الشهيد القسامي/ فارس محمد خليل عابدين
حفر قبره بيده بين رفاقه الشهداء
القسام ـ خاص:
فارس أحرف نطقت عن صاحبها ، وكلمة فاضت بمعاني عظام لا توصف ، فارسنا اليوم فارس عابدين امتطى صهوة المجد وانطلق بروح وثابة إلى علا الخالدين ، واسم تسطر يحكي عن صناع البطولة وحاملي لواء الدين ، فارس سابق في ميدان الرجولة فحاز شرف السبق على طريق التمكين ، فارس حاضر في الوجدان تذكره الأذهان صامتا هادئا ، مطيعا خدوما ، مثابرا طموحا، داعية مجاهد مقدام ،فارس عاش في كنف الخفاء والإخلاص سعادة لا يصفها الواصفون ، ورحل شهيدا يرتقي إلى منازل جازت خيال العارفين .
ميلاد فارس
شهد اليوم الرابع من شهر ديسمبر عام 1977م إشراقة نور فارس من فرسان فلسطين وعلى أرض رفح الصمود ، وتناغمت الأقدار ليكون للفارس من اسمه النصيب الوفير عندما ألهم أبوه أن يطلق عليه اسم فارس ، وتلألأ بيت الحاج محمد عابدين فرحا بميلاد فارس تقدم معطاءا خدوما لأهل بيته ، ونشأ شهيدنا بين أحضان أسرة متدينة متواضعة في ربوع حي النصر شرقي مدينة رفح .
عاش ورحل شغفا بطلب العلم درس الابتدائية والإعدادية في مدرسة النجاح وانتقل إلى مدرسة بئر السبع يكمل المرحلة الثانوية بنجاح ولم يكن بوسعه أن يلتحق بالجامعات الفلسطينية بسبب سوء الأوضاع المالية وما كان منه إلا أن استجاب للظروف الصعبة التي تعاني منها معظم الأسر الفلسطينية،وبقي شغفه بالدراسة مصاحبا له فكان يحب الإطلاع ويكثر القراءة ويتنقل بين القرآن والكتب الدينية تاليا ومتعلما.
بين أهله
تربى شهيدنا تربية إسلامية فتميز بخلقه الراقي وسلوكه الحسن ، وكان هادئا متواضعا لا يكثر من الكلام ولا يتدخل فيما لا يعنيه ، وتألقت عائلة الحاج محمد في علاقة أسرية قوية تربط بين الإخوة ، وكان فارس من أكثر إخوته خدمة لبيته ومساعدة لأمه في عملها داخل المنزل ودون أن تطلب منه وإن طلبت كان مطيعا سريع الاستجابة .
حمل بين جنباته قلبا حانيا على إخوته وأبنائهم الصغار يداعبهم ويلاعبهم ويسعدهم بقربه منهم ، رفض فارس الزواج بداية وبعد إصرار إخوته عليه رضي بالزواج مشترطا أن تكون زوجه متدينة وتكون راضية بعمله الجهادي بحيث لا تعيقه في أداء المهمات الجهادية الموكلة إليه خاصة أنه كان من أفراد وحدة القنص القسامية .
حياته الدعوية
منذ نعومة أظافر فارس تربى تربية جيل العزة وتخرج من صفوف الصلاة مجاهدا فارسا من فرسان الإسلام العظيم ، والتزم فارس في مسجد الشهيد طارق أبو الحصين بحي النصر وكان أبو محمد محبا للشيخ الداعية الشهيد طارق أبو الحصين وتأثر باستشهاده ، و تأثرت حياته بعدم سماح الظروف الاقتصادية الصعبة له بأن يكمل دراسته الجامعية فأقبل رحمه الله لتعلم العلم الشرعي بمفرده وفي حدود إمكاناته والتزم حضور دروس العلم المقامة في المساجد وشهود مجالس الذكر .
التحق فارس بحركة حماس عام 2004 م وكان أخا مبايعا في صفوفها على السمع والطاعة والعمل في خدمة الدين وعز المسلمين ، وكان ملتزما في الأنشطة الحركية ويسارع للمشاركة فيها ، وعمل في أميرا للجنة استيعاب الأشبال في مسجد طارق أبو الحصين ، كما كان عضو في الفرقة الرياضية الخاصة بالمسجد نظرا لمهارته بلعب كرة القدم
رابط ثاني ليلة من زفافه
ما أعظمك أبا محمد تعلو على الهوى والشهوات ، وتترك الدنيا والملذات وتسمو في حياة الجهاد وعشق الاستشهاد ، إنها روعة التضحية والفداء ، إنها سعادة تنبثق من ثنايا النصب عندما كان لله والدين والوطن العطاء ، هو الهادئ الحيي الذي لم يمنعه حياؤه أن يعبر عن رغبته في الالتحاق بصفوف المجاهدين من كتائب الشهيد عز الدين القسام.
ووافق القساميون أن يسطر فارس اسمه بين أسماء صناع المجد وأسود البطولة عام 2006 م ، وخضع الفارس للتدريبات العسكرية يحدوه العزم ويقوده التصميم على المضي قدما في طريق الجهاد ، ورغم أنه أكبر المتدربين سنا كان أنشطهم وأقواهم همة وأكثرهم عنفوانا ، وتشعر من التزامه بمواعيد التدريب وتنفيذ التدريبات على أكمل وجه شعوره بالمسئولية لأن يعد جنديا مجاهدا قساميا لا يعرف التقهقر .
الإخلاص في التدريب حمل القسام على اختياره ليكون كأحد أعضاء وحدة القنص القسامية ، وخاض الفارس تدريبات أقسى وأشد كان يثبت فيها جدارته وينتقل بين مراحل التأهيل إلى التوسط في التدريب حتى تم اصطفاؤه ليخوض تدريبات المرحلة العليا في القنص.
تأهل أبو محمد ليكون مسئولا عن مجموعة قسامية مجاهدة ، وكان أمير وحدة القنص في فصيله ،وعلى صعيد رباطه وسهر عيونه في سبيل الله وحماية لثغور المسلمين على الحدود الشرقية لمدينة رفح كان ملتزما بالمرابطة وتقدم صفوف المرابطين دائما ما يخرج مرابطا يسد أماكن المرابطين أصحاب الأعذار .
هجر الفارس الفراش الدافئ راحلا عن زوجه في ثاني ليلة بعد زفافه إلى صفوف الرباط طامعا في أجر العيون التي تبيت في سبيل الله ، فلله درك يا مهاجرا لله وزاهدا في نعيم الدنيا طامعا بالظفر من حور الجنان ، وهذا دأب فارس رام السبق وأبصر أنوار الراحة والسعادة .
شهيد بعد أسبوعين من زفافه
علم البطل أن الرحيل محتوم وأبى موت البعير ، وكيف للفارس الذي عشق المضي أن تشغله عن طلبه دنيا القعود ، فجهز الفارس الزاد وأخذ أمتعة السفر وأعد موطأ القدم ، وعاش ساعيا نحو الشهادة يرنو نيلها ويداعب أمه أن تدعو له بها ، وخاطب زوجه التي قضى معها أياما معدودة قائلا : " أنا مش مطول لا تزعلي إن رحت " .
وقبل يوم من الرحيل دعا فيه فارس بدعوة عجبا تطرق آذان سامعيها " أسأل الله ألا يرزقني بولد ، فسألته زوجه لماذا تقول ذلك فأجاب " أخلف ولد ويموت عنه أبوه " ، وكأنه يتنسم رحيق الشهادة عن بعد أميال قليلة ، ومضى فارس معتليا جواد السبق في ميدان الجهاد ونصب عينيه أسمى المنى وأعظم الغايات .
وخلال معركة البطولة والجهاد معركة الفرقان القسامية تقدم فارس للمواقع الأمامية وكان يمضي أيامها في نقاط القنص المتقدمة يود أن يلقن اليهود درسا يفترس فيه جنودهم ويرديهم بين قتيل وجريح ، وقبل تقدم الآليات العسكرية خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة إلى شرق رفح بيوم ووقت المغرب .
يتهيأ العريس للعودة إلى موقعه الجهادي فلبس زيه العسكري واحتار كيف يخفي سلاح القنص الطويل الذي كان بحوزته ، فتقدم إليه إخوته وزوجه وخلع أحد إخوته عباءته وألبسه الجميع العباءة في منظر وكأنه الوداع والتجهيز للرحيل والأم واقفة على باب الغرفة ترقب المشهد وتتمتم قائلة " والله اليوم لن تعود ".
غادر فارس معتجل الخطى وسار كمسير أهل الحب للميعاد تصحبه عبارة زوجه "الله يسهل عليك" ،مشهد لن يمحى من ذاكرة الأحباب وجهاز لا تنسى الأيادي لحظاته ، وبعد مضي يوم على ارتداء فارس العتاد وخلال انتقال فارس من موقع رباطه الذي قصف فيه ونجا منه بأعجوبة إلى نقطة قنص أخرى في مغرب يوم الرابع العشر من شهر يناير عام 2009م رصدت طائرة استطلاع صهيونية تحركه فقامت بإطلاق صاروخ عليه أصابه إصابة مباشرة ، وارتقى الفارس فارس شهيدا بعد مضي أسبوعين على زفافه إلى زوجة الدنيا ليزف إلى الحور العين وخالدا في حياة النعيم .
وننقل قول أخيه الذي خلع لفارس عباءته بعد سماعه نبأ استشهاده " نحن زوجناه ونحن للحور ودعناه "
قبر بين رفقاء شهداء
وتمضي اللحظات تخطها مدامع المحبين ، ويحمل الجسد الطاهر على أكتاف الأحباب والأصحاب ، بالأمس تبادلنا أعناق المباركة بالزفاف ، واليوم نزفك يا فارس في عرس آخر إلى الحور العين بعد أن وفيت بعهد الصفقة مع الله وبعت الدماء واشتريت الرضا والجنان ، ويتقدم المشيعون إلى مقبرة الشهداء شرق رفح يوارون الشهيد ثرى الأرض التي تناثرت عليها منه الأشلاء.
ويخرج صوت والد الشهيد محمد معمر من بين المشيعين يأبى أن يدفن فارس في أي قبر مشيرا هنا سيدفن فارس في قبر أعده وحفره بيده وموه عليه بأن غطاه ليشبه القبور ، كان فارس حفر قبرا بين رفقاء دربه الشهداء يحيى البيوك ومحمد معمر ، وفي زيارة سابقة اكتشف أبو محمد سر فارس فقاسم فارس أبا محمد مستحلفا إياه ألا يخبر أحدا بجهازه .
ووسد فارس قبرا أعدته يداه بين أحبابه الشهداء ورفاق دربه الأصدقاء ، لاحقا بركبهم وراكبا في قافلتهم فارسا من فرسان الحق وسابقا الجياد بجواد الجهاد ، رحمك الله يا فارس الفرسان ، وأسكنك الله الجنة ، والله نسأل أن يبدلك أهلا خيرا من أهلك ودارا خيرا من دارك وزوجا خيرا من زوجك .
نم قرير العين يا فارس ....
{من المؤمنينَ رجالٌ صَدَقوا مَا عَاهدوا اللهَ عَليه فمنهُم مَن قَضَى نَحبَه ومنهُم مَن ينتظِر ومَا بَدّلوا تَبديلاً}
بيان عسكري صادر عن:
...::: كتائب الشهيد عز الدين القسام :::...
شهداء القسام في معركة الفرقان .. شامة فخر في غرة الزمان
وتستمر قافلة الشهداء في موكب مهيب بدأت طلائعه منذ أن أذن الله لنبيه بالجهاد، وتواصلت هذه الكوكبة العظيمة من الشهداء الأطهار، وكانت دوماً أرض فلسطين المقدسة الأكثر احتضاناً لأجساد الشهداء فطالما رويت أرضها بدمائهم الزكية وملائكة السماء استقبلت أرواحهم الطاهرة ..
وعلى هذا الدرب الشائك درب الجهاد والمقاومة يمضي أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذين أعلنوا بيعتهم لله وسلموا في سبيله أرواحهم وأنفسهم من أجل وطنهم السليب وقضيتهم العادلة ومقدساتهم المغتصبة وأرضهم المحتلة ..
وكانت "معركة الفرقان" ووقفنا فيها في وجه حرب الطغيان والإجرام التي شنها الكيان الصهيوني النازي ضد شعبنا الفلسطيني المرابط على أرض غزة الطيبة، وكانت معركة مختلة في توازن القوى المادية لكنها معركة تجلت فيها بشائر النصر وترسّخت فيها معاني الصمود والثبات والجهاد من قبل الثلة المؤمنة القليلة في العدة والعتاد، حتى باتت مفخرة للشعب الفلسطيني بين الأمم وصارت نموذجاً رائعاً من نماذج التضحية والمقاومة تعيد الأمة إلى ذاكرة أمجاد الأوائل وبطولات الماضي..
من هنا فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومن أرض فلسطين المباركة نزف إلى شعبنا المجاهد الصامد وإلى أمتنا العربية والإسلامية وإلى كل أحرار العالم شهداءنا الأبرار الأطهار الذين ارتقوا إلى العلا شهداء - بإذن الله تعالى- في "معركة الفرقان" التي بدأت بتاريخ 27-12-2008م وانتهت بتاريخ 18-01-2009م على أرض غزة الحبيبة.
سائلين الله تعالى أن يجعل دماءهم نوراً للأحرار وناراً على المعتدين الفجار، وعهداً أن لا تضيع هذه الدماء الزكية هدراً وأن نبقى الأوفياء لدرب الشهداء حتى نحرر أرضنا من دنس الصهاينة الغاصبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام – فلسطين
معركــة الفرقــان