم الله شهداء هذا العمل البطولي في ذكرى استشهادهم، ورحم الله جميع شهدائنا، وكتب لنا ولهم الأجر، وجمعنا بهم في جنات الخلد، فقد طلبنا منهم أن يشفعوا لنا، وأن يسلموا لنا على رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى صحابته الكرام.

شهداء في ظلال الثأر المقدس

الشهيد عادل عوض الله صاحب الفضل الكبير بعد الله في هذا العمل، فهو الصديق الذي بحثت عنه وقد كنت تعرفت عليه في السجن سنة 1989م، وعندما وجدته لم يمض على خروجه من سجون الاحتلال سوى أسبوعين، ومع ذلك ورغم حذره الأمني قدّم لي كل ما أريده، ووفر لي المأوى، وعرّفني على الشهيد محي الدين الشريف، ووفّر لي المال، ووقتها أعطاني المال الذي كان يملكه من أجل العمل.
في بيته أيضاً تعرفت على أخوه الشهيد عماد، وعشت معهم أجمل وأحلى اللحظات، تحدثنا كثيراً عن العمل، وجمعتنا أصعب اللحظات عندما حاصرتنا السلطة في رام الله وفي بيت لحم، وعن طريقه تمكنت من التنقل والإفلات منهم، وهو من صاغ بيان العمليات، ووفّر لي كاميرا فيديو لتصوير الشهداء في لحظاتهم الأخيرة، وبعد العمل استمرت علاقتي معهم، وخططنا لعمليات الأسر التي تمت لكن لم يكتب لها النجاح.
الشهيد محي الدين الشريف الصديق الذي عشت معه في رام الله، ومعه خططت لهذا العمل، وكان صاحب خبرةٍ كبيرةٍ في مجال الكهرباء وأجهزة التحكم والتفجير عن بُعد، وبعد العمل لازمته واشتركنا معاً في عملية الأسر التي شارك فيها بنفسه، وكان يتنقل داخل الأراضي المحتلة عام  48 وهو المطلوب رقم 1 وقتها في الضفة.
وهناك أخوة آخرون أخفياء ساعدوا في إنجاح هذا العمل، لم تذكر أسماؤهم لهم الأجر بإذن الله، وأصحاب فضل كبير هم الشهداء (مجدي أبو رودة، إبراهيم السراحنة، رائد الشغنوبي) الأبطال الحقيقيون لهذا العمل، وهم الذين اختارهم الله شهداء، وكتب على أيديهم؛ لإخلاصهم هذا الإنجاز الكبير الذين سيبقى محفوراً في أذهان أبناء شعبهم، و دليلاً للبطولة والفداء، وذكرى مؤلمةً في تاريخ عدوهم وتاريخ هذا الكيان الذي اهتزت أركانه وتزلزلت دولته المزعومة من شدة وقع هذه العمليات الكبيرة.

ذكريات مع الاستشهاديين

مجدي أبو وردة شبلٌ لم يتجاوز الثامنة عشر من مدينة الخليل، من مخيم الفوار صاحب الابتسامة البريئة، الذي يعشق الجهاد، ويعشق كتائب القسام، كان يجلس هناك في مخيمه لوحده يتمنى الالتقاء بأحدهم ليطلب منه العمل، هذه حياته وهذا حلمه كنت أتصور أنني سأحتاج إلى أيامٍ وجلساتٍ كثيرة لتعبئته، جلست معه فأعطاني المعنويات، والاستعداد التام، وحبه للعمل، كانت عيونه تشع ببريقٍ خاص وكأنه أخيراً وجد ما تمناه.
إبراهيم السراحنة الشهيد البطل من مدينة الخليل من مخيم الفوار ابن الرابعة والعشرين كان كصديقه مجدي يتمنى العمل في صفوف كتائب القسام، لم يمكن مصدقاً أنه يجلس مع أحد مجاهدي كتائب القسام، وعيونه تتحدث عن مدى حبه واستعداده للعمل، كُنت محظوظاً بهذين المجاهدين وكانا يملكان من الإخلاص الكبير، لذا أكرمهم الله بهذا الإنجاز الكبير.
رائد الشغنوبي ابن نابلس معلم الأطفال القرآن، والذي كان يدرس في معهد رام الله، التقيت به بعد تنفيذ العمليات الأولى، واستشهاد كلٍ من (مجدي وإبراهيم)، أحضره لي الأخ محمد أبو وردة، وإذا به ذلك الشاب المثقف الواعي، صاحب الهم الكبير، شديد الالتزام، الخجول الباحث عن الشهادة، ما زلت أذكر عبارته "أريد المشاركة بعملٍ كبير" صدق الله فصدقه.
هؤلاء الشهداء عاشوا معي لحظاتهم الأخيرة، أو قُل أجمل أيام حياتهم، كانوا معي في بيتٍ في رام الله، كُنت أراقبهم حتى أقف على حقيقة مشاعرهم وصدقهم، عاشوا هذه الأيام في تقربٍ مع الله صياماً وقياماً، وكانت الأسلحة المتوفرة لدي لا تغادرهم، كانوا يحتضنونها، وينامون معها، ويستعجلون ببدء العمل، ولم يكن يعرف أحدهم أنه سينفذ عملاً استشهادياً، ومع ذلك كانوا مستعدين لكل شيء، كتبوا وصاياهم وأعطوني باقي أغراضهم لتوصيلها للأهل وأتمنى أن تكون وصلت.
وُثِّق كل شيءٍ عنهم بالصور ومقاطع الفيديو ولكن للأسف ولصعوبة الأوضاع والظروف تم إتلاف هذه الوثائق، وكان هذا أسوء خبر سمعته، ولكن هذا قدرهم يكفيهم أنهم الآن في الجنان اختارهم الله شهداء، وأجرى على أيديهم عملاً سيبقى خالداً بأسمائهم وسيذكرهم الجميع ويقتدي بهم ويتحدث عن بطولاتهم الكبيرة.

أسدل ستار العمل

بعد عمليات الثأر لاغتيال المهندس يحيى عياش، تعرضت الحركة لأكبر عملية حصار واعتقال خاصة في غزة، وكانت تلك الظروف من أصعب الظروف التي مرت على حركة حماس.
فتداعى العالم ليساند الاحتلال، واجتمعوا في (شرم الشيخ) لإنقاذ ما يستطيعون إنقاذه من حكومة (بيرس) بعدها انتقلت من رام الله المحاصرة إلى بيت لحم بواسطة الشهيد عادل عوض الله، وهناك التقيت مرةً ثانية بالشهيد محي الدين الشريف، ولحق بنا عادل، واستمر تنقلنا من مدينة إلى أخرى نخطط لعملٍ جديدٍ بمساعدة إخوة مجاهدين جدد كان على رأسهم الشهيد القسامي صالح تلاحمة، والشهيد جهاد سويطي.
عملنا معاً وخططنا لعمليات، أهمها التخطيط لأسر جنود، وتم ذلك ولكن لم يكتب النجاح لهذه العملية، بعدها اعتقلت مجموعة القدس، ثم اعتقلت أنا في كمين بالخليل، فيما استشهد كلٌ من (الشهيد عادل عوض الله، وأخوه الشهيد عماد عوض الله، والشهيد محي الدين الشريف، والشهيد صالح تلاحمة، والشهيد جهاد سويطي وإخوة آخرين).
وفي الختام .. هذا حديثٌ مختصرٌ يكشف بعض أسرار "عمليات الثأر المقدس" في ذكراها الـ 22، ومع هذا العمل وذكراه، وذكريات أبطاله وشهدائه تبقى صفحات جهاد القسام زاخرة بالعطاء والبطولات، التي تتكشف مع مرور الأيام والسنين فصولٌ جديدةٌ منها، وسيحمل المستقبل ما يسوء المحتل حتى يتحقق النصر والتحرير بإذن الله.

  • العنـوان : عملية مجدي أبو وردة
  • التـاريـخ : 2017-02-25
تحميل
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2019