القسام ـ خاص :
أشارت دقات الساعة إلى السابعة والنصف من صباح الجمعة الموافقة 18/9/92م، وكان أبطال (القسام) كجواد السباق ينتظر سماع الإشارة لينطلق بكل قواه اتجاه الهدف، وبالفعل ركب الأبطال الثلاثة السيارة (بيجو 305) ذات اللوحات الصفراء.. تغشاهم سكينة المجاهدين، ويحدوهم الأمل بالنجاح ولا يتوقف قلبهم قبل لسانهم عن ذكر الله والدعاء المتواصل بالتوفيق "اللهم لا سهل إلاّ ما جعلته سهلاً وأنت إن شئت تجعل الحزن سهلاً فاجعل لنا كل صعب سهلاً".
وانطلقت السيارة باتجاه موارج بحثاً عن الصيد، ثم عرجوا على مستوطنة (ميراج) علهم يجدوا هدفهم.. ولكن لا سبيل، وهنا توجهوا نحو بحر خانيونس (شارع المستوطنات) مروراً بمستوطنة (أبو دولح)، ثم (جاويد)ومن بعدها (جان أور) و (نفيه دقاليم) ثم (جان طال)، وأخيراً (نيتسر حزاني)، حيث كان يقف على بابها جنديان ينتظران الركوب.. لكن الأخوة الأبطال لم يقفوا لهم لأسباب عدّة ذكروا منها:
1- أنهما جنديان ولربما كانا يريدان التوجه لنفس المكان وهنا لا بد أن يركبا معاً وهذا يجعل التحكم فيهما من الصعوبة بمكان وقد يؤدي إلى فشل العملية.
2- كان يبدو من ظاهر الجنديين أنهما لا يحملان سلاحهما وهذا أمر غير مشجع لأن من أهداف العملية جلب السلاح.
هنا أدرك أبناء القسام أن صيدهم ليس في هذا المكان فانطلقوا نحو مغتصبة (غوش قطيف) ثم باتجاه الشارع العام، وعند مفرق (العبادلة) المعروف الآن (غوش قطيف) كادت سيارتهم أن تصطدم بسيارة مرسيدس محلية وهنا أخرج المجاهد الأخ (عاطف) رأسه من الشباك وبدأ يكيل الشتائم بالعبرية على صاحب السيارة العربية وذلك ليموه على حشد المستوطنين من المتطرفين اليهود (لم يكن المتطرفون هدفاً لهذه العملية).. واتجهت السيارة بعد ذلك إلى (غزة) وبدأت دقات القلب ترتفع والأعصاب تشتد لعدم وجود الهدف وكانت عجلات السيارة تدور كأنها تدور في حلقة مفرغة، وكلما زادت سرعة المحرك زادت نبضات الأبطال وبدا على الجميع الوجوم والحزن والسيارة تسير تجاه غزة تتخطى الحواجز العسكرية دون معوقات لأنها تحمل اللوحات الصفراء إلى أن وصل بهم المطاف إلى حاجز الجيش مقابل معسكر النصيرات على أرض مخيم البريج وفجأة لاح في الأرض صيد.. نعم.. إنه جندي من بني يهود.. وهنا قفزت القلوب من مسكنها فرحاً بتحقيق أول العملية والمتمثل في وجود جندي يرغب في ركوب السيارة، واستقرت السيارة أمام (الون كرفاني) -21 عاماً- الذي كان يقف منتظراً مصيره، وقفت المجموعة بسيارتها بعدما أشار لها الجندي، ودار الحديث كالتالي:
الجندي: "هل أنتم ذاهبون إلى عسقلان (المجدل)؟".
الأخ (عاطف): "لا – ولكن إلى حاجز إيرز فقط".
وحبست الأنفاس ودقت ضربات القلب بشدّة، واستغاثت القلوب برب القلوب "اللهم لا سهل إلاّ ما جعلته سهلاً" – ومرت ثوان كأنها دهر ثم قال الجندي: "لا مشكلة"، وهنا دخل الصيد في الشرك – ركب الجندي وأشار لزميله الواقف على باب المعسكر بالتحية مودعاً، وانطلقت السيارة بصيدها الثمين متجهة إلى منطقة القبة – شارع غزة الشرقي الواصل بين منطقة (المغراقة "البوليس الحربي") ومنطقة القبة (المنطار) ذلك الشارع الذي يوصل إلى حاجز (نحل عوز) أو إلى (إيرز)، وهنا أشهر أبطالنا المسدس على الجندي وسألوه: "أتعرفنا؟.. نحن جند (القسام) أبناء (الياسين)نحن إخوة (السنوار) و(الشراتحة) وورثة (نصار) و(المبحوح) نحن جند (الحماس)".
وفجأة خرّ الجندي الأسطورة وبدأ يرتجف ويرتعد ويلطم على خديه مثلما تفعل النساء، وحتى لا يلفت الجندي بتصرفاته هذا انتباه الآخرين كان لزاماً أن يهدأ ويشعر بقليل من الأمان، فقال له الأبطال:"لا تخف نحن نريد سلاحك". فبادر قائلاً:"خذوه لا أريده" وبدأ يتوسل "دعوني أنا لي أم وأهل وحبيبة"، هنا فقط تذكر ذلك الخنزير آدميته وإن له أم وأهل وأحباب، وجاء الرد الإيماني على لسان جند الإسلام:"ونحن.. أليس لنا أم وأب وأولاد... لماذا تقتلون شيوخنا وأطفالنا العزل في حين أننا لا نقاتل إلاّ جنودكم" وهنا تملص الحقير من ذلك وقال:"أنا لست مقاتل، لست محارب، إنما أنا ميكانيكي في قسم الصيانة أجوكم دعوني".
بعد ذلك وصلت السيارة بركابها الأربعة إلى بيارة وطلب القساميون من (كرفاني) خلع ملابسه وحذاءه عدا ملابسه الداخلية –وذلك خلق المسلمين- واستجاب الجندي الذي لا يقهر بمنتهى المهانة والذلة أمام قوة وعزة مجاهدينا ثم بدأوا بطعنه بالسكاكين حتى ظنوا أنه قد قتل، وبرغم وجود المسدس والرشّاش إلاّ أنهم لم يستخدموه لسببين:
1- الخروج من منطقة الحادث دون إثارة أي ضوضاء.
2- أن للسكين أثر أشد رهبة على نفس اليهود الجبناء، وانتقاماً لما حدث في (صبرا وشاتيلاّ) حيث عاث بنو يهود قتلاً في أبناء شعبنا بالسكاكين.
وعاد المجاهدون الثلاثة بغنيمتهم يحملون بشرى انتصارهم لملايين المظلومين والمصابين من ابناء شعبنا، عادوا شاكرين لله على فضله، راجين أن يتقبل منهم عملهم، عادوا منكسرين لله، واثقين أن ستره وعونه وراء نجاحهم.
نعم.. عاد (القساميون) مسجلين ملحمة من ملاحم البطولة التي لا يقوى عليها إلاّ جند الإسلام، عادوا تغمر الفرحة كل جوارحهم بعدما شفى الله غيظهم وأغنمهم بندقية (إم 16) رقم (5142897) وهي القطعة التي استخدمتها الكتائب لاحقاً في عملية (جان طان) كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقاً كما حمل أبطالنا معهم أوراق الجندي الثبوتية، وبزته العسكرية وورقتين نقد الأولى من فئة دولار أمريكي والثانية ليرة لبنانية واحدة، كما تم الاستيلاء على حقيبة متاعه والتي كانت تحوي شريط فيديو كراتيه وشريط كاسيت وساعة منبه حمراء إضافة إلى بعض الملابس.
لطائف:
1- كان بالإمكان ان يصبح الصيد اثنين من جنود يهود، ذلك أنه خلال عودة الأبطال بعد إنتهاء العملية قابلوا ضابط بحرية أو طيران إسرائيلي يحمل سلاح عوزي، وذلك عند حاجز البوليس الحربي، ولكن سائق السيارة من أبطال (القسام) لم ينتبه لهذه الغنيمة وما ذلك إلاّ لانشغاله بحاجز شرطة كان موجوداً يفتش في نفس المنطقة وكان جل همه أن يتخلص من هذا الحاجز خاصّة وأنه لا يحمل أي أوراق ثبوتية للسيارة ونسي أخونا أن السيارة التي يركبها تحمل لوحات صفراء ولا تخضع لإجراءات التفتيش الجارية آنذاك، وبالفعل أفلت الأخوة بسيارتهم من حاجز الشرطة وفي نفس الوقت أفلت منهم صيد ثمين ولكنه قدر الله.
2- بعد إنتهاء العملية شاهد بعض السكان المحليون جثة الجندي غارقة في الدم وتأكدوا بأنه يهودي فانطلقوا للشارع للإبلاغ عن ذلك وبالفعل مرت دورية جيش وتم إخبارها بذلك تحسباً من بطش الظالمين ولكن الجيش تباطأ في الإقدام على الذهاب لمكان الحادث ورفض دخول المنطقة خشية أن يكون الأمر كله مجرد شرك لهم وتم الإتصال بالقيادة التي أرسلت سيارة إدارة مدنية وهو الذي قام بإسعاف الجندي ومن بعده تتابعت سيارات الجيش ثم حضرت طائرة مروحية أقلت الجندي الجريح إلى المستشفى داخل الخط الأخضر. بهذا إنتهت العملية خلال ساعة واحدة عاد بعدها الأبطال إلى نقطة الإنطلاق حاملين معهم غنيمتهم ثم وضعوها في المكان المخصص لهم ثم قاموا بإزالة اللوحات الصفراء عن السيارة وتركوها في أحد شوارع خانيونس لتعود ثانية إلى صاحبها.
إنه قدر الله... (بين نارين)
ذكرنا أن بطلاً من أبطال (القسام) كان مفروضاً له أن يشارك في العملية ولكنه استبدل في آخر لحظة بالمجاهد البطل (جمال موسى).. ولكنه بقي معهم حتى انطلقوا تجاه هدفهم، وبعد عودته إلى بيته وجد أنه على موعد مع قدر الله، فلقد حضر الجيش إلى بيته بحثاً عنه وعندما لم يجدوه عاثوا في بيته فساداً وتخريباً، وأخبروا أهله أنهم يريدونه لأنه يقدم خدمات للمطاردين وهو ما كان قد علم به من قبل عندما سمع أن هناك اعتراف عليه بتقديم خدمات ومساعدات للمطاردين وأنه يوفر لهم المأوى.
وهنا كان التمحيص والإبتلاء، فالبعض يقول أن هذه تهمة تستر لا تتعدى فترة السجن عليها كذا شهر والبعض يقول أنها أقل أو أكثر.. وكان لزاماً أن يختار هذا المجاهد إما التضحية بالسجن أو عدم تسليم نفسه للعدو ووضع مجاهدنا نفسه أمام ميزان الحق وبدأ يقارن بين المنافع والمفاسد ولم يكن سهلاً إتخاذ القرار ولكن الإيمان الصادق بأنه لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا جعل هذا المجاهد البطل يختار طريقه دون تردد.. نعم إنها لحظة اليقين التي فصلت الأمر.. إن إلقاء القبض عليه له مفاسد كثيرة أهمها:
1- عدم اليقين بما ستسفر عنه تحقيقات أجهزة مخابرات العدو معه خاصّة وأنهم يستخدمون كل أساليب التعذيب اللا إنسانية.. فمن هنا يمكن أن يأتي بإخوة له في الجهاد مطاردين وغير مطاردين.
2- أن الأمر على أحسن الظروف ستكون عاقبته السجن لمدّة عام أو عامين على الأقل وهذا يعني أن الحاجز عن الجنة كبير، والنفس توّاقة للشهادة في سبيل الله.
وبينما مجاهدنا في هذا السيل العارم من التفكير، إذا بإخوانه أبطال عملية أسر الجندي يعودون ببشراهم إليه بنجاح العملية وكم كانت فرحته بنصر الله وهنا قرر البطل أن ينضم لإخوانه المطاردين لتبدأ حياة العز والفخار... حياة الجهد والتشرد.. وطريق الجنة المليء بالأشواك والصعاب.. ليطلق حياة الدنيا بزخارفها ومفاتنها وبدأ يردد "اللهم لا عيش إلاّ عيش الآخرة".
نعم اختار مجاهدنا البطل طريق مقارعة اليهود.. فبدأ مع إخوانه في التخطيط لضربة قادمة ولمعركة جديدة.. بعدما أضافوا إلى سجل التاريخ ملحمة من ملاحم البطولة القسامية تحت راية الإسلام المظفر.
تابعوا معنا في الايام القادمة الحلقة الأخيرة "مفاجآت عملية الأسر "
أضف مشاركة عبر الموقع