القائد الميداني / محمد ديب أبو الخير
أحد المبعدين إلى مرج الزهور
القسام - خاص :
يا لها من تضحيات المؤمنين، وعزيمة الرجال الثابتين المرابطين المجاهدين في سبيل الله تعالى، عندما يمضي رجال القسام الأبطال حاملين أرواحهم على أكفهم، يسيرون في طريق ذات الشوكة، وابتغاء الشهادة في سبيل الله فداء للدين ونصرة للحق أمام الباطل وغطرسته، وبايعوا الله عز وجل على المضي قدما في درب الشهادة، غير آبهين بوعورة الطريق، من حروب ونيران ولهيب العدوان، خرجوا من رحم هذه الأرض ممتشقين سلاحهم الطاهر في وجه أعداء الدين والوطن اليهود ومن والاهم.
المولد والنشأة
ولدَ الشهيد محمد أبو الخير في 26/8/1954 في حيِّ الشجاعيةِ بمدينةِ غزة، ونشأَ وشبَّ في رحابِ أسرةٍ تعرف دين ربِّها، وتجعلُ من حبِّ الله ورسولِه درباً وطريقاً، ومن الشهادةِ في سبيلِه أمنيةً ساميةً لتفوزَ بما عنده عزَّ وجلّ.
تميّز الشهيد أبو مصعب رحمه الله بالإيمانِ والالتزامِ بطاعةِ الله، وكان يتّخذُ من قوةِ الإرادةِ سبيلاً ليحقّق بها ما يريد، حيث كان متيقّناً بشكلٍ تامٍّ أن الله عزّ وجلّ سيشُدّ من أزرِه، ويشقّ أمامه طريقَ الحقّ بيّناً، وأنه سيزرع على يديهِ بذورَ الخير، فكان طيّبَ القلبِ حنونَ الصّدرِ يحترمُه الجميعُ ويقدّره، يبرّ والديهِ ويطيعهما ويعطفُ عليهِما، لكنّ الله قدّرَ أن يتمّ اعتقالُ والدِه، والذي حكمَ عليه مدة 20 عاماً، في تلك الفترةِ كان عمر الشهيد أبو مصعب 12 عاماً، وهذه بدايتُه في تحمّلِ المسئوليّة، حيثُ كان الابنُ الأكبرُ في البيت، يحنُّ على إخوتِه ويعفو عنهم إذا ما أخطئوا بحقِّه، فلا يحملُ في قلبِه تجاههم إلاّ الحبّ، فزرع محبّته في قلوبِ الجميعِ بثقةٍ وجدارة، إذ كانَ كريماً شديدَ الحنان، يمتلكُ الأسلوبَ الطيّب كمفتاحٍ لقلوبِ الناس كلهم، فشيوخُ عائلتِه وشبابِها يشهدون بأخلاقِه الحسنةِ وسجاياه الكريمة.
تزوّج الشهيد أبو مصعب من امرأةٍ فاضلةٍ استطاع أن يعاملَها معاملةَ الزوجِ الصّالح، كما أنها كانت سندُه في طريقِ الجهادِ تشجّعه على العملِ الخيّرِ وفعلِ الصّالحات، ورزقَ منها بثلاثِ أولادٍ وثمانيةِ بنات، كلّهم تربوا على تعاليمِ الدّين الإسلاميّ، أمّا عن جيرانِه فقد كان يتفقّدهم باستمرار، ويطمئنّ على أحوالِهم ويصلحُ أمورَهم الاجتماعيّة، ويحلّ مشكلاتهم ومشكلاتِ عائلته.
كان لنشأةِ محمد المبكّرةِ على دين الله عزّ وجلّ، أثرٌ كبيرٌ في تشكيلِ هذه الشخصيّةِ العظيمة، حيث ساهمَ في إنشاءِ المجمّع الإسلاميّ، والذي كان يوجّهُ الاهتمامَ والرّعايةَ للشبابِ المسلم، بعد ذلك أكملَ دوره البارز في النّشاطاتِ الإسلاميّة من خطبٍ ودروسٍ دينيّةٍ وغيرها في مسجد الإصلاح.
درس الشهيدُ محمد أبو الخير المرحلةَ الابتدائيةِ والإعداديّة في مدرسةِ الشجاعيّة، ثمّ إلى مدرسةِ يافا للبنين ليدرسَ المرحلةَ الثانويّةَ فيها، وبعدَ أن أتمَّها لم يستطعِ الالتحاقَ بالجامعة، وذلك لأنّ مسئوليّة البيت كانت ملقاةً على كاهلِه، بعد اعتقالِ والده.
عمل شهيدنا موظّفاً في الجامعةِ الإسلاميةِ بغزّة، وساهم في حمايةِ هذا الصرحِ من هجماتِ اليهود، لاسيّما في المرةِ التي هوجمت فيها الجامعة، وهربَ منها أغلبُ الشبان، حيث وقفَ في وجهِ العدوان الصّهيونيّ، وسدّ بوابةَ الجامعةِ ومنعهم بجرأتِه وشجاعتِه من دخولِها.
في ظل الدعوة
شاركَ الشهيد في إنشاءِ المجمّعِ الإسلاميِّ منذ تأسيسِه، والتزم فيه منذ ذلك الوقتِ على يدِ الشهيد أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ثمّ أصبح شهيدنا البطل أبو مصعب قائماً على مسجدِ محمود أبو هين، فكان مربيّاً أميناً مخلِصاً، حتى أطلقوا عليه لقبَ (خليّة نحل) وذلك لنشاطاتِه التي دوّت في المسجد من ندَواتٍ ولقاءاتٍ تربويّةٍ وحلقاتٍ للقرآن ودوراتٍ لأحكامِ تلاوتِه، فكانت مساهمتُه واضحةً في بناءِ هذا الجيلِ القرآنيّ الذي حملَ عقيدةَ الإسلامِ بين جوانحه، وعشقَ الموت في سبيلِ الله كما خشيَ منه الصّهاينة. وشاركَ رحمه الله في جميعِ الفعاليّاتِ من مسيراتٍ وزياراتٍ لبيوتِ الشّهداءِ والأسرى والجرحى، حيثُ كان يقومُ بذلك مشياً على قدميهِ ويسخطُ كثيراً من الشبابِ الذين يتغيّبون عن أنشطةِ دعوتِهم. وكانَ مسئولاً عن أكثر من أسرةٍ دعويّة، يلتقي بهم أسبوعيّاً وينسّقُ لهم النّشاطات والرّحلات والإفطاراتِ الجماعيّة.
انضمّ محمد إلى قافلةِ الإخوانِ المسلمين عام 1976م، قبل أن تنطلقَ حركة حماس بعشرِ سنوات، لذا فهو من الذين شاركوا في تأسيسِ هذه الحركةِ الربّانيّة. كما أنه كان رقيباً في الدعوة. فلم يعِقه سنُّه الكبير عن مزاولةِ أيّ نشاطٍ قد يتعرّضُ له، دون انتظارِ الأجرِ لا من صغيرٍ ولا من كبير، حيث لم يبتغِ في ذلك سوى مرضاةِ ربه سبحانه وتعالى، ونصرةِ دعوتِه.
وكانَ رحمه الله من الذين يصرفونَ وقتَهم وجهدَهم خالصاً لله، وتأخذُهم الغيرةُ على بيوتِ ربِّهم، إذ إنه ساهم في تأسيسِ وبناءِ العديدِ من المساجد، منها مسجد وروضة أنس بن مالك، ومسجد أحمد ياسين، ومسجد محمود أبو هين، ومسجد الرّضوان، لكنّ الله رزقَه الشهادةَ قبلَ أن يريَه مسجديّ الرضوان وأحمد ياسين، وهما مكتملا البناء.
ولا ينقصُه اهتمام في البناءِ العقائديِّ والشرعيّ، والاجتماعيِّ أيضاً، فقد عرفَه الناس مثالاً للرّجل الذي يسعى لسدّ احتياجاتِ غيره، فتراه يساعدُ المحتاجين والفقراء ويتفقّدهم ويراقبُ أحوالَهم ويوزّع الصدقاتِ عليهم، إضافة إلى زيارتِهم ومشاركتِهم في أفراحِهم ومصائبهم.
سجلٌ جهاديّ مشرّف
انضم أبو مصعب انضمّ للجهازِ العسكريِّ منذ نشأتِه، ولكن في بدايةِ الانتفاضةِ الأولى وبتاريخِ 7-9-1987م، كانَ من النّاشطين بل من أوائل الذين لبّوا أمرَ الإخوانِ بالخروجِ لوضعِ المتاريس وإشعالِ إطاراتِ السيّارات، ثمّ عاماً بعد عامٍ وشيئاً بعدَ شيء، أصبح رحمه الله، مجاهداً ثمّ قائدَ مجموعة، ثمّ قائدَ تخصّص الإمدادِ لحيّ الشجاعيّة.
كانَ الرّباط على الثغور الشّرقيّةِ من أسرارِ سعادتِه الغامرة، حيثُ لم تكن عينه تقرّ إلّا بالرّباط هناك على تلك الثّغور، وفي كلّ مهمّةٍ عسكريّةٍ كان يلحظُ من معه من الشّباب سماحةَ أخلاقِه، يفعلُ الخيرَ دون انتظارٍ لأحدٍ أو بأمرٍ من أحد، شجاعاً مقداماً يتوعّدُ أعدائِه ولا يخشى في ذلك شيء.
على أيدي الغدر
سمِع أبو مصعب خبر استشهادِ رفيقِ دربِه أبو أسامة منية، ولم تكن لحظةً عابرةً عليه بالطّبع، فخرجَ من بيتِه وعليه يبدو تعبُ الرّباط الذي قضاه في اللّيلةِ السّابقة، فاتّجه إلى جنازتِه ليودّعه الوداعَ الأخير، ولم يكن يعلم رحمه الله أنه في الطريق إليه، إذ اخترقت جسدَه الطّاهر رصاصةُ الغدرِ والخيانة، نقل على إثرِها إلى المستشفى وأُدخلَ غرفة العمليّات لوقفِ نزيفٍ داخليّ، واستُشهدَ رحمه الله بتاريخ 22-5-2007م، ليرحلَ والنّور يعمّ جسده ووجهه.
رحمك الله يا أبا مصعب ولا نقول وداعاً بل إلى اللقاء في جنان الخلد
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }
بيان عسكري صادر عن
..::: كتائب الشهيد عز الدين القسـام :::..
استشهاد القائد القسامي محمد أبو الخير متأثراً بجراحه التي أصيب بها برصاص قوات (لحد)
في خضم هذه المعركة التي تقودها كتائب القسام ضد العدو الصهيوني، وهذه الحرب المفتوحة التي تشنها آلة الحرب الغاشمة ضد كتائب القسام والشرفاء الأطهار من أبناء شعبنا المرابط، هذه المعركة وتلك الحرب التي جاءت بقدر من الله ليميز الخبيث من الطيب، ولتطهر المجتمع الفلسطيني من الدخلاء على المقاومة وأدعياء النضال الذين رفعوا السلاح وأشعلوا نار الاقتتال الداخلي خدمة للاحتلال وإكمالاً لدوره في مواجهة المقاومة ... نزف إلى أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية فارساً جديداً من فرسان القسام الميامين:
الشهيد القسامي القائد/ محمد ديب أبو الخير
(50 عاماً) من مسجد "الشهيد محمود أبو هين" في حي الشجاعية بغزة
والذي ارتقى إلى ربه صباح اليوم الثلاثاء 05 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 22/05/2007م، متأثراً بجراحه التي كان أصيب بها برصاص عناصر مشبوهة من (الأمن الوطني!!) التي أطلقت النار على جنازة تشييع الشهيد القسامي القائد (إبراهيم منّية) يوم الثلاثاء الماضي، فاستشهد مجاهدنا القائد بعد مشوار جهادي طويل قضاه شهيدنا مؤمناً مجاهداً متفانياً في خدمة دينه ووطنه، ومشاركاً في الكثير من المهمات الجهادية ضد العدو الغاصب، نحسبه شهيداً ولا نزكي على الله أحداً ..
وإننا في كتائب القسام إذ نزف شهيدنا القائد (أبا مصعب) لنؤكد بأن دماءه الطاهرة ستبقى وقوداً لنا لمواصلة دكّ مغتصبات العدو ومواجهته بكل ما أوتينا من قوة رغم حجم التآمر المقيت ورغم عظم التضحيات، وستبقى دماء قائدنا لعنةً تطارد قاتليه إلى الأبد وتلقي بهم إلى مزابل التاريخ في زمرة المتواطئين مع أعدائهم والخائنين لشعبهم وقضيتهم ..
ونسأل الله تعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله الصبر والسلوان، ونعاهده وكل الشهداء أن نبقى على طريق ذات الشوكة حتى يأذن الله لنا بإحدى الحسنيين .
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد ،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الثلاثاء 05 جمادى الأولى 1428هـ
الموافق 22/05/2007م