الشهيد القسامي/ بكر نعيم العصار
حافر الأنفاق وجندي القسام المجهول
القسام - خاص :
"نفتقده في كل لحظة .. نتمنى رؤيته.. كان مطيعا إلى أبعد حد.. لقد ذهب الابن والصديق والحبيب والقريب" بهذه الكلمات بدأ والد الشهيد القسامي بكر نعيم العصار الحديث عن ابنه، والذي يفتخر بأنه قدمه في سبيل الله، وكم يتمنى أن يقدم نفسه هو أيضا في سبيل الله ويلحق بابنه الغالي والقريب إلى قلبه.
فمن الصعب الحديث عن رجال أحبوا صناعة الموت ليرهبوا أعداء الله، ويزلزلوا الأرض من تحت أقدامه، بل من الصعب الحديث عن الأبطال في زمن الأقزام، فهم الذين صنعوا الحياة الكريمة لغيرهم، باعوا أنفسهم رخيصة في سبيل الله، كان الموت في سبيل الله أسمى أمنية لهم، حرصوا كل الحرص على الجهاد في سبيل الله، ولا يمكن للكلمات أن تفي مثل هؤلاء حقهم، بل لا يمكن لها أن تحكي الشيء القليل عن انتصاراتهم وبطولاتهم.
بكر العصار.. رغم صغر سنه وحداثة عمره إلا أنه صنع لنفسه بإخلاصه وحبه لغيره، مجدا يتحدث عنه إلى الأبد، بل صنع تاريخا يتغنى به الآخرون، ويفتخر به والديه بل كل عائلته به.
الميلاد والنشأة
أبصر الشهيد القسامي بكر نعيم اسبيتان العصار والبالغ من العمر 20 عام، النور بتاريخ الثاني والعشرين من أكتوبر للعام السابع والثمانين بعد التسعمائة وألف للميلاد .
كان الميلاد بعيداً عن الوطن هناك في المنفى حيث ولد في المملكة العربية السعودية, ولكنه منذ اللحظات الأولى نطق اسم فلسطين وعشق أرض البطولة والعزة والكرامة . هاجرت عائلته الكريمة من قرية جولس التي تبعد عن مدينة المجدل ما يقارب 5 كيلو متر.
مسيرته التعليمية
درس فارسنا الهمام المرحلة الابتدائية في مدارس المملكة العربية السعودية ، وفي عام 1996م عاد بكر مع عائلته إلى موطنه الأصلي فلسطين، وأكمل دراسته الإعدادية والثانوية فيها.
وتعرض بكر خلال دراسته الثانوية لمحنة صعبة، فدرس في القسم العلمي في الثانوية العامة بسبب تميزه بالحفظ الشديد لأي شيء يدرسه ويقرأه، إلا أن الظروف لم تساعده في أن يستمر في هذا القسم، فانتقل من القسم العلمي إلى القسم الأدبي، ونجح في دراسته والتحق بجامعة فلسطين الدولية ليدرس فيها دبلوم سكرتارية.
تميز بكر بالحركة المستمرة وحبه لخدمة الآخرين، وقد ساعده في ذلك بنيته القوية وطوله الفارع الذي تميز به عن باقي إخوته في المنزل، والمضحك أن بكر إذا أراد أن يشتري حذاءً ليلبسه في قدميه، يقوم بتفصيل حذاء خاص به لعدم وجود أي حذاء يناسب قدميه.
بنية بكر القوية ووزنه الذي وصل إلى 90 كيلو جرام، جعلته يلتحق بأحد الأندية المتخصصة بكمال الأجسام، وتدرب جيدا فيها على مبارزة الآخرين بالذراع، ويذكر أنه نال المرتبة الثانية على مستوى قطاع غزة في بطولة الذراع على وزنه.
شخصية نادرة
"بكر" صاحب الأخلاق الطيبة والصفات المحمدية الكريمة , تميز عن أقرانه بخلق سام ونفس طيبة وسريرة طاهرة صافية .
ما إن يراه أحد حتى يحبه لممازحته الآخرين بشكل كبير وحبه للجميع، ولم يذكر أحد من أقاربه أو أصدقائه أنه رأى بكر غضب من أحد أو حقد عليه، فقد كان المسامح صاحب القلب الكبير والواسع الذي يتحمل الآخرين، حتى وإن أخطأ الآخرون في حقه.
يذكر لنا أحد أصدقاءه أن بكر ليلة استشهاده كان يمازح أخاً له في الله، ولكنه أصابه بجرح خفيف في رقبته وغضب هذا الشاب وغادر المكان، إلا أن الشهيد بكر لم يهدأ له بال حتى ذهب إلى بيته وطلب منه أن يسامحه.
كما وتميز بكر بالسرية الشديدة والكتمان خاصة على أعز أصدقائه وأحبابه، حتى أنه أثناء الرباط وخروجه مع إخوانه المجاهدين من أفراد مجموعته لم يكن يزيل اللثام عن وجهه أبداً، حتى وإن طلب أصدقاؤه ذلك منه.
بكر.. الشاب المميز
أحد أفراد مجموعته يذكر لنا أنه تم تكليف مجموعتهم بحماية أحد الشخصيات الهامة في أحد المناطق، وكان بكر من أول الموافقين على هذه المهمة، وحين ذهابهم إلى المكان وجلوسهم فيه للحماية، قام أفراد مجموعته برفع اللثام عن وجوههم إلا هو، فطلب منه إخوانه برفع اللثام إلا أنه رفض ذلك معللاً بأنه يمكن أن يأتي أحد أفراد عائلة الشخصية ويراه وهو لا يريد ذلك.
تميز بكر الواضح لم يقتصر فقط خارج البيت مع أصدقاءه وإخوانه، ولكنه في بيته كان كذلك أيضا، فيقول والد الشهيد: "كان بكر رحمه الله مميزاً جداً عن إخوانه وأخواته جميعهم، فقد كان مطيعاً إلى أبعد درجة كما أنه أحس بالمسئولية رغم صغر سنه، وإذا كنا نطلب منه أي طلب فسرعان ما ينفذه دون أن يتحجج بشيء، وكان يمزح معي دائماً ويقول لي أدق التفاصيل والأسرار التي يخفيها عن غيري حتى لا أقلق عليه أبدا".
ويذكر لنا والد الشهيد موقفاً عن ابنه فيقول: "في أحد الأيام رجعت إلى البيت، فقابلتني ابنتي الصغيرة وقالت لي: بكر غلبني، فناديت على بكر وأسرع قائلاً بصورة مازحة وهو يضحك لم أغلبها وإنما كنت أمزح معها، فقلت له تعال طيب حتى تضربك أختك، ويأتي ثم يعود للعب معها من جديد".
بذل الغالي والنفيس من أجل الله
ولم تغب ميزة التضحية عن شخصية بكر، حيث في شهر رمضان المبارك، يكون في النهار صائماً وهو في العمل وأحيانا يكون في الجامعة والدراسة، وبعد ذلك يعود ليفطر ومن ثم يعود لمتابعة العمل من جديد، وفي الليل يخرج ليرابط على الثغور مع إخوانه المجاهدين دون أن يشعر الآخرين أنه مرهق أو اصابه التعب.
حتى أن أحد المجاهدين يشير إلى أن بكر كان يحتفظ بعبوة شواظ يأخذها معه على الرباط، فكان يحملها ذهابا وإيابا دون أن يعطيها لأحد من المجاهدين لكي يريحه منها، حتى أنه ذات مرة طلب منه أحد رفاقه الذين يخرجون معه إلى الرباط أن يحمل عنه العبوة، فرفض بكر قائلا: "أأتعب في النهار من أجل المال، ولا أتعب في الليل من أجل الله وفي سبيله".
والد الشهيد بكر قال أيضا: "رجعت ذات يوم إلى البيت في الليل فوجدت بكر ممسكا ببنطال له ويريد أن يخيطه، لكنه لم يستطع في حينها أن يضع الخيط في الإبرة، فأخذتها منه ووضعت الخيط في الإبرة، فقال لي ممازحا: هذا أنت يا أبي شاب وأنا صرت عجوز".
كما أنه في أحد الأيام ذهب لمساعدة أحد أصدقائه في رفع الحجارة إلى الطابق الأول من بيته، فكان الشباب الآخرين يرفعون حجرين حجرين، إلا أن بكر وبمساعدة بنيته القوية كان يحمل أربعة حجارة مع بعضها البعض، وقد طلب منه صاحب البيت أن يكف عن ذلك إلا أنه رفض واستمر في حمل الحجارة الأربعة.
مع القسام
نشط بكر في صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ صغره، وانضم إلى الكشافة الإسلامية وكان عنصراً متميزاً فيها وقد شكره الجميع على شجاعته وجرأته، لأنه كان يقوم بأي شيء يكلف به دون مساعدة من أحد.
والتحق بكر أيضاً بجهاز العمل الجماهيري الخاص بحركة حماس وكان نشيطاً جداً في هذا الجهاز، إلا أن بكر كان يسعى إلى ما هو أعلى شأنا من ذلك فقد حرص دوماً على أن يكون ضمن صفوف كتائب القسام، حتى يمهد لنفسه بأن يكون أحد العناصر الضاربة فيها والفاعلة أيضاً، فطالب دوماً وتكراراً من قيادته بأنه يريد الالتحاق بصفوف الكتائب، حتى أن والده الشيخ نعيم قال له يا بني اصبر وتمهل، إلا أن بكر كان يقول لوالده: أنت لا تريدني أن استشهد!، لكن بكر نال ما أراد والتحق في صفوف القسام مع بداية عام 2006م.
ولم يغفل بكر في يوم من الأيام أن يسأل والده عن مكان النقب وكيفية الوصول إلى الأراضي المحتلة عام 1948م، وما هي أقرب طريق للوصول إليها، ويعقب والده على هذا الأمر قائلاً : بعد أن يسألني بكر عن ذلك يقوم بإحضار خريطة لفلسطين ويحدد عليها الطرق التي يمكن من خلالها الوصول إلى الأراضي المحتلة.
وقد تأثر الشهيد بكر العصار جدا باستشهاد أخيه وجاره الشهيد القسامي المجاهد محمد البابلي، فقد أحبه كثيراً وتمنى لو أنه استشهد معه، وهذا ما دفعه إلى زيارة قبر الشهيد البابلي بشكل يومي والجلوس بجوار قبره ومحادثته، حتى أن بكر سأل أحد أصدقاءه يوما: يا ترى هل يحبني محمد البابلي كما أحبه؟!.
نبأ الاستشهاد
تحدث والد الشهيد عن ليلة الاستشهاد قائلا: "كنت جالسا في البيت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل فأتاني أخي وأبي وسألوني عن بكر، فقلت لهم إنه موجود في البيت ولكنه فعلاً لم يكن موجود، ولكنني حين سألوني شككت في الأمر وأحسست أنه حدث شيء ما لبكر أو أنه استشهد، فقالوا لي تعال معنا للذهاب إلى المستشفى، فقمت فورا بصعود سيارتي وذهبنا إلى المستشفى إلا أننا ونحن في الطريق حدث خلل في عجل السيارة فتوقفت لأقوم بتبديله، وأثناء ذلك جاءني اتصال على الجوال من مسئول المنطقة ليسألني أنت والد بكر، فقلت له بعد أن عرفت صوته مباشرة هل استشهد بكر؟، فأجابني بأنه استشهد فعلاً، فحمدت الله وسجدت شاكراً له، وقلت لا حول ولا قوة إلا بالله، وأكملت الطريق إلى المستشفى، لأجد بالفعل بكر ممد على السرير فقمت بتقبيله، وحمدت الله على كل حال".
ورجع أبو بكر في ذاكرته إلى الوراء قليلاً حيث قال: في الأيام الأخيرة لبكر، كان يزور كل خالاته وعماته ويقوم بتوديعهن بصورة غير مباشرة وكأنه كان يحس بأنه سوف يستشهد، وفي أحد المرات وهو يتواجد عند جدته طلب منها أن تدعو له بأن يستشهد فقالت له يارب تنال شهادة الجامعة، فقال لها: لأ أنا أريد شهادة الآخرة، فردت عليه قائلة بس تتزوج يا بكر، قال لها إن شاء الله بتزوج من الحور العين.
حادثة الاستشهاد
استشهد بكر في اليوم الأخير لحفر النفق الذي كان يشارك في حفره مع مجموعة من المجاهدين، حيث كان من المفروض أن ينتهي الحفر قبل استشهاده بليلة إلا أن ظروفا منعتهم من إكمال الحفر وتأجل العمل لليوم التالي والذي استشهد فيه.
يذكر أحد المجاهدين أن بكر كان يرفض أن ينزل أحد قبله إلى النفق ولا يرضى أن يبدأ أحد بالحفر قبل أن يبدأ هو، فنزل بكر إلى النفق يوم استشهاده وأطال في الداخل، فانشغل بال إخوانه المجاهدين عليه وصاروا ينادون عليه، إلا أنه لم يجيب عليهم أبدا وما هي إلا لحظات حتى رأوا رأس بكر وهي على الأرض، فرمى أحد الإخوة عليه حجرا صغيرا ولكنه لم يجيب، فقام البقية على الفور بسحبه فوجدوا أنه فاقد للوعي، وأنفاسه قد توقفت.
فكان الاستشهاد يوم السبت 28-10-2006م أثناء تأديته لواجبه الجهادي في حفر أحد الأنفاق القسامية.
رحمك الله يا بكر وأسكنك فسيح الجنان وأنزلك الله منازل الشهداء .
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}
بيان عسكري صادر عن
..::: كتائب الشهيد عز الدين القسـام :::..
..:: معركــة وفــاء الأحــرار ::..
استشهاد المجاهد القسامي بكر العصار أثناء عمله الجهادي داخل نفق أرضي
ياجماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد.. يا جماهير أمتنا العربية والإسلامية..
يوماً بعد يوم يثبت رجال القسام أنهم لا زالوا على الدرب الذي رسمه لهم قادتهم الشهداء، يعملون في كل مكان بصمت وإخلاص، لا تُرى وجوههم ولكن تُرى أفعالهم، لا يعرفون التراجع أو الانكسار أمام بطش العدو وجبروته وتهديداته، ولا يعرفون العربدة والاستقواء على أبناء شعبهم ولكنهم أشداء على المحتل المغتصب، يتربصون به في كل مكان، يعملون فوق الأرض وتحتها لإصابة العدو في مقتل.
واليوم نزف إلى أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا الإسلامية أحد فرسان كتائب الشهيد عز الدين القسام :
الشهيد المجاهد / بكر نعيم سبيتان العصار
"20عاماً" من مسجد الفاروق بمخيم النصيرات
والذي استشهد أثناء قيامه بعمله الجهادي داخل نفق أرضي، فجر اليوم الأحد السابع من شوال لعام 1427هـ الموافق 29/10/2006م، ليرتقي إلى الله شهيداً مقبلاً غير مدبر، وهو يعد العدة مع إخوانه في كتائب القسام ليزلزلوا أركان العدو الغاصب، نحسبه شهيداً ولا نزكي على الله أحداً .
إن كتائب الشهيد عز الدين القسام وهي تزف إلى العلا شهيدها المجاهد فإنها تؤكد على أنها ستواصل طريق الجهاد والمقاومة والدفاع عن أبناء الشعب وكرامة الأمة حتى يأذن الله بالنصر المبين.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد،،،
كتائب الشهيد عز الدين القسام
الأحد 7 شوال 1427هـ
الموافق 29/10/2006م